زمن الإرهاب اليهودي- الفرنسي!

محمد حجيري

الأحد 21/10/2018
يروي المؤرخ البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، جيمس بار في كتابه"خط في الرمال/ بريطانيا وفرنسا والصراع على شكل الشرق الأوسط"(*)، أنه في صيف 2007، لم يصدق عينيه لدى عثوره مصادفة على حكم وارد في تقرير نصه ضابط في جهاز الأمن البريطاني في أوائل 1945. ساعده هذا التقرير الذي لم ينشر إلى الآن، في "حل اللغز الذي كان يثير حيرة الحكومة. من كل يموّل ويسلّح الإرهابيين اليهود الذين يحاولون حينذاك وضع حد للحكم البريطاني في فلسطين؟" أمّا الجواب الذي عثر عليه هذا الضابط، الذي كان عائداً للتو من زيارة إلى الشرق الأوسط، فكان مثيراً للذهول، أورد أنّ الإرهابيّين "يتلقون على ما يبدو دعماً من الفرنسيين".

يقول الضابط الانكليزي "نحن نعلم من مصادر سرّية للغاية أن المسؤولين الفرنسييّن في بلاد الشام كانوا يبيعون الأسلحة سرا للهاغاناه (ميليشيا يهودية ارهابية)، وقد تلقينا أخيرا تقارير عن نياتهم إثارة الفتنة داخل فلسطين" بتعبير آخر: في حين كان البريطانيون يحاربون ويموتون لتحرير فرنسا من النازية، كان الفرنسيون، (الحلفاء)، يؤيّدون سرا الجهود اليهودية لقتل الجنود والمسؤولين البريطانيين في فلسطين. وبازاء هذا يمكن القول إن لكل زمانه إرهابه، ولكل ارهاب ناسه وجماعاته وايديولوجياته، سواء في زمن "الحشاشين"، او زمن الانتدابات، او زمن "الحرب الباردة"، او زمن الشيوعية، او زمن الثورة الخمينية، أو زمن تنظيم القاعدة، كل سياسة تغلف الارهاب بلون وتنفذه تحت مسميات مختلفة، وبأساليب تتأرجح بين جعله بديلاً عن السياسة، وربما تعبيراً عن أعلى مراحل الغباء والوحشية...


والحال إن خطوة دعم الانتداب الفرنسي للارهاب اليهودي ضد البريطانيين شكلت ذروة الصراع حول السيطرة على الشرق الأوسط. وهي بدأت مع انهيار السلطنة العثمانية في بلاد المشرق العربي، ففي عام 1915، حاولت بريطانيا وفرنسا اللتان كانتا آنذاك متحالفتين في الحرب حل النزاعات التي كانت تسبّب فيها طموحاتهما المتنافسة. في اتفاقية سايكس بيكو السريّة، قسمتا الامبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط عليهما، كان السير مارك سايكس سياسيّاً رؤيويّاً، وفرانسوا جورج بيكو ديبلوماسيّاً ناقماً. رسما خطّاً في الرمال من البحر المتوسط وصولاً إلى الحدود الفارسيّة، وأعادا معاً رسم خريطة الشرق الأوسط بإقرار "انتداب" بريطانيّ على فلسطين وشرق الأردن والعراق، وفرنسيّ على لبنان وسوريا. كان "خطاً أسود فوق خريطة صماء قسم الشرق الأوسط من منتصفه دون أي اعتبار للتوزيع القبلي والعشائري أو الانتماءات الدينية والعرقية".
 على مرّ السنوات الثلاثين التي تلت اتفاقية سايكس بيكو، انكشفت قصّة دنيئة محبوكة بالعنف والمناورات السياسيّة السرّية، تُروى على لسان مجموعة من السياسيّين والديبلوماسيّين والجواسيس والجنود، من بينهم "لورانس العرب" وونستون تشرتشل وشارل ديغول، ويكتبها جيمس بار الذي أمضى فترة أربع سنوات بين دمشق فرنسا وكيب تاون ليحصل على تفاصيل الأحداث التاريخية من مصدر الحدث نفسه باحثا في تفاصيل اتفاقية سايكس وبيكو، ومراسلات ماكماهون مع الشريف حسين، غزو فلسطين، الثورة العربية الكبرى، الجلاء عن سورية ولبنان ووعد بلفور. في البداية الصراع بين بريطانيا وفرنسا للسيطرة على الشرق الأوسط هو الذي دفع البلدين إلى تقسيم الإمبراطورية العثمانية، والاستياء البريطاني من نتيجة هذه الصفقة هو الذي دفعهم إلى إعلان دعمهم المطامع الصهيونية عبر وعد بلفور. في النتيجة يقول جيمس بار، "أصبح حق اليهود في الحصول على بلد خاص بهم مرتبطا على نحو خطير بمناورة امبريالية ساخرة كان هدفها في الأصل خداع الفرنسيين".


كان وعد بلفور اعترافا بحقيقة تدهور الإمبراطورية. والحدود التي رسمها سايكس وقد بدا واثقاً جداً من نفسه عندما استخدمها لتقسيم أفريقيا في القرن التاسع عشر -بخط مرسوم بقلم رصاص عبر خريطة العالم-.. وفق تعبير أحد معاصريه، بدت خارجة عن حدها عند تطبيقها على الإمبراطورية العثمانية في القرن العشرين. فالانكليز عملوا على طرد الفرنسيين من سورية ولبنان بطريقة مهينة. كانوا يحكمون سيطرتهم على مصر، لذا سرعان ما أدركوا، بدعمهم العلني للمطامع الصهيونية بجعل فلسطين دولة يهودية، أن باستطاعتهم ضمان أمن الجناح الشرقي لقناة السويس المعرّض للخطر، لكن هذه الحيلة التي بدت آنذاك وسيلة بارعة لهزم فرنسا تسببت في تداعيات مدمرة منذ ذلك الحين. كان البريطانيون يعلمون أن هذه الخطوة قد تثير غضباً عارماً في العالم المسلم، ولكنهم بحسب جيمس بار كانوا واثقين من قدرتهم على تخطيها. اعتقدوا أن العرب سيقرون بالمنافع الاقتصادية للهجرة اليهودية، وان اليهود سيكونون ممتنين جدا للبريطانيين في حلمهم. لكن اتضح أن كلا الافتراضين خطأ. ففي حين تسبّبت الهجرة اليهودية في استهداف العرب، أثارت محاولة البريطانيين في المحافظة على السلم عبر التخفيف من وتيرة التغيير استياء اليهود.

وخلال العام 1920، تجاهل البريطانيون المطالب الفرنسية المتكررة بمنع الثوار، الذي كانوا يحاربون قواتهم داخل سوريا، من استخدام شرق الأردن المجاورة، الخاضعة للحكم البريطاني، قاعدة لهم. في المقابل تمنع الفرنسيون بدورهم عندما طلب منهم البريطانيون مهاجمة العرب الذين اتخذوا سوريا ولبنان ملجأ لهم خلال الانتفاضة في فلسطين. وكان الفرنسيون يعلمون منذ أمد طويل أن البريطانيين يساعدون على نحو ناشط المقاومة العربية المناهضة لحكمهم، لكن تلك الشكوك لم تثبت إلا حين اندلاع الحرب العالمية الثانية. كما اكتشف الفرنسيون أن الصهاينة يشاركونهم رغبتهم في الانتقام، ففي تلك الفترة، كان الرأي العام اليهودي قد أصبح معارضاً للبريطانيين بصورة حاسمة. عندما بدأت تتوارد الأخبار عن الطبيعة المنهجية، وحجم الهولوكوست، قرر العديد من اليهود الارهابيين أن الوقت حان لرمي البريطانيين خارجاً بدعم من الفرنسيين.

على ان انهيار فرنسا عام 1940 قضى على الافتراض الذي استندت إليه تلك السياسة المفترضة، وهو أن فرنسا ستكون حليفاً لبريطانيا في أي معركة ضد ألمانيا، منح هذا الفراغ فرصة للمسؤولين البريطانيين للضغط من اجل تحقيق استقلال سوريا ولبنان. أثبتت محاولة الإلهاء فعاليتها لمدة وجيزة لكنها أدت في نهاية المطاف إلى تداعيات سلبية. فسرعان ما لحظ المراقبون ان استقلال لبنان وسوريا شكل سابقة في البلدان المحاذية لهما جنوباً، ولم يمض وقت طويل قبل ان يطاح بالبريطانيين، على أن الصراع البريطاني الفرنسي لم ينته هنا، وتجلى لاحقاً في السوق المشتركة، وفي المكائد التي نصبت للجنرال ديغول في بيروت ودمشق.

باختصار تسبب ذلك التناحر الاستعماري في زرع بذور الكثير من المشاكل التي نشهدها اليوم. على وجه الخصوص في تأجيج الصراع العربي - الإسرائيلي الذي لا يزال حتى اليوم يزعزع الأمن والاستقرار والسلام فى منطقة الشرق الأوسط.


(*) صدر عن دار الساقي في بيروت بترجمة ماريا الدويهي، وسبق عن صدر عام دار الحكمة في لندن عام 2016 بترجمة سلافة الماغوط.  
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021