"خيبة يوسف": قصّة شهيد في غفلة منه

طارق أبي سمرا

السبت 18/08/2018
يوسف أزعر في مطلع العشرينات مِن عمره. هو واحدٌ مِن أولئك الأوغاد الذين يطلقون النار في الهواء ابتهاجاً بخطاب زعيمٍ، أو لمجرّد اللهو والعبث. إن حدث ورأيتموه في الشارع، ستدركون فوراً، مِن هيئته وحركات جسمه، أنه دائمُ التأهُّبِ للعراك، فتشيحون عنه أنظاركم وتحثّون الخطى. هذا الشابُ الذي يزخر مجتمعُنا اللبناني بأمثاله، هو بطلُ روايةِ فوزي ذبيان "خيبة يوسف"(*). روايةٌ تبدأ وتنتهي بمهرجانٍ تكريميّ يُقام سنوياً في قصر الأونيسكو في بيروت، إحياءً لذكرى استشهاد يوسف. فقبل بضعة أعوام، كان قد عُثِر عليه مقتولاً برصاصات مجهولة المصدر في جنوب لبنان على الحدود مع فلسطين، فقَرَّر حزبُه إعلانَه شهيداً.

***

بالإضافة إلى النوّاب والوزراء، يحضر المهرجان جَمْعٌ غفيرٌ مِن الشّبان والشّابات، مُرتدين قمصاناً طُبِعت عليها صورة الزعيم. الجميعُ مبتهجٌ، بل مُنْتَشٍ، باستثناء شخص واحد يشعر بأنه "الغريب الوحيد بين كلّ هؤلاء الغرباء الذين يحتفلون بموت يوسفي الحبيب" (ص 147). إنه الراوي، صديقُ يوسف منذ الطفولة. اسمه فوزي، لكنّه يقول، مخاطباً المرأة المجهولة التي يتوجّه إليها بحديثه على مدار الكتاب: "لست فوزي ذبيان مؤلِّف هذه الرواية التي تقرأينها الآن، بل فوزي آخر" (ص 81). ورغم أم التشابه بين هذا الفوزي وذاك يتعدّى الاسم – فكلاهما درس الفلسفة ثم أصبح كاتباً – يُصِرّ فوزي الراوي على تمييز نفسه عن فوزي المؤلّف، حين يقول: "كنتُ في تلك الفترة أقرأ الجزء الأوّل، وهو بعنوان 'أورويل في الضاحية الجنوبيّة'، من ثلاثيّة لا أذكر عنوانها، ولا أذكر اسم مؤلِّفها أو أيّ سنة صدرت" (ص 135). وبالفعل فإن "أورويل في الضاحية الجنوبيّة" (صدرت العام 2017) وهي الجزء الأوّل من ثلاثيّة روائيّة لم تكتمل بعد في دنيا الواقع، ذلك أن آخر ما نشره مؤلِّفها فوزي ذبيان هو الجزأ الثاني المُعنْوَن "خيبة يوسف".

ليس خَلْقُ هذا الإلتباس بين الواقعِ والخيالِ محاولةً ما بعد حداثيّة لتفكيك شخصيّتَيّ المؤلِّف والراوي. بل هو، في أغلب الظّن، ضَرْبٌ مِن التهكُّمِ، يَستهدف الروايات التي تصبو إلى تفكيكٍ كهذا. ففوزي ذبيان يحمل، على ما يبدو، ضغينةً حيال ما يُسمّى "الأدب الرفيع"، والدليلُ سخريتُه المتواصلة – التي تبلغ حدّ الشتيمة أحياناً – مِن الشِّعر والروايات: "ثمّة ثلاث أو أربع شجرات بلح كانت تتمايل كأنّها تراقص الريح، أو تقوم بشيء من هذه الترّهات التي نقرأها في الروايات ودوواين الشعر" (ص 20)؛ "كان الموج – على سيرة الشعراء – كأنّه يهمس إلى الصخر همساً" (ص 93)؛ "كنّا صغاراً جدّاً. كنّا من عمر الورود، كما يكتبون في القصص الكاذبة والخرائيَّة" (ص113)؛ "لطالما قرأتُ في الروايات العربيّة وغيرها عبارات مثل 'كان صباحاً بنفسجيّاً' أو 'يا له من صباح شجيّ فتّان'... إلخ. صراحةً، لم أفهم مرّةً واحدةً، ماذا يُقصد عادة بالصباح البنفسجيّ أو ذاك الشجيّ. فبحسب فهمي للأمور، فإنّ الصباح إمّا أن يكون رائعاً وإمّا عاديّاً، وإمّا خرا كما هي الحال مع هذا الصباح" (ص 133).

لا يشرح ذبيان سبب هذه الضغينة. لكن روايته، موضوعاً وأسلوباً، تتيح لنا استشفاف ذلك. فالموضوع هو حياة الفتيان الرُعاع ("الزعران" بالمحكيّة). أمّا الأسلوب الكتابي، فمنحازٌ إلى لغة هؤلاء الشبّان، حيث إن العاميّة، بسوقيّتها وبذاءتها، تتمازج مع الفصحى، ليس في الحوارت فقط، بل في المقاطع السرديّة أيضاً، ما يشحن النصّ بعنفٍ ذكوري هائلٍ، هو العنف عينه الذي يصبغ حيوات الشخصيات وبيئاتهم الفقيرة.

هامشيّون ومهمّشون، قُساة وشرسون هم أبطال ذبيان. ولعلّ حقده على الروايات العربيّة مردّه أنّها إمّا تترفّع عن التطرق إلى حيوات شخصيات كهذه، وإمّا تصوّرها بشيءٍ مِن المثالية والسذاجة.

***

يوسف ابن سائق سيّارة أجرة، ترك قريّة حاصبيا الجنوبيّة ليستقرّ في بلدة خلدة، في بَيْتٍ قرب البحر. هناك، خلال الحرب اللبنانيّة، نشأت الصداقةُ بين بطلِ القصّةِ وراويها. كانا زميلَيْن في المدرسة، وأمضيا الطفولة والمراهقة مُتسكِّعَيْن معاً في شوارع خلدة وعلى شاطئها: يسبحان في البحر، ويشربان البيرة ويُدخنان السجائر في الأزقّة، ويبيعان الفول الأخضر على جانب الطريق السريع لكَسْب مصروفهما اليومي.

تنتهي الحرب خلال مراهقتهما، لكننا لا نعلم متى تحديداً، ذلك أن زمن مجريات الرواية ضبابيّ بعض الشيء. يكبر يوسف قبل أوانه. يترك المدرسة ويروح يرافق شبّاناً مِن ضاحيّة بيروت الجنوبيّة، يقصدون خلدة للمتاجرة في الأسلحة والمخدّرات والكحول المُهرّبة. إنهم شخصياتٌ ثانويّة مِن رواية "أورويل في الضاحيّة الجنوبيّة". يعمل يوسف معهم. يجني الكثير مِن المال، فيشتري سيّارة تلو الأخرى. ينخرط في حزبٍ مِن أحزاب الممانعة، ويصبح المسدسُ لا يفارقه. وفي الأثناء، يتابع فوزي – الذي لطالما عشق المُطالعة – دراسة الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة.

لا نعرف الكثير عن يوسف. ففوزي لا يتذكّر مِن أيّام صداقتهما سوى شذرات. لكنّه مقتنعٌ بأن صديق طفولته قد خُدِع. خُدِع في حياته وفي مماته. ذلك أن يوسف يعيش في مأزق منذ أن أبصر النور. فهو لم يملك سوى خيارَيْن لا ثالث لهما: إما أن يحيا في بؤس مدقع، عاملاً في مهنٍ وضيعة؛ وإما أن يصبح أزعر، أي جنديّاً مِن جنود حزبٍ أو آخر مِن الأحزاب التي تحكم لبنان. مأزق يوسف: إما أنّ يُقمَع ويعيش في ذلٍّ ومهانة؛ وإما أنّ يتحوّل أداةَ قمعٍ في أيدي عصابات النظام ومافياته، أي أن يبيع طاقتَه الفتيّة وقوّةَ جسدِه لقاء بعض المال وإحساسٍ بالفحولة. هذا ما فعله بوسف. ولعلّ الإستشهاد هو المخرج الوحيد "المُشَرِّف" مِن مأزق كهذا.

يبقى أن فوزي الراوي استطاع الخروج مِن المأزق عينه مِن دون أن يستشهد. هو لا يخبرنا كيف نجح في ذلك؛ لكن لا شكّ في أنّ حالتَه استثاءٌ نادر. ولعلّ نجاته، بأعجوبةٍ، مِن مصير مماثل لمصير يوسف، دفعته إلى التحوّل شاهداً على حياة صديقه، سارداً قصّته التي أهداها "إلى أولئك الذين دُوِّنت أسماؤهم في سجلّات الشهداء... على غفلة منهم".


(*) "خيبة يوسف" لفوزي ذبيان. "دار الآداب". 2018. 152 صفحة.  
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019