الملك توت.. بوب ستار!

شادي لويس

الجمعة 22/11/2019
وصل معرض "كنوز الملك الذهبي" مطلع شهر نوفمبر، إلى لندن، لتكون محطته الثالثة في جولة تمر في عشر مدن حول العالم وتنتهي في العام 2021. كان المعرض قد حقق في محطته السابقة، باريس، أعلى أقبال في تاريخ المعارض الفرنسية، بحوالى مليون و400 ألف زائر، ويتوقع أن يحقق أرقاماً قياسية مشابهة في كل محطاته، وهو الأمر الذي دفع متحف سيدني، محطته الرابعة، إلى تخصيص 50 مليون دولار لأعمال التوسيع والتجديد حتى يكون قادراً على استيعاب الزوار، والمُقدّر أن يصل عددهم إلى 900 ألف، وهو الرقم الأكبر في تاريخ متاحف المدينة الأسترالية. 


في لندن، يستضيف غاليري ساتشي، 150 قطعة من كنوز الملك توت، بعضها يعرض في الخارج للمرة الأولى، وجميعها سيعرض للمرة الأخيرة كما صرح الدكتور زاهي حواس لوسائل الإعلام البريطانية. فالملك سيعود إلى بيته بعد نهاية الجولة "ليشرب بعض البيرة"، ويستريح للأبد. فحصيلة المعرض ستوجه لاستكمال أعمال المتحف المصري الكبير، والذي سيكون بيتاً لكنوز الملك توت في المستقبل. ولا يجب التعامل مع تصريحات حواس بجدية، فهي في الأغلب لا تعدو استراتيجية تسويق، فجولات الملك توت العالمية لم تتوقف خلال العقود الستة الماضية، ولطالما كان قناعه الذهبي في الوسط من تبدلات سياسية جامحة، وواحداً من أثمن أدوات الدبلوماسية المصرية. 

كان اكتشاف الأركيولوجي البريطاني، هوارد كارتر، للمقبرة، العام 1920، انطلاقة لحالة عالمية من الهوس، أطلق عليها "توت مانيا" طاولت الأغاني والسينما والأزياء والفنون وحركة السياحة. لكن أهم اكتشاف أثري في القرن، كان أيضا محكاً حاسماً لاختبار صلاحيات الدولة المصرية التي كانت قد نالت استقلالها قبل شهور. فللمرة الأولى، آلت كافة المقتنيات المكتشفة للحكومة المصرية، لا إلى القائمين على الحفريات. توقف كارتر عن العمل احتجاجاً، ولاحقاً قاضى الإدارة المصرية في المحاكم، لكن بلا نتيجة. بشكل أو بآخر، كان القناع الملكي علامة على ميلاد دولة الاستقلال المصرية.



بين العامين 1961 و1967، جالت مجموعة صغيرة من مقتنيات المقبرة الملكية حول العالم، في 18 مدينة في الولايات المتحدة وكندا، وبعدها إلى اليابان الذي اجتذب معرضه أكثر من ثلاثة ملايين زائر، وأخيراً في فرنسا. وكانت الجولة معنية باجتذاب الدعم لمشروع اليونيسكو لإنقاذ آثار النوبة التي هددها مشروع السد العالي. وتوقفت تلك الجولة مع النكسة.

لكن سرعان ما تبدلت موازين القوى في المنطقة، فنوايا نظام أنور السادات للتقارب مع الغرب، كان قد تم تأكيدها بالإعلان عن المعرض الأكبر من نوعه للملك توت في الخارج، والذي استضافه المتحف البريطاني في لندن العام 1972. كان الحدث كبيراً إلى حد أن طائرة من سلاح الجو البريطاني، كان قد تابعت عملية نقل المقتنيات ومن بينها القناع الذهبي، وقامت الملكة إليزابيث بنفسها بافتتاح المتحف رسمياً، وهو ما اعتُبر خطوة استثنائية لترميم العلاقات مع المستعمر السابق والتي انهارت تماماً بعد حرب السويس. وبالطبع اجتذب الملك الصغير حينها رقماً قياسياً آخر، مليون و600 ألف زائر، الرقم الأكبر في تاريخ المتحف البريطاني.

احتاج الأمر عامين، حتى زار نيكسون مصر في العام 1974، فطلب الرئيس الأميركي من السادات إرسال المعرض الذي كان قد مرّ بالاتحاد السوفياتي وألمانيا الشرقية، في جولة في الولايات المتحدة، "هدية صداقة من الشعب المصري إلي الشعب الأميركي". كان نيكسون الذي تطارده فضحية "ووترغيت" في حاجة لانتصار دعائي ولو صغير، والسادات من جانبه كان في سياق حملة واسعة لتغيير صورة مصر في الغرب، من دولة مارقة معادية للولايات المتحدة إلى دولة صديقة، ولم يكن هناك أفضل من قناع توت الذهبي ليقوم بالمهمة.



في صحبة بارجة حربية أميركية، وفي سرية كاملة بحسب طلب الحكومة المصرية، وصل المعرض إلى الولايات المتحدة العام 1976، وضربت "عاصفة توت" ستة مدن أميركية، كانت أولها واشنطن، والتي زار معرضها أكثر من 800 ألف، أي أكثر من سكان المدينة نفسها، وكذا الرئيس كارتر الذي أطلق بعدها على كلبه اسم "الملك توت"، ومر المعرض لاحقاً في متحف متروبوليتان في نيويورك الذي استقبل معرضه أيضاً أكبر عدد من الزوار في تاريخه، واختتمت الجولة في العام 1979 في سان فرانسيسكو.

لا بوارج ولا طائرات حربية في صحبة المعرض الحالي، ولا افتتاحات ملكية أيضاً. لسبب غير مفهوم، اختارت وزارة الآثار المصرية ألا يكون معرضها في المتحف البريطاني، بل في "غاليري ساتشي" الخاص. ولسبب أغرب، أسندت عملية تنظيمه لشركة أميركية باسم "آي إم جي"، متخصصة في تنظيم البطولات الرياضية بالأساس، ولا سابقة أعمال لها في ما يخص المعارض الأركيولوجية. موسيقى البوب المصاحبة للعرض، ولون الذهب الذي يتلألأ، مع قليل جداً من المعلومات في اللوحات الإرشادية، بالإضافة إلى قبعات زاهي حواس الشهيرة التي تُباع في المدخل.. يتناسب هذا كله مع خيارات الوزارة المصرية. تأتي العودة متواضعة، لكن ألق الفرعون الذهبي لا ينضب. أرقام قياسية ستحطم ومئات الآلاف من التذاكر في سبيلها للبيع، ومعها زجاجات صغيرة معبأة بالرمل المصري تباع الواحدة منها بعشرة جنيهات إسترلينية.  

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020