في "بيت شمس".. محترف لفوانيس من زمن الرومان

محمود الزيباوي

الأربعاء 20/01/2021
في ظل تفشّى كورونا المستمرّ منذ أكثر من عام، يتواصل ظهور الاكتشافات الأثرية في الشرق الأوسط، وآخرها محترف للفوانيس الزيتية من الحقبة الرومانية عُثر عليه في بلدة تل الرميلة، على بعد 26 كيلومتراً غربي مدينة القدس، على الطريق المؤدية إلى مدينتي أسدود وعسقلان.

 

أطلقت إسرائيل على هذا التل اسم بيت شمس، وهو اسم توراتي لمدينة تقع على الحدود الشمالية لقطاع يهوذا، وهو القطاع الجبلي الواقع في جنوب فلسطين، وقد عًرف باسم يهوذا في العصر الروماني كما في العصر الحديث. بحسب ما جاء في أسفار العهد القديم، كانت بيت شمس في تخوم أرض يهوذا الشمالي، وكانت تخص بني هرون، مما جعلها مدينة كهنوتية، وقد عُرفت كواحدة من المدن المشمولة بالترتيب الاداري الذي وضعه النبي سليمان لتزويد مائدة المُلك بالطعام، وفيها هُزم وأُسر امصيا، ملك يهوذا.

بدأت أعمال التنقيب في هذه المنطقة في مطلع القرن العشرين قبل نشوء الكيان الصهيوني، في نهاية العهد العثماني، وتواصلت هذه الأعمال بشكل مكثّف في الثلاثينات، في عهد الانتداب البريطاني. وتبيّن عندها ان هذا الموقع يخفي آثار مدن متعاقبة من العهدين البرونزي والحديدي. تجدّدت هذه الأعمال في العقود الأخيرة، ونجحت في رسم حدود المدينة الكنعانية التي سبقت نشوء المدينة العبرانية، واتّضح ان اللقى التي تعود إلى هاتين الحقبتين تتشابه بشكل كبير. تواصلت أعمال البحث والتدقيق، وتبيّن ان سكان المدينة شقوا طرقاً للري في الحقبة التي تُعرف بـ"زمن الهيكل الثاني"، والهيكل الثاني هو الهيكل الذي شُيّد فوق أنقاض هيكل سليمان الذي خرب حين اقتحم البابليون أورشليم وسبوا أهلها في عام 587 قبل الميلاد.

بعد ثمانية وأربعين عامًا من تدمير نبوخذنصر لهيكل سليمان، سقطت الأمبراطورية البابلية، وحلّت محلها الأمبراطورية الفارسية بانتصار كورش ملك فارس. وفي السنة التالية، سمح هذا الملك لليهود المسبيين بالعودة، وأذن لهم بإعادة بناء الهيكل، مكان الأول، واستغرق العمل وقتا طويلا بسبب الحروب والاضطرابات المتواصلة. وخرب بعد قرون حين استولى القائد الروماني بومبي على أورشليم واقتحمه في يوم الكفارة، إثر حصار دام ثلاثة أشهر، ثمّ دمّر بشكل كامل على يد الجيش الروماني بقيادة تيطس في العام 70 للميلاد.

خلال العقدين الماضيين، كشف المنقبون في هذه البقعة من فلسطين التاريخية عن آثار تعود إلى الحقبتين الرومانية والبيزنطية. تقع بيت شمس الحديثة مباشرة غربي تل يحوي خرائب مدينة بيزنطية عمدت مديرية الآثار الإسرائيلية إلى اجراء عمليات التنقيب فيها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأدت هذه الحفريات إلى الكشف عن أطلال دير كبير يعود إلى القرن السادس. في خريف 2019، أُعلن رسمياً اكتشاف أرضية من الفسيفساء تزيّن كنيسة خاصة بهذا الدير اندثرت تحت الثرى مع الزمن، وذلك بعدما ظهرت بعض من معالمها عند الشروع في توسيع حدود بيت شمس. شُيدت هذا الكنيسة تكريماً لـ"شهيد مجيد" لا تسمح الكتابات المتبقية بتحديد اسمه للأسف، وتعود أسسها الأولى إلى القرن الرابع كما يبدو، أي إلى زمن خروج المسيحية من الظل إلى النور في عهد الأمبراطور قسطنطين. تم تحديث هذا البناء الأصلي بشكل كامل في القرن السادس، وتزامن هذا التحديث مع انشاء دير مجاور، وبات الموقع مجمعا كبيرا يقصده الحجاج المسيحيون في طريقهم إلى الأراضي المقدّسة، وضمّ هذا المجمع معصرة لإنتاج الزيت والخمر.

تبدو أرضيات الفسيفساء للبرهة الأولى مشابهة لما نراه في كنائس فلسطين والأردن ومجمل الأراضي السورية، إذ تجمع بين المفردات التصويرية المستمدة من عالم النبات والطيور، والمفردات الهندسية الصافية. غير ان الدراسة المتأنية للعناصر التي تتألف منها هذه الأرضيات تشهد لأسلوب مميز في تصوير النبات والثمار لا يتكرّر في كنائس هذا الإقليم. إلى ذلك، تحوي أطلال هذا المجمع مجموعة كبيرة من الحلل الرخامية، كما تحوي مجموعة كبيرة من الأواني، منها ما هو ديني طقسي، ومنها ما هو للاستخدام العادي.

بعد هذا الاكتشاف، عادت مديرية الآثار وأعلنت، الشهر الفائت، اكتشاف محترف لصناعة فوانيس الزيت أشار باحث بريطاني إلى وجوده منذ أكثر من ثمانية عقود، غير ان موقعه ظلّ مجهولاً إلى ان تمّ تحديده مؤخّراً. يحوي هذا المحترف مجموعة كبيرة من القوالب التي تُصنع منها الفوانيس، كما يحوي مجموعة هائلة من الفوانيس التي خرجت من هذه القوالب، وتظهر دارسة هذه اللقى انها تعود إلى القرون الميلادية الأولى، إي إلى العهد الروماني، وأغلبها يحمل زينة تصويرية "وثنية" تشهد على حضور كبير للجماعة "الأممية" في هذه البقعة من فلسطين.

إلى جانب هذه المجموعة، تحضر فوانيس مزينة برموز يهودية، مثل الشمعدان ذي الأغصان السبعة، أو الشوفار، وهو إحدى الأدوات الطقسية التي يحتفظ بها في المعبد، على شكل قرن كبش يُنفخ فيه في الصلوات. كما تحضر مجموعة ثالثة تعود إلى الجماعة المسيحية الناشئة، كما تشهد الصور التي تزينها، مثل الصليب المجرّد والسمكة، وهي الرموز التي عُرفت بها هذه الجماعة في تلك الحقبة.

في الخلاصة، يتبيّن ان جماعة من اليهود عاشت إلى جانب الشعب الروماني "الأممي" في هذه البقعة من فلسطين الرومانية، وذلك في زمن نشوء جماعة المسيحيين التي دخلت كذلك في هذه الشراكة الاجتماعية. يعكس تنوع الفوانيس هذا العيش المشترك، ويظهر بشكل لا لبس فيه بأن السكان المحليين كانوا يومها مزيجاً من الوثنيين واليهود والمسيحيين.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021