الفايسبوك فضّاح "الشاعرات"

جورج يرق

السبت 23/12/2017
 
تكتب روائية معروفة على صفحتها في الفايسبوك تعليقات بلغة ركيكة حافلة بأخطاء نحوية وصرفية. ومن يتصفح أياً من رواياتها، يظن أن الكاتبة التي يتابعها في الموقع الاجتماعي هي غير الكاتبة التي يقرأها في الكتب، لفرق المستوى في اللغة. هناك هزال وغلطات قد لا يرتكبها تلميذ في المرحلة الابتدائية. وهنا متانة وتماسك ولغة سليمة. قد يتدخل المحرر الأدبي في إعادة كتابة جملة مهلهلة، أو في إعادة صوغ فقرة، أما أن يحرر الكتاب كله، فهذا ليس في إطار عمله. هل هنالك كاتب شبح وراء رواياتها؟ ربّما.
كما فضح الفايسبوك هذه الكاتبة التي تُعدّ في مصاف أشهر الروائيين، كذلك فضح بضع شاعرات وكاتبات لديهن دواوين وكتب، وأسماؤهن تتردد في المقاهي والمنتديات، وحلقات التوقيع التي يعقدنها في المعارض تشهد زحمةً قلما تشهد مثلها مناسبة أدبية مرموقة.
واللافت أن غالبيتهن تتمتع بقسط من الفتنة. لا يعني هذا أن المرأة الجميلة لا تستطيع كتابة شعر جميل. لكن ليس مصادفة أن يكن هؤلاء الطارئات على الكتابة حسناوات. فالمرأة الحلوة تجد أكثر من متبرع أدبي يعرض عليها خدماته لغاية في نفسه. يكتب هو وتوقّع هي، ثم تروّج لها برامج التلفزيون الصباحية والاذاعات. 
وبين خريف وشتاء، تصبح السيدة المجهولة اسماً علماً، فتقيم علاقات بالوسط الثقافي. ومثلما عثرت على متطوع متأهب للاستكتاب، تعثر على محرر في صفحة ثقافية أو في جريدة الكترونية، فيمتدحها صاحبنا ويمتدح صنيعها الأدبي. ولا يفوته أن يجيّش زملاء للكتابة عنها، أو عقد حوارات معها.
 وعلى غرار جحا الذي صدق كذبته، تصدق الشاعرة الصاعدة نفسها، فتنشىء صفحة على كل من المواقع الاجتماعية، تنشر فيها تلك المقالات والحوارات والمقابلات المصورة. ومع تتالي نقرات الاعجاب وعبارات التبجيل، تبدأ بالتعليق على مسائل مختلفة من باب إثبات الحضور والوجاهة. إذ ذاك، يُفتضح أمرها ويسقط القناع لعجزها عن تدبيج جملة واحدة بلا أخطاء. وإذا كتبت فكرةً بلغة صحيحة فسرعان ما يتبيّن أنها ليست هي صاحبتها من ردودها على تعليقات الاصدقاء بلغة بائسة. لن يلحق بها الكاتب الشبح أو المتبرع إلى حيث هي ليضبط لغتها، أو ليتولى الكتابة عنها.
كثيرات هن اللواتي على غرار هذه المعتدية على حرفة الأدب. بمعزل عن قطاف أمثلة من كتاباتهن قد يقود إلى التشهير بهن والشماتة، يكفي إبحار خاطف في الفايسبوك للتعرّف إليهن. 
ومنهن من تظهر أسماؤهن أيضاً في صحف ومجلات. لكن في هاتين الوسيلتين، يتولى المشرف على الصفحة الأدبية أو سكرتير التحرير ستر العيوب. 
ومنهن من تنشر ديواناً من دون الاستعانة بأحد، لأن في الدار الناشرة مدققاً لغوياً يعالج الهنّات. 
أما في الفايسبوك فلا ستّار للعيوب ولا مُعالج للهنّات.
علماً أن ثمة تطبيقًا يزعم معدّوه أنه مصحح للغة. مرر به نصاً للجاحظ نفسه يخطّئه مخلّفاً أزياحاً حمراء تحت كلمات كثيرة. 
وهنالك شاعرات وكاتبات عرفن حدّهن قوقفن عنده. يعرضن في صفحاتهن مقاطع من نتاجهن المنشور في الكتب أو في الصحف، خوفاً من الفضيحة. وإذا اُضطررن إلى التعليق على مناسبة أو حدث يكتبنه بالعامية.  
المهزلة أن هذه الشريحة من "المبدعات" تلتقي في مجموعات تستقطب متابعين كثراً لا يبخلون على نجماتها بالتقريظ وكيل المدائح. 
من دواعي الأسف أن هذه المهزلة مرشحة للاستفحال. لأن بعض اللواتي لم يتوفقن في دخول عالم الأزياء ودنيا الاعلام، يجئن الى الأدب، وخصوصاً الشعر. فالنجومية تبرر الوسيلة.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021