السلطة اللبنانية الكارهة للثقافة

محمد حجيري

السبت 11/09/2021
من باب الفضول والتهكم والتسلية، كثيراً ما نترقب، نحن العاملين في الصفحات الثقافية، من سيكون وزير الثقافة في الحكومات اللبنانية، وغالباً ما تكون النتيجة من سيء إلى أسوأ. لا شيء يحتفى به، أو يعتدّ به، ولا شيء يشكل بصمة أمل... بل هذه المرة كان سؤالنا، هل يتبع الوزير الجديد لحركة "أمل" أم "حزب الله"؟ ولنا أن نتخيل الثقافة برعاية حزب الله أو ميشال عون أو نبيه بري! لنا أن نتخيل ثقافة بيروت ومعارض بيروت... ونحن ندرك جيداً أن الثقافة لا تكون إلا مستقلة...

وإذا كانت السلطة العونية والميقاتية والحزب اللهية، مدعومة بالسلطة الماكرونية الفرنسية والخامنئية الإيرانية، تحدثت أو لفّقت خدعة إعلامية عن حكومة من "اختصاصيين غير حزبيين"، فهي، في موضوع وزارة الثقافة، لم تفكر لحظة في الاختصاص... في حكومة حسان دياب، كنا أمام وزير تغلب على سمعته التجارة التي لا نريد الدخول في تفاصيلها، والآن محمد مرتضى، قاضي الأمور المستعجلة في المتن... علاقته بالسياسة لا تنطلق من مواقفه بل من انتمائه السياسي، تحزبه، لا نعرف شيئاً عن ثقافته، ولا إن كان قريباً من الثقافة، لكننا نعرف أنّ مهمته مثل باقي الوزارء، وزيراً وكيلاً فحسب... باختصار، وزير الثقافة ليس متخصصاً في الثقافة، والدول الراعية للحكومة آخر همّها هذا الامر.

ماكرون الذي يكرم أمين معلوف في باريس، ويزور فيروز في الرابية، همّه الأوحد شركة "توتال"، أو آبار الغاز. أما السلطة الإيرانية، فلا ضرورة لتعداد اهتمامتها الثقافية، بدءاً من الصواريخ الدقيقة، وصولاً إلى معسكرات التدريب في الشرق الأوسط كله. السلطة الإيرانية التي تسجن المثقفين.

مع أن الثقافة (الشعر، الرواية، الأدب، الكتب، المقاهي، المهرجانات، المنتديات، الرسم والأغاني...)، وجه من جوه لبنان وإحدى ميزاته وركائزه "الحضارية" والحياتية والكوزمبوليتية، لكن نادراً ما كانت وزارة الثقافة اللبنانية محط اهتمام المثقفين البارزين (هم يعرفون النتيجة، ويدركون أن السلطة مصلحتها الغباء). ولا الثقافة نقطة اهتمام بالنسبة إلى السلطة السياسية والطائفية، التي تتعاطى معها باعتبارها وزارة ثانوية هامشية وكمالة عدد في أحسن الظروف، فتختار في معظم الأوقات شخصاً ليس من أهل "الاختصاص"، لا يمت بصِلة الى الثقافة ولا تعنيه الثقافة، وليس باحثاً ولا روائياً ولا شاعراً ولا سينمائياً، ويقتصر دوره على تنفيذ سياسة معلّمه أو زعيمه ورعاية توقيع كتاب، أو تعليق نيشان أو الحضور في افتتاح مهرجان أو أمسية زجلية. وربما نسمعه يتغنى بـ"ثقافة المقاومة" أو "الفينيق"، وأحياناً يكون بارعاً في النفاق الكلامي.

ليس بالضرورة أن يكون وزير الثقافة "مثقفاً"، بالمعنى التقليدي لكلمة مثقف، لكنه قد يكون إدارياً ويستطيع من خلال مجموعة مستشارين مهتمين بالثقافة، أن يفعّل الوزارة ودورها وثقافتها، سواء لتنظيم مهرجان سينمائي، أو إصدار مجلة ثقافية، أو إنشاء مسرح عام، أو حتى الحفاظ على المباني التراثية الأثرية. لكن هذا لم ولن يحصل، طالما أن الوزارة وُجدتْ لتكون كمالة عدد، أو دكانة من دكاكين الجمهورية اللبنانية البيروقراطية، وكثيراً ما شارك بعض الوزراء في هدم المباني التراثية في بيروت ومدن أخرى...

لا أثر لوزارة الثقافة اللبنانية. يقال إنها عملت على رعاية جائزة للرواية، فتحولت الجائزة مهزلة المهازل، وكشفت المستور، من خلال بعض أعضاء لجنتها، اذ دخلوا سريعاً في الزواريب المناطقية والطائفية. تحول بطل رواية لرشيد الضعيف، إلى أزمة، وانتهت زوبعة الجائزة سريعاً على يد الناقد الممانع. وحتى في اختيار الأفلام المشاركة في الأوسكار، حضرت الفضيحة، ليس في الوزارة فحسب، بل في اللجنة التي تختار الأفلام...

السلطة اللبنانية لا تحب الثقافة، بكل مكوناتها. لا تحب الثقافة، ولا وزارة الثقافة، ولم تسع يوماً إلى وضع خطة ثقافية تساهم في إخراج البلد من مستنقع الهجميات والخنادق والمتاريس. السلطة الحالية لا تحب الثقافة، ولا وزارة الثقافة، فهي تعيش على ثقافة تأبيد وجوهها في السلطة. كل فريق يختار أقنوماً، ويمجده في الشارع (نبيه بري، حسن نصرالله، ميشال عون، وليد جنبلاط، سمير جعجع، سعد الحريري، نجيب ميقاتي وطلال أرسلان وغيرهم). نعرف ثقافة السلطة من الشعارات التي ترفقها مع صور الزعماء.

والثقافة بمعناها الحضاري، الفردي الحر، في لبنان، في أحسن أحوالها (وفي أسوأ أحوالها)، بقيت عمل أفراد ومؤسسات ومنتديات، يجتهدون في نشاطاتهم وتوجهاتهم ويصنعون شيئاً من حياة المدن والمناطق. أما السلطة البائسة، فلا تفعل شيئا سوى التغني بخطب هذرية مطعمة بأمثال وأقوال شعرية مستهلكة، وعلى الأرض يتسابق مقاولوها على بناء الأبراج وقطع الأشجار وافتتاح المقالع والكسارات والتجييش الطائفي والمذهبي والنهب... السلطة الكارهة للثقافة، نجدها تكشر عن أنيابها بحثاً عن الوزارات الدسمة والخدماتية، التي تشكل وكراً للفساد والزبائنية وتوزيع المنافع، مثل وزارات الشؤون الاجتماعية والداخلية والاتصالات والأشغال والصحة.

السلطة اللبنانية تكره الثقافة، لأن الثقافة بوجهها الحضاري التعددي، تخترق جدران الكانتونات الطائفية، وهذا ما لا تحبذه السلطة التي تحيا على الانعزال والتقوقع والزبائنية. بالطبع، هذا لا يعني أن بعض المثقفين اللبنانيين الحداثيين بمنأى عن الخطاب الطائفي البائس، فخلف الأقنعة الثقافية تكمن فضائح كثيرة...
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021