"حكاية أميركية" لفيليب روث.. نسف حلم العم سام

أسامة فاروق

الأربعاء 13/05/2020
حكاية تبدأ مع جد مهاجر من مكان ما، إلى أميركا أرض الفرص. يتعثر، يتعثر كثيراً إلى أن ينجح في تكوين أسرة، يبدأ الابن في وضع قدميه بقوة أكبر على الأرض الجديدة، مع الجيل الثالث تتثبت الأقدام وتنمو الأفرع وتتمدد، ثم يأتي الجيل الرابع الذي ربما لا يعرف كيف بدأت الرحلة من الأصل ليثور على كل شيء، فيهدم المعبد على من فيه، لتبدأ الرحلة مجدداً وإلى الأبد. 
 
حكاية أميركية معادة ومكررة، اختلف تناولها وتعددت طرق حكيها، لكنها عندما تأتي من مؤرخ أميركي أصلي، فإنها بالتأكيد تكون مختلفة، رغم أنه هو نفسه قدمها من قبل بأكثر من شكل. تأتي الحكاية هذه المرة على لسان زوكرمان، الشخصية التي اختارها فيليب روث، الأميركي الأشهر، لتحل محله في عدد كبير من أعماله. في روايته American Pastoral التي صدرت ترجمتها العربية مؤخراً تحت عنوان "حكاية أميركية" يتتبع روث مسار عائلة يهودية أميركية تقليدية، بدءاً من الجد الذي وصل إلى مدينة نيوارك (مسقط رأس روث نفسه) في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، مهاجراً من بلده القديم، وعمل في دباغة الجلود، في أدنى درجات سلم الصناعة، بالتحديد كانت وظيفته إزالة اللحم المتبقي على جلود الخرفان بعد الانتهاء من نقعها في محلول الجير. ثم الابن "لو"، الذي لم يجد مفراً من اتباع والده في المهنة نفسها حتى يساعده في إعالة الأسرة المؤلفة من تسعة أشخاص، لكنه على عكس أبيه أظهر مهارة في فرز الجلود وتصنيفها أيضاً، عمل بجد حتى يخرج من معامل الدباغة بروائحها الكريهة ونجح، حيث أسس في أوائل العشرينيات مع اثنين من أشقائه ورشة لصنع حقائب اليد متخصصة في جلود التماسيح، كان عملاً واعداً بالازدهار، لكن الشركات تهاوت عندما أتت الأزمة الاقتصادية، فأفلس أشقاؤه. 

بعد بضع سنوات، أسس شركة جديدة باسم "نيوارك ميد للصناعات الجلدية"، وكان وحده هذه المرة. يشترى منتجات جلدية من الفرز الثاني "حقائب وقفازات بها بعض العيوب" ويبيعها على عربة، يتنقل بها من بيت إلى بيت، إلى أن جاءت ضربة الحظ العام 1902 حينما وقّع عقداً مع وحدات الجيش النسائية لتصنيع قفازات نساء من جلد الخرفان، فتوسع واستأجر مصنعاً، وأصبح له مقره الثابت، وتعاقد مع أشهر المحلات التجارية، لتصبح قفازاته علامة تجارية مميزة. 

ثم يأتي دور سايمور، الابن في الجيل الثالث، المتعلم، البطل الرياضي، الأسطورة المدرسية. "السويدي" كان هذا لقبه السحري على امتداد حياته. تميز في الألعاب كلها، وبعد تخرجه انضم إلى وحدات مشاة البحرية متحرقاً إلى المشاركة في معارك نهاية الحرب العالمية. يعود من الحرب ليقود الشركة المستقرة والواعدة، ويتزوج ملكة جمال نيوجيرسي، وصار يرتحل كل صباح إلى "سنترال أفنيو" حيث مقر الشركة قادماً من بيته الحجري الفريد الواقع على مسافة ثلاثين ميلاً إلى الغرب من نيوارك، على مسافة بعيدة من أرضية مصنع الدباغة الذي شهد بداية جدّه في أميركا.

قصة نجاح
قصة نجاح أميركية نموذجية، يرسمها روث ببراعة، عبر طبقات من الأحداث الاجتماعية والسياسية الدقيقة، التي تمر عبر مجرى الرواية الفسيح، أميركا الستينات والسبعينات؛ الفرص الاقتصادية الواعدة، والحرب، الانقسامات العرقية، والتعامل مع السود، والمآزق السياسية التي كادت أن تعصف بالفرص كلها.. لكن لا شيء يبقى على حاله.

في سنة 1995 يتلقى زوكرمان الكاتب، رسالة من سايمور ليفوف، "السويدي" بطله المفضل، وساحر طفولته، يقول فيها إن والده قد توفى وأنه يريد مساعدة منه في كتابة شيء ما تكريماً لذكراه، ثم يرفق رسالته بجملة يقول فيها "يميل الجميع إلى اعتبار أبي شخصاً صلباً لا يقهر، رجل لا يتأثر بشيء ولا يطيق صبراً على أحد. لكن هذا بعيد من الحقيقة كل البعد. لا يعرف الجميع كم عانى نتيجة الصدمات التي أصابت من يحبهم". بدافع الوفاء القديم وقليل من الفضول، يذهب زوكرمان للقاء، وبعد انتهائه تأكله الحيرة، فلم يأت الرجل أبداً على ذكر أي شيء مما قاله في رسالته، بل يزعج زوكرمان بما ظنه تفاخراً قديماً بأشياء لم تعد تهمه بأي حال.

لكن اللغز لا يستمر طويلاً، فيلتقى زوكرمان بعد هذا اللقاء بجيري، الأخ الأصغر للسويدي ليفوف، في الاجتماع السنوي الخامس والأربعين لخريجي مدرسته، كان زوكرمان قد أجرى جراحة لإزالة سرطان البروستات ويحضر الاجتماع بحثاً عن حنين قديم، في حين حضر جيري لدفن الأخ الأكبر الأسطورة السويدي "سايمور ليفوف" نفسه.

يكشف جيري حكاية الجيل الرابع، حكاية ميري أو ميريديث ليفوف. ابنة سايمور، تلميذة المدرسة الثانوية التي فجرت مكتب البريد وقتلت طبيباً وتورطت في قتل آخرين، الطفلة التي أرادت إيقاف الحرب في فيتنام فشاركت في حركة الاحتجاج الكبيرة التي سادت البلاد آنذاك، كانت تعانى من التأتأة، وكانت النقطة المركزية في لوحة والدها عن الحلم الأميركي المتحقق، حتى قررت أن تنسف تلك اللوحة تماماً: "لقد قطعت تلك القنبلة طريق الرجعة على أخي. نسفت تلك القنبلة حياته. انتهت حياته المثالية. تماماً مثلما أرادت ابنته. هذا ما كان قد استقر في ذهنها. هذا ما أرادته له، الابنة وأصدقاؤها. كان غارقاً في حب حظه الحسن، فكرهوه لهذا السبب".

ثلاثة أجيال كان كل منها في حالة تطور ونمو؛ الجيل العامل، والجيل الموفر، والجيل الذى بلغ النجاح، ثلاثة أجيال توحدت مع أميركا أرض الفرض الواعدة حتى جاء الجيل الرابع الذي نسف كل شيء.

هنا المأزق الأساسي الذى يقدمه روث، التاريخ الذي انقض على أسطورة الجيل الثالث، وقدرة هذا الأب/رجل الأعمال/ الأميركي النموذجي على التجاوز، قدرته على الغضب، على أن يكون شخصاً عادياً، على استيعاب قدرة الجيل الجديد على التفكير خارج نطاق الحلم المتحقق، لكنه لم يستطع استيعاب ما أقدمت عليه ابنته، فمن يتحمل مسؤولية تلك القنبلة؟ لم يتمكن من كراهيتها كما فعل أخيه ولا من نسيانها كما فعلت أمها، لا يستطيع التوقف عن البحث عنها ولا عن الأسباب التي قادتها لفعل ما فعلته، ولا يستطيع استيعاب الحالة التي وصلت إليها عندما يجدها بعد خمسة أعوام وحيدة ممزقة، خرقة بالية تتبع طائفة دينية تخاف من التنفس حتى لا تقتل الهوام، وتدب على الأرض بحرص حتى لا تقتل حشره، تقتله الصدمة وعدم الفهم، وربما عدم الغضب أيضا "من يكون غير قادر على السماح لنفسه بالغضب، لا يكون الغضب من نقاط قوته. وتبعا لهذه النظرية، فإن عدم الغضب هو ما قتل السويدي آخر المطاف".

"رجل لم تكن لديه أسباب يعرفها للسخط، لكنه يصحو في منتصف العمر على رعب تأملاته الذاتية" يفكر زوكرمان في تلك العادية كلها والأحلام كلها والنجاحات الصعبة كلها التي تقطعها جريمة قتل. يفكر فيليب روث على لسان زوكرمان في انقطاع المستقبل الأميركي الذى كان منتظرا أن يأتي "من انفكاك كل جيل جديد عن قدر جديد من ضيق الأفق، أن يأتي من الرغبة في أن تصل بحقوقك إلى حدها الأقصى في أميركا، وفي أن تصوغ نفسك على هيئة شيء مثالي، متخلصاً من العادات والمواقف اليهودية السابقة"، شخص يحرر نفسه من إحساسه قبل الأميركي بعدم الأمان فيهدم المعبد على رأسه! تأتيه الخسارة من الابنة، الجيل الأميركي الرابع، التي كان منتظراً لها أن تصير نسخة مطورة عنه، مثلما كان هو نسخة مطورة عن أبيه، ومثلما كان أبوه نسخة مطورة عن أبي أبيه، نسفت الابنة هذه الأحلام كلها "نقلته خارج الحكاية الأميركية التي كان تواقا إليها إلى كل ما هو نقيض لها، إلى الغضب والعنف، واليأس الكامن في معاداة تلك الحكاية". يفكك روث الحلم الأميركي ويعيد تشريحه معرياً أطرافه كلها، كاشفاَ مناطق القوة والضعف، الزيف والوهم والأكاذيب أيضا.

القوة
إحدى نقاط القوة الأساسية في الرواية، في الشخصية التي اختار فيليب روث أن تأتي القصة على لسانها، كان من الممتع في الحقيقة أن جانباً من الحكاية جاء على لسان الأخ الأصغر للسويدي جيري، الحانق الكبير، متقلب المزاج، المتمرد الأول على النسخة المفروضة من الحلم، أما الجزء الأكبر فكان على لسان زوكرمان/ روث نفسه فكان الأمر أشبه بحكاية تروى مرتين في وقت واحد ومن وجهتي نظر مختلفتين. وهو الأمر الذى ربما قاد روث لانتزاع جائزة "بوليتزر" عن هذه الرواية، بالطبع خلافاً لما قدمه من قدرة على مزج التاريخ بالرواية، وإظهار قدرة التاريخ على رسم المصائر، وهذه الرؤية البانورامية الشاسعة لقطاع صغير من أميركا في لحظة تاريخية بالغة الدقة، والحوارات المطولة المعمقة بين السويدي وابنته وبينه وبين والده، التي تكشف تطورات الأجيال إلى حد انقطاع الصلة، لكن تظل الطريقة التي تروى بها الحكاية هي نقطة القوة الرئيسية. راويها الأصلي يشكك في رؤيته نفسها، زوكرمان يفِي دينَه للسويدي فيخلد حكايته من خياله، ثم يتشكك في ما كتبه "سأكون مستعداً للإقرار بأن السويدي الذي توصلت إليه لم يكن السويدي الأول نفسه"! لذا فلا تجد بداً من تكوين وجهة نظرك الخاصة، عليك أنت نفسك أن تعيد تركيب الحكاية كما يناسبك! 

وفقاً لزوكرمان، الذى هو المؤلف نفسه، فقد كان السويدي يعيش نسخته من الفردوس، مواطن صالح ناجح، تواجهه مشكلات فيتأقلم معها، ثم يصير كل شيء مستحيلاً "فمن عساه يستطيع التأقلم عند ذلك؟ ثمة من لا تسمح له تركيبته بمواجهة تصاريف الحياة السيئة، فكيف إذا كانت تصاريف مستحيلة! ومن عساه يكون مستعداً للمستحيل الذي هو موشك على الحدوث؟ من عساه يكون مستعداً للمأساة، مستعداً للامعقولية المعاناة؟ لا أحد! مأساة الإنسان غير المستعد للمأساة.. مأساة كل إنسان". أما وفقا لجيري فقد كان السويدي سلبياً، نموذجا للمثالية التي كرهها في المجتمع الأميركي، للبحث عن المثالية إن شئنا الدقة، وكان هو على النقيض من هذا كله، بشكل ما كان جيري يرى أن السويدي يستحق المصير الذي وصل إليه.


كمعظم الأعمال الكبيرة لم تحظ American Pastoral بمعالجة سينمائية لائقة. يمكن قول ذلك الآن بضمير مستريح بعد قراءة النسخة العربية. لا يمكن أبداً فهم التسطيح الكبير لشخصيات كانت مكتوبة بعناية كبيرة، شخصيات استثنائية في حقيقة الأمر، وحكاية كانت كفيلة بصنع تحفة سينمائية لا تقل إبداعاً عن العمل المأخوذة عنه. لكن قراءة العمل تسمح ببعض العذر أيضا فربما كان فعلا من الصعب استيعاب تلك الحكاية الفسيحة كلها في عمل واحد.

اللايقين
حالة اللايقين الممتدة على مدار الرواية ينسفها الفيلم تماماً، فتصبح أمام شخصيات واضحة تؤدي أدوارا واضحة، حتى السويدي المتهم بالسلبية على طول الرواية، المتفرج على مسار حياته المرسوم بدقه من قبل أب مسيطر، يصبح مشاركا في كل شيء، لكن الذى لا يمكن فهمه ولا التسامح معه هو تسطيح شخصية الجد وشخصية داون دواير الزوجة والأم التي كتبها روث بعناية كبيرة، ملكة الجمال التي تمقت وجهها وجسدها التي تدفعها الابنة إلى الجنون والخيانة، رسم روث من خلالها جانبا آخر من جوانب الحلم الأميركي، ابنة السباك التي تعيد رسم مستقبلها لا من خلال جمالها فقط لكن من خلال إصرارها وتمسكها بالحب الذى وجدته، لكن الصدمة تدفعها للتشكيك في كل شيء، صدمة فشلها في التعامل مع ابنتها وفي الاقتراب منها وحبها، فشلها في انتزاع حبها لابنتها يدفعها للجنون، وفشلها في إقناع مجتمعها أنها أكثر من مجرد وجه جميل يدفعها للانهيار، إلى أن تقرر إعادة رسم خريطة حياتها مجدداً بوجه جديد وبيت جديد لكنها لا تنجح في ذلك أيضاً، حيث فات الأوان لأي شيء. تلك الشخصية المحورية في رواية روث ظهرت كأنها مقحمة على مشاهد الفيلم، حتى إنها ظهرت في مشاهد غير مبرره، بل عكس مسار الرواية نفسها.

---------------------------
(*) حاز فيليب روث جائزة بوليتزر عن رواية American Pastoral التي صدرت للمرة الأولى العام 1997، وصدرت ترجمتها العربية مؤخراً عن دار التنوير بعنوان "حكاية أميركية" بترجمة الحارث النبهان. وكانت قد حُولتْ لعمل سينمائي العام 2016.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020