"لحظات" نايري شاهينيان: الصورة تستمتع بالموسيقى

ميموزا العراوي

الإثنين 06/07/2015
خارج الكوابيس اليومية التي يعيشها العالم العربي، تقدم المصوّرة نايري شاهينيان مجموعة من الصور الفوتوغرافية تغوص في لحظات وجدانية لا علاقة لها بالمآسي، بل بما يحيل المتلقي إلى عوالم خاصة تنعم بأثر الموسيقى في النفس.

الأعمال التصويرية والتي تحمل عنوان "لحظات وجدانية"، حاضرة في صالة "أيام بروجكت" البيروتية، تختلف في أحجامها وهي تعبير بصريّ مكثف عما يجري أثناء الحفلات الموسيقية من تداخل للمشاعر ومن تفاعل إلى حد الإنتشاء، ما بين الجمهور والفرقة الموسيقية، أو المؤدي الفردي لأغنية واحدة.

لعل أبرز ما يميز هذه الصور أنها تكشف عن انتفاء العالم الخارجي في وجدان الجمهور المأخوذ باللحن المجسّد على خشبة المسرح. عالم خارجي يغوص في صور نايري شاهينيان في ظلمة دامسة، لحظة التمتع القصوى باللحن أو الأغنية. كما أن مجمل الصور يشير إلى نوع من الإنغماس التام في حزن ما سببه اللحن "المعشوق"، الذي لا يكون في عز تألقه إلا في لحظة مغادرته. وقد تمكنت المصوّرة من القبض على هذا الحزن ملتبساً من خلال استعمال تقنيات فوتوغرافية متقدمة، تسمح لمشاهد الصور أن يسمع ما يرى. إذ تتمظهر الموسيقى بهيئات ضوئية ملونة، تبدو وكأنها تنبعث حينها من المغني وحيناً آخر من الجمهور الذي ترشح منه لحظات الشغف العابرة، هي أيضا بشكل فيضان ضوئي مُحمل بتكسرات الظلال الهاربة التي تحيل إلى زوال اللحظة المُعاشة.

في بعض الصور تحرص المُصورة على أن تقدم الجمهور والفرقة الموسيقية وعين مُصوّر المشهد على السواء في وحدة حال وانصهار تام "باللحظات الوجدانية"، عندما تحتضن عدستها كل عناصر المشهد في ما يشبه وعاء من ضوء كثرت ذبذباته إلى حد لا يعود ممكناً فصل الجمهور لا عن العين الُمُصورة ولا عن الفرقة الموسيقية المؤدية لمعزوفاتها.

تقول المصوّرة حول تلك المجموعة المعروضة من الصور انها اعتادت أخذ آلة التصوير في جميع رحلاتها لتوثيق اللحظات والمشاهد، لكنها عندما أرادت حضور حفلة موسيقية خطر في بالها ألا تأخذ الكاميرا معها، كي لا يحرمها فعل التصوير من الإستمتاع كلياً بالموسيقى. لكنها اكتشفت أثناء الحفلة أنه كان بوسع الكاميرا، التي لم تحضرها، أن تكون جزءاً لا يتجزأ من "التجربة" الموسيقية التي تهزّ الكيان وتصل المتلقي بأعماق نفسه. من يومها، اجتهدت المصورة في ارتياد الحفلات الموسيقية، المُنتقاة بحسب ذوقها الشخصي، بصحبة كاميرتها، فكانت هذه المجموعة من الصور المعروضة في الصالة.

الفنانة هي من مواليد دمشق، تلّقت دروساً في الفن التشكيلي على يد الفنان عدنان عبد الرحمن، بينما كانت تزاول التصوير مع والدها المصور الفوتوغرافي في الاستيديو الخاص به. حصلت على دبلوم في التصوير الإحترافي من "معهد نيويورك للتصوير" العام 2008 وانتقلت بعد ذلك إلى دبي حيث استقرت. شاركت في العديد من المعارض في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة، من أبرز تلك المعارض، معرض "أرت دبي العالمي 2015" ومعرض "المركز الإبداعي-الولايات المتحدة" أيضاً العام 2015.

عملها الحالي في مجال الإعلان التصويري أكسبها ثقة كبيرة من حيث الإعتماد على تكثيف التجارب التصويرية والإستعانة بما تقدمه التقنيات الرقمية المتطورة. ومن ناحية أخرى، يبدو جلياً للعيان أن عالم الاعلان لم يفقد نايري شاهينيان شغفها في التقاط اللحظات الأكثر تعبيراً عما تكتنزه الصدور وما تحمله المشاهد العامة من تفاصيله تأخذ بها الناظر إلى صورها نحو أبعاد أخرى لا تمت بصلة مباشرة مع المشهد المصوّر. تؤكد المصوّرة الفنانة أن فعل التصوير بالنسبة لها هو أمر بالغ الأهمية لأنه يشكل نظرتها إلى الوجود بحركة متواصلة لا ملل منها. 

(*) يستمر المعرض في "أيام بروجكت" حتى 12 تموز الجاري.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020