قلعة شيزر: صبابة امرؤ القيس

محمود الزيباوي

الإثنين 24/06/2019
تعرّضت بعض أجزاء قلعة شيزر خلال الفترة الماضية للهدم والتخريب، جراء الحرب المتواصلة في ريف حماة، وقال رئيس دائرة آثار حماة عبد القادر فرزات مؤخراً أن أعمال ترميمها خلال الأسابيع الماضية شملت إعادة واجهة مدخلها الرئيسي والجسر الممتد إلى هذا المدخل، "إذ تم تدعيم جدرانه وقواعده بما يتفق والطابع الأثري والنسيج المعماري للقلعة التاريخية، فضلاً عن ترميم الفجوات المتهدمة داخل القلعة وعدد من أبراجها المتصدعة".

تتبع بلدة شيزر منطقة محردة في محافظة حماة، وهي في الأصل مدينة موغلة في القدم ذكرها أمرؤ القيس في شعره، وقال: "عشيّةَ جاوزنا حماةَ وشيزرا/ تقطّع خِلانُ الصبابةِ والصِّبا". بحسب رواية البلاذري، دخلت المدينة الرومية سنة 638 في كنف الإسلام، حيث سار أبو عبيدة إليها من حماة بعدما فتحها صلحا على الجزية، "فتلقاه أهلها وسألوه الصلح على مثل صلح حماة ففعل". وذكرها عبيد الله بن قيس الرقيات في شعره يوم كان في صحبة أولاد الزبير حين قتلهم عبد الملك بن مروان، وقال في رثائهم: "فوا حزنا إذ فارقونا وجاوروا/ سوى قومهم أعلى حماة وشيزرا".

بحسب شهادة الجغرافيين العرب في العصر العباسي، كانت مدينة شيزر إقليماً من أقاليم حمص، كما أكّد ابن خرداذبة في "المسالك والممالك"، وكان أهلها من "قوم من كندة"، بحسب كتب اليعقوبي في "البلدان". وقد ذكرها السيرافي في رحلته، وحدد موقعها ومعالمها ومساحتها. كما ذكرها الكرخي في "المسالك والممالك"، وقال: "وأما شيزر وحماة فإنهما مدينتان صغيرتان نزهتان، كثيرتان الماء والشجر والزرع". بدوره، قدّم ياقوت الحموي تعريفاً بالمدينة، وكتب في "معجم البلدان": شَيْزَر، بتقديم الزاي على الراء، وفتح أوله، قلعة تشتمل على كورة بالشام قرب المعرّة، بينها وبين حماة يوم، في وسطها نهر أُرُنْد عليه قنطرة في وسط المدينة، أوّله من جبل لبنان، تُعدّ في كورة حمص، وهي قديمة. ويُنسب إلى شيزر جماعة، منهم الأمراء من بني منقذ وكانوا ملكوها، والحسين بن سعيد بن المهنّد بن مسلمة ابن أبي علي الطائي الشيزري".

موغلة في القدم
في الواقع، يتّضح ان شيزر موغلة في القدم، ويرد ذكرها بأسماء عديدة منذ مئات السنين، فهي في العصور الفرعونية سنرار، سيزر، وشنزار، وزنزار. وهي في عهد اليونانيين سدزارا، لاريسا، ثم توسيزر. وهي في العربية قبل ظهور الإسلام شيزر، كما يستدّل من قصيدة امرؤ القيس. تتتألّف شيزر من قسمين، قسم يضمّ القلعة، وهو الحصن الذي يقع على الأكمّة الرابية التي تُعرف باسم "عرف الديك"، وقسم منخفض يمرّ من شماله نهر العاصي، وهو المدينة. تميّزت هذه المدينة بموقعها الاستراتيجي، وتعاقبت عليها أمم متعددة تصارعت للسيطرة عليها. سعى الروم إلى استعادة المدينة، واستولوا عليها في زمن الأمبراطور نيكيفوروس الثاني فوكاس، وهو في الميراث العربي "نقفور اللعين" الذي قام بحرق جامعها وأقام فيها حامية رومية، ثم نجح ابن الصمصامة الفاطمي في استعادتها في نهاية القرن العاشر، غير ان الإمبراطور باسيليوس عاد وحاصرها وسيطر عليها وأجلى عنها سكانها المسلمين.

ظلّت شيزر في قبضة الروم إلى أن تمكّن سديد الملك أبو الحسن علي بن منقذ من الاستيلاء عليها، وجعل منها إمارة مستقلة تعاقب على حكمها أولاده وأحفاده. عاشت هذه الإمارة في ظل الحروب المتواصلة، وهاجمها الإسماعيليون في سنة 1132، كما شهد الأمير الأديب أسامة بن منقذ في "لباب الآداب": "كان بيننا وبين الإسماعيلية قتال في قلعة شيزر في سنة سبع وعشرين وخمس مائة، لعملةٍ عملوها علينا، ملكوا بها حصن شيزر، وجماعتنا في ظاهر البلد ركاب، والشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف بن المنيرة رحمه الله في دار والدي، يعلم إخوتي رحمهم الله، فلما وقع الصياح في الحصن تراكضنا وصعدنا في الجبال، والشيخ أبو عبد الله قد مضى إلى داره".  

بنو منقذ
حكم بنو منقذ هذه الإمارة إلى ان حلّ بالشام في سنة 1157 "زلزلة شديدة ذات رجفات عظيمة، أخربت البلاد، وأهلكت العباد، وكان أشدّها بمدينة حماة وحصن شيزر، فإنّهما خربا بالمرة، فقد هلك تحت الهدم من الخلق ما لا يُحصى، وتهدّمت الأسوار والدور والقلاع"، كما روى أبو شامة المقدسي في "الروضتين في أخبار النورية والصلاحية". كذلك، ذكر ابن الوردي هذا الزلزال في تاريخه، وقال: "عجبت لشيزر إِذْ زلزلت/ فَمَا لبني منقذ منقذ".


قضى هذا الزلزال المدمّر على إمارة بني منقذ، وتصارع على حكم شيزر الفرنجة والإسماعيليون، غير ان نور الدين زنكي استولى عليها، وأعاد إعمارها، لكن المدينة تعرّضت لزلزال ثان ضرب الشام كلها في 1170، ونظم عماد الدين الأصبهاني في وصف هذه الكارثة قصيدة مطوّلة قال فيها: "سطوة زلزلت بسكانها الأرض/ وهدت قواعد الأطواد". إثر هذه النكبة، بقيت شيزر بأيدي أكابر أمراء نور الدين زنكي إلى أن استولى عليها الملك العزيز محمد بن الظاهر صاحب حلب في 1233، وهنّأه يحيى بن خالد القيسراني بقوله: " لما رأت شيزر آيات نصرك في/ أرجائها ألقت العاصي إلى العاصي".

التتار
ظلّت شيزر في عهد الأمراء العرب إلى ان دمّرها التتار في 1260، وأعاد الظاهر بيبرس إعمارها بعد أن هزمهم، ثم حاول الفرنجة استعادتها، فصدّهم الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وأعاد بناء قلعتها كما تشهد الكتابة المحفورة على بوابتها. في عهد المماليك، أسهمت الصراعات والفتن بين العرب والأكراد في خراب شيز، وعند مجيء العثمانيين، أعيد ترميم القلعة وتحصينها، غير ان المدينة فقدت تدريجيا مكانتها، ودخلت في النسيان، وتحوّلت إلى قرية نائية "لا يكاد يوجد فيها خمسون مزارعا، موبوءة مستولية، أمراضها فتاكة، يُضرب فيها المثل بهواءها الفاسد، فيُقال: أوخم من شيزر"، كما كتب طاهر النعساني في 1930.

ظلّت قلعة شيزر منتصبة، وقبل بداية الحرب الأهلية في سوريا، شرعت دائرة آثار حماة في إنجاز ترميمات وتدعيمات إسعافية لعدد من جدرانها الآيلة للسقوط منعا من انهيارها، وأعلنت عن إعداد دراسة ترميمية شاملة لها ليصار إلى تنفيذها، وأوضح المهندس مجد حجازي أن تداخلات ترميمية طالت قلعة شيزر خلال الأعوام السابقة، وقال إن هناك بعثة أثرية سورية إيطالية مشتركة تقوم بتوثيق ومسح أثري وإعداد دراسات تاريخية ومعمارية واثرية وإنشائية وتقنية عن مختلف الأطوار التاريخية التي مرّت بها عمليات بناء القلعة.

أوقفت الحرب الأهلية هذه الأعمال الترميمية، وتعرّضت القلعة من جديد لأضرار جسيمة مع احتدام المعارك المتواصلة في ريف حماة الشمالي الغربي، واليوم تعلن دائرة آثار حماة أنها تسعى إلى مواصلة عملها في الحفاظ على هذا الحصن التاريخي.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019