بارت في يوميات حِداده.. مَنَح نفسه لبساطة في داخله

ناصر كامل

الأربعاء 29/05/2019
فى اليوم التالي لوفاة أمه، شرع الناقد الفرنسي، رولان بارت، في كتابة "يوميات الحِداد"، بصورة شبه منتظمة، طوال نحو عامين، وتركها من دون نشر، حتى وفاته إثْر حادث سير (1980). وقتها، لم يكن معروفاً على نطاق واسع لقراء العربية، بينما كانت شهرة كتاباته طاغية في الغرب منذ نحو عقدين؛ على صعوبتها وتركيبتها.

"اليوميات"؛ التي غطت الفترة من (26 أكتوبر/تشرين الأول 1977 حتى 15 سبتمبر/أيلول 1979)، كانت من إرث بارت الهائل، غير المنشور، وهو ما يقارب 13 ألف ورقة ذات مقاس موحد ( 10,5 سم× 14,8 سم)، كان يعدها بنفسه، ويحتفظ دائما باحتياطي منها على منضدة عمله. كان يكتب بالحبر، وأحياناً بالقلم الرصاص، على تلك "البطاقات" أفكاره الأولية منذ بدأ الكتابة (1943)، وحتى رحيله، ليستخدمها فى كتابة نصوصه التي يدفع بها للنشر، أو تلك التي يُتمّها ويبقيها بلا نشر. هذا الأرشيف الهائل محفوظ ومفهرس في "معهد أبحاث النشر المعاصر" (IMEC)، ومنه بدأ الباحثون العمل على إصدار عدد من الكتب، توالت منذ وفاة بارت وحتى الآن، من بينها "يوميات الحِداد" الذي "وضعته وفسرته ناتالي ليجير" (2009)، وصدرت ترجمته العربية، بتوقيع إيناس صادق، عن المركز القومي للترجمة في القاهرة.

وفي تقديمها المختصر للغاية (صفحة ونصف الصفحة) للكتاب الصغير (99 صفحة) تشير ليجير إلى معنى "وضعَته وفسّرته": "نحن لا نقرأ هنا كتاباً أتمه مؤلفه بنفسه، لكنه مشروع كتاب أراد أن يكتبه". وكانت ليجير قد شاركت في ونشرت في 2002، كتابين استناداً إلى هذا الأرشيف، أولهما "رولان بارت في كوليج دو فرانس"، وتضمن أربع محاضرات ألقاها على طلابه، وثانيهما بعنوان "رولان بارت" وهو عبارة عن كتالوغ للمعرض الذي أقيم في مركز بومبيدو - باريس بين 27 نوفمبر 2002 و10 مارس 2003، للعديد من الوثائق غير المنشورة المودعة في(IMEC).

تذكر ليجير في تعريفها بـ"بارت وأمه": "ولدت هنرييت بينجر سنة 1893، وتزوجت لويس بارت وهي في العشرين، وصارت أماً في الثانية والعشرين، وأرملة بسبب الحرب وهي في الثالثة والعشرين. وعندما ماتت في الرابعة والثمانين من عمرها، كان ابنها فى الثانية والستين، ولم يكونا قد افترقا أبداً. أما عن بارت، فتذكر أنه "ولد في شيربورغ بفرنسا العام 1915، وقبل أن يتم رولان عامه الأول، قُتل والده، الضابط البحري، في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى.. تربى فى مدينة بايون، وانتقلت عائلته إلى باريس وهو في الحادية عشرة".

وتتجلى في الجملة الأولى من "اليوميات" كثافة وعمق وتعدد المعاني التي قد يوحي بها تعبير "ولم يكونا قد افترقا أبداً"، فبارت إذ يكتب: "أولى ليالي العرس، لكن أول ليلة حداد!" يشرع فى طرق أبواب عديدة. قد تخطر في البال للوهلة الأولى، وربما تمكث طويلاً، المَشاهد الأولى من مسرحية "هاملت"، حيث نتعرف على التلازم بين العرس والحِداد بصورة قد تكون مفهومة أولاً، ثم فاجعة ثانياً: الحداد "الطويل" يستنكره الملك الجديد "كلوديوس" وهو يخاطب "هاملت" ابن اخيه، الملك الراحل، قائلاً: "جميل من طبعك وحميد يا هاملت أن تقوم بشعائر الحداد هذه من أجل أبيك. لكن عليك أن تعلم أن أباك فَقَد أباً له، وذلك الأب الفقيد فَقَد أباه، فكان على خلفه بما ترتب عليه من واجب بنوي أن يحزن حداداً عليه لفترة ما. بيد أن المثابرة على عزاء لا ينثني، عناد شرير. إنه حزن لا يليق بالرجال".

المثابرة على عزاء لا ينثني يؤصّله بارت، بعد ثلاثة أيام من جملته الافتتاحية "الملغزة"، فيذكر تحت عنوان "مقدار الحداد"، مستنداً إلى التعريفات اللغوية والمعجمية، أن "مدة الحداد على الأب وعلى الأم ثمانية عشر شهراً. لذلك تبدو جملة هاملت، إذ يتذكر المدة الفاصلة بين وفاة أبيه وزواج أمه من عمه، كجرس حاد للفاجعة: "أهكذا تنتهي الأمور- لم يمر على موته شهران- بل أقل من شهرين"، ثم يأتي هذا الجزء من الحوار بين هاملت وهوراشيو ليضعنا فى قلب الفاجعة:
"هوراشيو: جئت يا سيدي لأحضر جنازة أبيك.
هاملت: أرجوك يا زميل الدراسة ألا تهزأ بي. أظن أنك جئت لترى زفاف أمي.
هوراشيو: حقا، لقد عقب الزفاف الجنازة بسرعة يا سيدي.
هاملت: الاقتصاد، الاقتصاد، يا هوراشيو. خبز الجنازة قُدم بارداً على موائد العرس".

واضح، طبعاً، التباين بين هاملت وبارت. فالأول فقد أباه، والثاني فَقَد أمه، لكن الجملة الافتتاحية تدفعنا لهذه المقاربة، مقاربة تلتفت بحرص إلى التأثيرات القوية لفرويد والتحليل النفسي، في ثقافة بارت وشخصيته، خصوصاً ذلك الجزء من كتاب "تفسير الأحلام" الذي استند فيه فرويد إلى تحليله الخاص للمسرحية كي يدعم وجهة نظرة حول "عقدة اوديب"، وينوّه بأن مسرحية هاملت تتناول موضوعة العلاقة بين الآباء والأبناء بشكل أساس، أو بشكل لا شعوري ربما.

الجملة الافتتاحية يتعزز زخمها هذا في الفقرة التالية، المكتوبة في اليوم التالي: 
"- ألم تتعرف على جسد المرأة؟!
- لقد تعرفت على جسد أمي المريضة، ثم المشرفة على الموت".

ويظل هذا الزخم يتكاثف أياماً، ويخفت أياماً، من دون أن يغيب. فـ"اليوميات" كما تَصوَّرها بارت في البداية بحث مضنٍ: "من يدرس؟ قد يكون هناك بعض الذهب في هذه المذكرات". فهو يراقب نفسه، ويسجل مشاعره، وانفعالاته، وأفكاره "بكتابة هذه المذكرات، منحتُ نفسي للبساطة التي في داخلي".

مع نهاية مراسم الدفن والعزاء في أورت، بالقرب من بايون، حيث كان يقيم بصحبة أخيه ميشيل وزوجة أخيه راشيل، كان قد تأكد من أن موت أمه قد غيّره، وفور عودته إلى باريس تبدى له هذا التغيير في شعور لن يفارقه أبداً حتى وفاته: "كَون هذا الموت لم يدمرني تماماً، فهذا يعني بالتأكيد أني أريد الحياة بشدة، إلى درجة الجنون، ومن ثم فإن الخوف من موتي أنا شخصياً ما زال موجوداً، ولم يتزحزح قيد أنملة". يشعر بالملل في كل مكان: "لم يعد لي ملجأ"، ويتساءل عشرات الأسئلة: "من الآن فصاعداً أي معنى لحياتي؟ هل تعني إمكانية العيش من دون شخص كنا نحبه، أننا كنا نحبه أقل مما كنا نعتقد...؟".

الفقد يكاد يدمره، وتتكرر كلمات: تعاسة، حزن، ألم، بكيت، موتي، الوحدة. 
وهو إذ يعيد النظر في كل شيء: نفسه، الزمن، العالم.. في ضوء هذا الغياب، يبقى على شيء وحيد من عالمه القديم، "الكتابة"، فهو إذ يقر بأن "حقيقة الحداد في منتهى البساطة: الآن وقد ماتت ماما، أنا محاصر بالموت (لا شيء يفصلني عنه سوى الزمن)"، ينظر إلى "اليوميات" بجدية بالغة، واضعاً "الكتابة" في مواجهة الموت والزمن: "لقد حولت "العمل" بالمعنى التحليلي (عمل الحداد، والحلم) إلى "عمل" حقيقي- وهو الكتابة. لأن: "العمل" الذي عن طريقه (كما يقال) نخرج من الأزمات (حب، حداد) لا يجب إنهاؤه بتعجل؛ بالنسبة اليّ لا يمكن إنجازه إلا في الكتابة وبالكتابة".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019