11 أيلول الباريسي

روجيه عوطة

الثلاثاء 16/04/2019
لا شك أن حزناً شديداً يعتري المرء حين يشاهد كاتدرائية "نوتوردام دو باري" تحترق، غير أن هذا الحزن سرعان ما ينقلب إلى ما يشبه الصدمة، عندما يشاهد برجها ينهار قبل أن تلتهمه النيران. ففي تلك اللحظة، بدا البرج انه يحيل، بانهياره، الى انهيار برجي التجارة العالميين في 11 أيلول 2001، لكن هذه المرة، بلا أن تحلق طائرة وترتطم فيه، بلا أن تفجره، بلا أي اعتداء إرهابي عليه. إذ إنه سقط على نحو لا يحمل على الخوف، ولا على الغضب، ولا على الإدانة، ولا على الاعتذار. سقط على حدة، بلا مرد، وبلا سياق، إلى درجة أن سبب سقوطه، اي النيران، بدا، ومن سخافته بالمقارنة مع نتيجته، غير منطقي على الإطلاق.


فأن يطيح حريق بالكاتدرائية، هذا فعلاً ما لا يمكن تقبله، نظراً إلى أن عمرانها، تاريخها، عظمتهما.. تدفع إلى الاعتقاد بأنه لا يمكن لحادث عرَضي أن يزيلها. الا أن هذا الاعتقاد هو بالتحديد الذي سقط مع سقوط برجها، بحيث أن كل العمران، كل التاريخ، كل هذا الرسوخ لم يقِ الكاتدرائية حادثاً عرَضياً، يصعب الاستفهام عما هو، كما يصعب تخيل المسؤولين عنه. وهذه الصعوبة لا تنم عن مسعى إلى إسباغ الغموض على الحادث، بل عن أن كل كلام عنه، كل تحقيق فيه، وبالتالي، الكشف عن عرضيته ومصادفته أو عدم توقعه، يزيد فداحة أثره في الكاتدرائية.

في كل حال، الأثر، ومما عُلم عن الحادث حتى هذه الساعة، هو أثر فادح بحق. يكفي أن الكاتدرائية تعرضت لما تعرضت اليه، في أثناء ترميمها. تماماً كما يموت مريض تحت مبضع طبيبه خلال عمليته الجراحية. عندها، لا يكون الطبيب قد نوى على قتل مريضه، ولا المريض قد حدس أن مبضع طبيبه قد يكون أداة هذا القتل، ومع هذا، ليس سوى الموت ثالثهما. فميتة الكاتدرائية مساء البارحة كانت ميتة سائبة، ولهذا كانت مفجعة.


وذلك كله لا يلغي أن حريق الكاتدرائية، وسقوط برجها على وجه الدقة، لم يكن بلا معنى. ذلك أن تعالي ما قد هبط، وهو في الواقع ليس تعالياً كاثوليكياً فحسب (كما يردد الآن الذين يحصرون الكاتدرائية في تعريفها الأولي، أي الكنيسة). بل إنه، وعلى الأعم، تعالٍ متعلق بارضها، بباريس، التي، وبعيداً من وجهها السياحي، تفقد كل يوم شيئاً منه. البرج أيضاً من الممكن أن يسقط لأن مدينة تنسحب من تحته، لتعود وتُشيد على طريقة لا تمت لها بصلة، على طريقة "ناطحاتية" لا تعالي فيها، تجعلها نسخة من مدن متشابهة، بحيث من المتاح، وعلى منوالها، فكّها وإعادة تركيبها في فضاء آخر. وطبعاً، فقدان ذلك التعالي العمراني، واستبداله بعُلب شبحية، يترافق مع فقدان تعالٍ اجتماعي، والاستعاضة عنه برصّات وانعزالات خانقة، لا يكسرها -إذا كسرها- سوى المُداهم، والطارئ، والمباغت، قبل أن تعود وترمّم، قبل أن تعود وتخنق أصحابها من جديد. لكن، هل كان حريق الكاتدرائية، وسقوط البرج، مداهماً وطارئاً ومباغتاً كفاية إلى حد تحقيق ذلك الكسر؟

لأن المبالغة تصح في وقت الحزن، لا بد من الإجابة بنعم. لكن، يبقى، ورغم ضرورة المبالغة، شيء لا تشفي الإجابة منه، وهو أن الحريق اياه، وعندما داهم، وطرأ، وباغت، لم يكن التفاعل معه واضح المعالم، أو واضح البروتوكولات. فغير الحزن، ومن بعده الصدمة، وفي نتيجتهما، بدا كل فعل اتجاه ذلك الحريق، كتصريح من هنا أو تغريدة من هناك، في غير مكانه، أو بالأحرى غير ملائم، كما لو انه ليس معداً في الأساس له. فالحريق، ولأنه عرَضيّ، لم يكن في مقدور أي عبارة حزينة أن تمسك به، وهذا ما يشير إلى أن عرضيته تشكل وقعه الكبير. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019