"جي تي لوري" لجستين كيلي: الكتابة المُستعارة

علاء رشيدي

الإثنين 12/08/2019
"نادراً ما تكون الحقيقة صافية، ولا تكون بسيطة أبداً"، بهذه العبارة لأوسكار وايلد(1845 – 1900) يبدأ الفيلم المنتظر من نقاد السينما والأدب على السواء، وذلك لتناوله حكاية واقعية تمتلك كل المقومات لصناعة فيلم فني جيد، فحكاية الفيلم مستمدة من أحداث حقيقية يتداخل فيها عالم الأدب، عالم السينما، صحافة المشاهير، وانتحال الشخصيات الجماهيرية. الترقب للفيلم هو عن مدى نجاح المخرج جيستين كيلي، ومعه في كتابة السيناريو سافانا كنوب وهي صاحبة كتاب المذكرات الشخصية المستمد ومنها حكاية الفيلم. فالفيلم دراما مبنية على سيرة ذاتية نشرتها سافانا كنوب في مذكرات بعنوان "فتاة فتى فتاة: كيف أصحبت جي تي لوري؟" صدر في العام 2007.

ابتكار المؤلف 
تعيش لاورا ألبرت في منزل جماعي للأطفال المشرّدين، وهي تعاني من الألم الشديد في حياتها الشخصية على المستوى النفسي والذهني، وبعد عدة محاولات انتحار، تبدأ بتأليف كتاب يجمع بين التخييل والمذكرات الشخصية، لكنها تعتقد أن أحداً لن يهتم بحياتها وآلامها الشخصية، فتبتكر شخصية جي تي لوري، لتجعله الشخصية الرئيسة في الرواية ومؤلف الرواية في الآن عينه. تقول لاورا ألبرت: "لم اعتقد أن أحداً مهتم بآلامي، لذلك فكرت ب جي تي لوري كفتى بشعر أشقر وعيون زرقاء يجذب مظهره الانتباه والتعاطف"، فكتبت الرواية عنه، ونشرتها بإسمه.  

ترصد "سارة" حياة الطفولة لجي تي لوري، العذابات الجسدية والنفسية التي قاساها كطفل ترعرع مع والدة عاملة جنسية، ثم عمل هو كمراهق في مجال الدعارة. حياة الفقر والتشرد في شوارع ولاية فرجينيا، المغامرات الجنسية الدقيقة والفاضحة، التداخل الجندري عند بطل الرواية بين الأنوثة والذكورية، إضافة إلى العناصر التخييلية، جعلت من رواية "سارة" واحدة من أكثر الكتب مبيعاً حين صدورها. لكن هذا النجاح دفع الصحافة والنقاد إلى الإصرار على كشف هوية جي تي لوري وإجراء الحوارات معه، والتعرف أكثر على شخصيته وحضوره الجسدي، بينما هو مؤلف وهمي، وشخصية تخييلية في الرواية التي كتبتها لاورا ألبرت كما أوضحنا.

الظهور الجسدي 
في هذه الأثناء، وفي ظل الضغط الإعلامي والإجتماعي لظهور جي تي لوري، تتعرف لورا ألبرت على أخت حبيبها التي أتت لعيش معه في سان فرانسيسكو وهي سافانا كوبر. مواصفات عديدة في المراهقة سافانا كوبر منها: تداخل مظهرها الجندري بين الأنوثة والذكورة، تمردها على النظام الإجتماعي، حياتها في الهامش الإجتماعي والإقتصادي، هي مواصفات رأتها لاورا ألبرت تجمع بين الشخصية التي ابتكرتها، أي جي تي لوري، وبين أخت حبيبها، أي سافانا كوبر، لتقنعها في النهاية بإمكانية انتحال شخصيته. وهكذا تدخل سافانا كوبر في خدعة لمدة ستة سنوات، تظهر فيها على الإعلام، في الأوساط الإجتماعية، في الصور الفوتوغرافية، وفي أمسيات القراءات الأدبية، وفي توقيع الكتب على أنها جي تي لوري.

هكذا يصبح ملخص الحبكة المركبة للفيلم: لاورا ألبرت تؤلف رواية عن جي تي لوري وتنشرها بإسمه، بينما سافانا كنوب تؤدي في الفضاء العام وأمام الإعلام والجمهور حضوره الجسدي والإجتماعي. إذاً، ليس هناك من جي تي لوري، فهو شخصية متخيلة مركبة من مؤلفات لورا ألبرت والحضور الجسدي لسافانا كوبر، التي تستغل التداخل في الهوية الجندرية بين الصبي والفتاة، لتظهر دوماً بمظهر يداخل بين هاتين الهويتين مع باروكة للشعر الأشقر، ونظارات شمسية غامقة على العينين، فتلتقط لها الصحافة الصور، وتجري معها المقابلات المكتوبة، تنشر في الصحف والمجلات. وتبلغ نجاحات لاورا وسافانا في خلق شخصية جي تي لوري، بأن تتعاقد معهما منتجة ومخرجة وممثلة سينمائية فرنسية إيف، تؤديها ديان كريغر لتصنع فيلماً عن حياة وأدب الشخصية الوهمية جي تي لوري، ينجز الفيلم ويشارك في مهرجان كان السينمائي للعام 2004.

وبعد ست سنوات، من إجراء المقابلات، الظهور في المجلات، وحضور الأنشطة الثقافية والأدبية، ومن ثم تحقيق فيلم يعرض في مهرجان "كان" السينمائي، يكشف صحافي هو جون برادويل، أنه لا وجود حقيقياً لجي تي لوري، مقدماً الوثائق المبرهنة على أن سافانا كوبر هي من تخدع الناس مجسدةً شخصيته وظهوره، ويكشف الأمر بمقال مرفق بصور للصحافة والرأي العام على اعتبار أنها واحدة من أكبر الخدع التي عاشها الوسط الثقافي والفني في الولايات المتحدة، وحتى في أوربا وفرنسا بالتحديد.

الذهني والنفسي
تقول الممثلة كريستين ستيوارت التي أدت دور سافانا كوبر في الفيلم: "ما جذبني إلى سيناريو الفيلم، هو شخصية سافانا، والتي وعلى الرغم من مقدار الصدق والأخلاق التي تتمتع بهما، واللتان يجعلاها من أبعد الشخصيات التي يمكن التفكير بها حين تحقيق خدعة، إلا أنها مع ذلك تشارك في ابتكار الظهور المخادع لجي تي لوري"، وفعلاً، يبدو هذا التساؤل أساسي في سرد الحكاية كاملةً، ما هي الأسباب التي دفعت فتاة عصامية، متمردة، تبحث عن الصدق وتلتزم الأخلاق، لكي تدخل في خدعة إيهام وجود لشخصية متخيلة، وتجعل منها حقيقية أمام المجتمع؟ يبدو هذا التساؤل أهم ما يحاول الفيلم الإجابة عنه.

أولاً: هي رغبة التماهي مع شخصية جي تي لوري التخييلية في رواية، ثانياً: هي رغبة التلبس بموهبة وعبقرية فنان مثل جي تي لوري ككاتب رواية، ثالثاً: الميل إلى أن تكون شخصاً آخر، رابعاً: تقول لورا ألبرت لسافانا كوبر في محاولة إقناعها لتكون جي تي لوري: "ثمة شخصيات متعدة داخلك، اكتشفيها"، خامساً: رغبة أن يكتسب حضورها في الحياة أهمية، تكرر سافانا لأكثر من مرة بعد أن انتحلت شخصية جي تي لوري بأنها الآن بدأت تشعر بأهمية حياتها، وسادساً وأخيراً: نزولاً عند رغبة الناس بتجسد جي تي لوري كشخصية حقيقية وليست وهمية، فهو الذي يمثل للعديد من الناس ملهماً ومساعداً على تحمل حياة التشرد والفقر. في إحدى الأمسيات الأدبية يوقف شاب مجهول سافانا ويقول لها على أساس إنها جي تي لوري: "لا تدرك مدى أهمية وجودك في حياتي، لقد عشت مثلك مشترداً فقيراً في الشوارع وفي الليالي الصعبة، ما كتبته يعبر عني، أشعر أنك كتبت وعبرت عني كأننا كنا معاً"، مشهد يثبت حاجة الناس لهذه الشخصية المبتكرة المتخلية، حتى سافانا نفسها التي توهم الآخرين بأن جي تي لوري هي أيضاً بحاجة إلى وجوده، تقول لأخيها الموسيقي جيف: "أعرف أن ما أقوم به هو كذب، ولكن أداء شخصية متخيلة شعور قوي يتملكني، إنه فعل إبداعي، كما تشعر أنت حين تعزف على الغيتار، كذلك أشعر حين أحاول أن كون شخصية جي تي لوري".


رغم هذه الحكاية المركبة والغنية والمستمدة من أحداث حقيقية، إلا أن فيلم المخرج جستين كيلي يبدو مخيباً للآمال، من حيث قدرة السيناريو على الإستفادة من العناصر الغنية والمتعددة مستويات التأويل في الحكاية، وقدرة السيناريو على توظيف اللحظات الدرامية والأسئلة النفسية والذهنية للحكاية، ولتجربة ابتكار شخصية روائية ومؤلف روائي مبتكرة تخييلية، كما أن الشخصيات تبقى على مستواها الأولي دون تعميق لأسئلتها أو تجاربها الوجودية والفكرية التي يمكن تطويرها أمام هذا النوع من الحكاية – السيرة الذاتية. كما أن الإخراج يبدو بسيطاً في محاولة تجسيد المشاهد واللقطات المرافقة لهذا السيناريو، كما أن عمليات المونتاج تبدو بسيطة وغير احترافية، حيث يلحظ المشاهد طريقة تركيب اللقطات، وتصويرها، وتتلمس عين المشاهد الذكية الطريقة التي صمم فيها تقطيع اللقطات وتصوير المشاهد.

يقدم لنا التاريخ الأدبي والفني العديد من الحالات التي تمت فيها الكتابة والنشر تحت اسم مستعار لإخفاء هوية صاحب أو صاحبة العمل الحقيقي المنشور. وهذه الحكايات غالباً ما تتضمن عناصر غنية وكثيفة على مستوى التأويل والتحليل وكشف الجوانب النفسية، الذهنية والإبداعية لأصحابها. وفي التاريخ الأدبي تحديداً نشرت العديد من الكاتبات نصوصهن وإبداعاتهن بأسماء مستعارة لذكور. تعتبر حكاية "أمانتين دوبين" 1804 – 1876 من أشهر الشخصيات التي كتبت تحت اسم مستعار هو جورج صاند، وقد كتبت الروايات، المذكرات، كما نشطت اجتماعياً تحت هذا الإسم  المستعار. كذلك الأمر مع الرواية الإيروتيكية "قصة أو، The story of O" التي كتبتها آن ديسكلوز، لكنها نشرتها تحت اسم مستعار هو بولين ريجيه، الرواية حققت نجاحاً كبيراً، وانتشاراً جماهيرياً، وقدمت في العديد من الإقتباسات المسرحية والسينمائية. ولكن المؤلفة الحقيقة آن ديسكلوز أبقت هويتها مخفية لمدة أربعين عاماً بعد نشر الرواية، ومن ثم اعترفت بأنها كتبت الرواية كنوع من الرسائل الإيروتيكية لحبيبها جان بولفان الذي كان يعشق كتابات الماركيز دوساد والأدب الإيروتيكي، فحاولت كتابة الرسائل التي تعجبه وتثير هواه، وحين تحولت الرسائل إلى رواية، قررت المؤلفة إخفاء هويتها الحقيقية ككاتبة لهذ العمل الأدبي. كذلك في العالم العربي لدينا الروائي غسان كنفاني (1936 - 1972) الذي كتب طويلاً تحت اسم مستعار وهو فارس فارس.
حاول بعض النقاد تحديد الأسباب التي تدعو الفنانين أو الكتاب إلى نشر أعمالهم بأسماء مستعارة فكان منها: لإضافة أهمية اعتبارية على اسم المؤلف أو المؤلفة، للتمويه على الهوية الجندرية للمؤلف أو للمؤلفة، ليحافظ الكتاب والكاتبات على مهنهم ووظائفهم الغير أدبية أو فنية، لحماية المؤلف أو المؤلفة من ردود الفعل على محتوى أو مضمون كتاباتهم وكتاباتهن، ومنهم ومنهن من ابتكروا أسماء مستعارة لتتناسب مع مشاريع التسويق والإعلانات التي يمكن أن تنجح أكثر مع أسماء مختارة بعناية.

(*) يعرض الفيلم حالياً في صالة سينما ميتروبوليس أمبير صوفيل – بيروت.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019