ميرفت أمين..مجد "حافية على جسر الذهب"

وجدي الكومي

الأحد 04/08/2019
 
بلد تسقط في هاوية الهزيمة، بينما يسطع في سمائها نجمة. سينمائيون يفرون إلى لبنان، واستوديوهات معطلة، تبحث عن فنانات، تتهيأ الظروف لميلادهن. خاصة أن أحد أشهر فتيان الشاشة آنذاك أحمد مظهر، يبحث عن وجه جديد، وبدلا من أن ينقب عنها في معهد السينما، عثر عليها في نادي الفروسية، كما تقول إحدى الروايات، بينما الرواية المتماسكة تقول، إنه عثر عليها حينما ذهبت بقدميها إلى استوديو "جلال" فإذا به يلتقيها، ويقرر أن تشاركه بطولة الفيلم الذي يكتبه ويمثله، ويخرجه، وينتجه.
ليست مبالغة أن يكون الفيلم الذي مثلته ميرفت أمين في العام 1976، أي بعد أقل من عشر سنوات على بزوغها في العام 1968، يحمل اسم "حافية على جسر الذهب"، ويجسد في الحقيقة مسيرتها، فمن فتاة جامعية، ذهبت بالصدفة إلى أحد الاستوديوهات، وهي في الثانية والعشرين من عمرها، إلى نجمة سينمائية يختارها أكبر المخرجين صلاح أبوسيف وحسين كمال، لتدخل عقد السبعينيات وقد حجزت مقعدها بين نجمات الصف الأول، في زمن سعاد حسني وفاتن حمامة، كن متربعات فيه ومهيمنات على مقاعد هذا الصف.

يتحدث صلاح أبو سيف في تصريحات لصحيفة الجمهورية المصرية يوم 13 آذار عام 1968، في تقرير منشور بعنوان "صلاح أبوسيف" يشرح أسباب اختيار مرفت أمين بدلا من سعاد حسني لـ"القاهرة 68"، ويستهل المحرر تقريره بقوله: لثاني مرة تجازف شركة القاهرة للإنتاج السينمائي وتسند بطولة فيلم كبير لوجه جديد بدلا من سعاد حسني، فهذه المرة تسند الشركة بطولة "القاهرة 68" للممثلة ميرفت أمين التي اكتشفها أحمد مظهر وقدمها في أول فيلم من إنتاجه وإخراجه وتمثيله وتأليفه.

أما صلاح أبوسيف، فقال للمحرر: الدور مناسب لميرفت، ورشحتها لبطولة الفيلم لأنه دور فتاة جامعية مؤمنة بالثورة، وميرفت في رأيي الوحيدة التي تستطيع أن تلعبه، لأنها مثقفة، ولم تزل طالبة في كلية الآداب.

وعن أسباب إسناد الدور أولا لسعاد حسني، قال صلاح أبوسيف: شركة التوزيع كان لها رأي وهو أن توزيع الأفلام في الخارج يحتاج إلى أسماء لها سوق، والملاحظ أن الأفلام التي انتجتها شركة القاهرة ليس فيها نجوم كبار، ومن أجل خاطر التوزيع اقترحنا سعاد حسني، لكنها بعدما قرأت الدور، وجدت أنه لا يناسبها، بالإضافة إلى أنها طلبت في حالة قبوله أن يتأخر التصوير، لارتباطها ببطولة أكثر من فيلم، كما أصرت على رفع أجرها وأمام هذه الشروط لم نجد إلا أن نعود لميرفت أمين.

في هذا الحوار يصف صلاح أبوسيف ميرفت أمين بأن فيها خامة فنية تبشر بالخير، مضيفا: عندما أقول ذلك، أقوله عن خبرة، وتجربة، ولو جيت للحق، فلها شخصية حاضرة، ويمكن توجيهها، بجانب أنها مثقفة، والسينما في حاجة إلى هذا النوع من المثقفين.


ألقاب كثيرة حملتها ميرفت أمين، المولودة في محافظة المنيا في العام 1946 من أب مصري، وأم إنكليزية، من بينها "القطة" وهي اللفظة التي ظلت لصيقة بها منذ فيلمها مع عادل أدهم "حافية على جسر الذهب" و"زوجة رجل مهم"، وهو اللقب الذي حملته منذ فيلمها مع أحمد زكي، "الدمية"، هو اللقب الذي وصفتها به الصحافة اللبنانية في حوار معها في مجلة الموعد اللبنانية في السبعينيات، أما "المحظوظة"، فهو اللقب الذي يعبر عن مسيرتها وبداياتها القوية.

فبين فنان ناجح يكتشفها ويمنحها دور البطولة في فيلم يفعل فيه كل شيء، وبين مخرجين كبار يتلفتون حولهم، فيجدون فنانات السينما المصرية الشهيرات قد هجرنها إلى بيروت، والباقيات منهن يرفعن أجورهن، ويتعززن، ويضعن شروطهن، تظهر ميرفت أمين، وجه فاتن، عينان متوثبتان، طموحة ومثقفة جامعية، ولديها إمكانيات الحُسن والإغراء، وهكذا، من الخامس من يوليو تموز عام 1968، الذي جلس فيه جمهور سينما ديانا يترقب الصاروخ الذي أطلقه أحمد مظهر في سماء الفن، ومن أجله كتب القصة والسيناريو ولعب البطولة، وأنفق من جيبه على إنتاج "نفوس حائرة"، لم تنقطع ميرفت أمين عن الطريق، فيختارها عبد الحليم حافظ لتشاركه بطولة آخر أفلامه عام 1969، ويوافق حسين كمال مخرج الفيلم الذي كتب قصته إحسان عبد القدوس، وتخرج ميرفت أمين بعدها بسنوات لتذكر أن القدر لعب لعبة مشابهة معها، بعدما أزيحت من طريقها زيزي مصطفى، التي كانت مرشحة لتمثيل هذا الدور، تقول ميرفت أمين في حوار مع مجلة الموعد: "كان اختيار العندليب لي بالصدفة، فقد كانت المرشحة لتمثيل الدور زيزي مصطفى، ولا أعرف لماذا اختلفت الشركة المنتجة للفيلم معها، الذي أعرفه أن الذي رشحني بدلا منها هو مدير التصوير السينمائي وحيد فريد، وكان هو الذي صور فيلمي الأول نفوس حائرة، ووافق على تمثيلي للدور في "أبي فوق الشجرة" المخرج حسين كمال. وحسب الدور.. يحبها العندليب في الفيلم.. والبنت التي تمثل أمام عبد الحليم، وتكون حبيبته في الفيلم.. يحبها الجمهور بأكمله".. هكذا قالت ميرفت في أحد حوارتها، وكانت صادقة تماما.


فبفضل هذا الدور ظلت ميرفت أمين في دور السينما القاهرة 52 أسبوعا، دون انقطاع، فيما يفوق بكثير طموحات أية نجمة من نجمات الصف الأول آنذاك، لتدخل عقد السبعينات وهي نجمة سينمائية طاغية.
تعترف ميرفت أمين بأنها محظوظة، لأنها تمثل أمام أشهر مطرب مصري وعربي، وأن هذا سوف يكسبها شعبية كبيرة، وهو ما حدث بالفعل، فلا يتركها حسين كمال، قبل أن تمثل معه فيلم "ثرثرة فوق النيل" الذي كانت المجلات الفنية المصرية تكتب اسمه "ثرثرة على النيل" كما فعلت "الأخبار" في التقارير المنشورة بتواريخ "11 فبراير/ شباط 1971، حينما نشرت خبرا بعنوان "ميرفت أمين تقبل فقط الأدوار الجادة" وقال فيه محرره: ميرفت قررت أن تقبل فقط الأدوار التي يكون فيها للشخصية أبعاد وزوايا، وأول هذه الأدوار هو دورها في فيلم "ثرثرة على النيل" الذي يخرجه حسين كمال بعد 10 أيام، وهناك فيلم مع زوجها المطرب موفق بهجت" لحساب مؤسسة السينما يخرجه عاطف سالم.

وفي يونيو/ حزيران العام -1971- تنشر "الأخبار" تقريرا يقول إن ميرفت أمين انتهت من تصوير "ثرثرة على النيل"، وستبدأ في الأسبوع القادم تصوير فيلم من إخراج خليل شوقي. وفي روزاليوسف نقرأ: أخيرا تذكرت مؤسسة السينما ميرفت أمين فبعد فترة طويلة من النسيان أسندت لها المؤسسة تصوير فيلمين في وقت واحد هما "دعوة للحياة" والسلم الخلفي" وارتفع أجرها إلى 1200 جنيه، بعدما كان أجرها 800 جنيه فقط.
السبعينيات كانت كلها فترة مثمرة، فتاة تائهة تنضم لزمرة التائهين في "ثرثرة فوق النيل" الذين يدخنون الحشيش في عوامة منفصلة عن بلد مهزوم سياسيا وعسكريا، وتائه تماما كأبطال الفيلم، ثم فتاة بار بوجه يختبئ خلف ماكياج صارخ، وأسفل تسريحة "هيبيز" تميز السبعينيات في فيلم حسين كمال أيضا "أنف وثلاثة عيون" مع كاتب كبير مختلف عن نجيب محفوظ هذه المرة وهو إحسان عبد القدوس"، ثم نجيب محفوظ مرة أخرى وحسين كمال في فيلم "الحب تحت المطر" وهي المرحلة التي يمكن أن نسميها مرحلة الأفلام المهمة والكبيرة في مسيرتها، المأخوذة عن روايات للكتاب الكبار، ويتخللها أفلام السبعينيات العابثة، ومنها "البنات والمرسيدس" و"شلة المراهقين" لنيازي مصطفى، قبل أن يأتي العام 1975 الذي تقف فيه أمام فريد الأطرش في آخر أدواره، وآخر أفلامه الذي لم يكتب له القدر أن يعيش ليراه وهو "نغم في حياتي" وخلال هذا الفيلم تـُعمق ميرفت من مسيرتها الفنية وتظهر في دور الفتاة الرومانسية، المحبة التي تتنازل عن حبها، من أجل إنقاذ حبيبها، في دورها بفيلم "حافية على جسر الذهب" الذي عُرض عام 1976، وأطلق رصاصة على حقبة الستينيات وممارسات قادتها السياسيين بالأخص مع الفنانات.

مع قرب انتهاء السبعينيات، لم تجد ميرفت أمين مخرجاً كصلاح أبوسيف، وحسين كمال يمنحونها دفعة على جسر الذهب، تواصل به تقدمها، لكن ظهور كوكبة من الشبان المخرجين ينقذونها من التيه، وبالأخص عاطف الطيب، ومحمد خان، اللذين مثلت معهما أهم أفلام حقبة الثمانينات.

انسحبت ميرفت أمين مع بداية الثمانينيات في ما يشبه الاعتزال، لكنها أعادت اكتشاف نفسها حينما قررت التعامل مع فرسان السينما الجديدة، بداية بعاطف الطيب في سواق الأتوبيس 1982، ثم تزوير في أوراق رسمية ليحي العلمي عام 1984.

وكما كان مطلع السبعينيات له دوره الأكبر في دفعها إلى الأمام عقد كامل، صادف الثمانينيات قمة مجدها، حينما لعبت دور زوجتين في فيلمين بالغي الأهمية في مسيرتها، زوجة رجل مهم مع محمد خان في العام 1988، ووقفت فيه أمام أحمد زكي، كانت زوجة للأراجوز في فيلم من بطولة عمر الشريف في العام 1989، وكلا الفيلمين هزا مصر، وكان دورها فيهما علامتان في مسيرتها.

كانت مرحلة عاطف الطيب، ومحمد خان، وهاني لاشين، فاصلة في مسيرتها السينمائية، فأفلام "سواق الأتوبيس" و"الدنيا على جناح يمامة" و"عودة مواطن" و"زوجة رجل مهم" و"الأراجوز" أبرز ما قدمته ميرفت أمين في عقد الثمانينات، وقد انطبق ما قالته في حوار لها في مجلة الكواكب عام 1986 على مسيرتها التي هدأت بعد ذلك، إذ قالت: كل مرحلة ولها أدوارها وطبيعة أداء هذه الأدوار، وما يقبله الفنان اليوم، قد لا يقبله غدا.

وظهرت شرفيا كما في فيلمها مع خان الثالث "أيام السادات" في دور جيهان السادات، الذي تقاسمت فيه البطولة مع نجمة أصغر منها سناً بكثير، وهي منى ذكي، أو ظهور سنيد البطل في فيلم "مرجان أحمد مرجان" عام 2007، مع عادل إمام، ثالث فيلم تمثله معه بعد فيلميه "البحث عن فضيحة" في السبعينيات، و" واحدة بواحدة" العام 1984.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019