"غوندرمان": ملحَمة الحفّار الشيوعي المُغني.. جاسوس الـ"شتازي"

محمد صبحي

الخميس 19/09/2019
في مدى مفتوح تحت سماء واسعة، في مقصورة قيادة إحدى الحَفّارات الجبلية المغموسة عجلاتها في تراب وفحم منجمٍ خارج المدينة؛ يجلس شاعرٌ. فنان وكاتب أغاني، بنظّارته وجديلة شعره وأسنانه الأمامية البارزة. مواطنٌ من جمهورية ألمانيا الديموقراطية، سائق حفّارة، شيوعي مخلص، حبيب. يكتب كلمات من قبيل: "ثم يكون عليكِ أن تبكي/ ثم تحبّين رجلاً/ لكن لا تحبّي، لكن لا تحبّي، لكن لا تحبّي أياً من عمال السكك الحديدية/ لديهم أيدٍ قاسية وقلب عنيد/ يقاتلون إلى ما لا نهاية ويموتون باكراً/ يبحثون عن المتعة ولا يجدون سوى الألم/ يمكنهم الكذب، لكنهم لا يستطيعون العيش أبداً".


في كلمات أغنية غيرهارد غوندرمان أعلاه، يتلخّص الأمر كله. فمسعى المخرج أندرياس دريسن في فيلمه "غوندرمان"(*) لتناول سيرة المغني، سائق الحفّارة، القادم من هويرسفالدا (بلدة رئيسية في مقاطعة باوتسن في ولاية ساكسونيا الألمانية)، عبر تعشيش وتداخل الأزمنة والأوقات والأمزجة في فيلمه؛ موجودة عناصره الأولى في تلك الأغنية: البيت، العمل الشاق، بساطة الكتابة، عاطفية الكلمات، الكذب. والحقيقة أن بحثاً بسيطاً في الإنترنت يكشف كيف أن حياة غيرهارد غوندرمان، الذي توفي فجأة إثر سكتة دماغية في العام 1998 عن 43 عاماً، تؤمّن المكونات اللازمة لرحلة فيلمية ملحمية، بما فيها من قصة حب وموسيقى نبيلة ووجهة نظر أصيلة.

يحكي دريسن في فيلمه حكاية غوندرمان (بأسنانه، وشَعره المربوك كذيل حصان، ولكنة منطقته، كما أدى دوره بإتقان وحماس الممثل ألكسندر شير)، على مستويين من الزمن، قافزاً بين قصصهما عبر أكثر من 15 أغنية من أغاني غوندرمان. أولاً، قصة الشاب الذي بدأ العمل في منجمٍ مفتوح العام 1975، بالتزامن مع كتابة وغناء الأغاني مع فرقته الموسيقية الصغيرة، وفي مقدمتها زميلته (في الغناء والمنجم)، "كوني" (آنّا أونتربيرغر)، التي يتسلل حبها إليه رغم زواجها من زميلهما االثالث في الفرقة! إنه اشتراكي مخلص لمبادئ الجمهورية الشيوعية. يقول: "إذا لم يكن النظام الاجتماعي موجوداً، لاخترعته". يرافق الغيتار أغانيه، وينتقل من المنجم إلى الحفلة، وبالعكس، بلا نوم كافٍ، وبلا مساعدة من المخدرات، وبلا شكوى. كلماته المتقدة والميلانكولية، خلقت له قاعدة من المعجبين المخلصين حتى يومنا هذا.

القصة الأخرى تحدث في العام 1992، بعد سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا واختفاء جهاز أمن الدولة المرعب المعروف باسم "شتازي". يبدأ الفيلم حكايته منها، وفي أقل من عشر دقائق، يورّطنا في معضلة بطله الذي تاق، فوق كل شيء، إلى أن يكون أصيلاً في ما يفعله، سواء كان ذلك أغنية يؤديها أمام زملائه في مسرح مرتجل داخل المنجم، أم عملاً وطنياً يسمح له بالتجسس على معارفه. في مشهد مبكر، وبعد لحظة من الرعب عاشها زميله القديم فولكر، إثر اعتراف غوندرمان له بالعمل كجاسوس لصالح "شتازي"؛ يقدّم فولكر مشروباً كحولياً له قبل أن يصعقه هو أيضاً باعترافه: "لقد تجسست عليك أيضاً". لكن الأمر لن يتوقف عند ذلك الزميل القديم، لأن إخلاص غوندرمان لمبادئ الاشتراكية ولدولته العزيزة، أثمر ملفاً ضخماً من المعلومات والبيانات أضحى محفوظاً في متحف توثيقي يمكن لضحايا التجسس الإطلاع عليه. إلى ذلك، يجد غوندرمان نفساً مطالَباً بالاعتراف للآخرين، زملائه القدامى، أعضاء فرقته الجديدة، جمهوره.


في الأثناء، يزداد التوتر الدرامي بتتابع مسعى غوندرمان الاعترافي، كاشفاً جانباً مثيراً من حياة ورؤية المغني الألماني. تريد الصحافية، التي ساعدته بإحضار ملفه التجسسي من السلطات، معرفة سبب قيامه بذلك. هو نفسه يعيد ترتيب حياته ليرى من مكانه الحالي ذاته الماضية. ألم يكن واضحاً له، أنه، بسبب معلوماته، فشلتْ خطط هروب وتقطّعت ثقات ودُمّرت حيوات؟ هل يعرف عواقب الخيانة؟ هل اعتقد أن في إمكانه تحسين أوضاع رفاق عمله عبر تجنيده من قبل "شتازي"؟ هل يبرر حبُّ الوطن، خيانةَ الأصدقاء؟ لا يستطيع غوندرمان الاعتذار من دون تفسيرات طويلة أو كلام كبير. فقط، يطلب الصفح من الناس.

قبل أربع سنوات، تناولت المخرجة الألمانية آنكاترين هينديل، مسألة العفو والغفران بشكل مختلف. ففي فيلمها الوثائقي "أندرسون"، عن الشاعر ونجم الوسط ​​الأدبي ساشا أندرسون، الذي كُشف النقاب في العام 1991 عن تجسسه لصالح " شتازي"؛ ظهر أشخاص ليعلنوا بأنهم لم ولن يغفروا له فعلته. الشاعر نفسه لم يعتذر، لأنه، كما قال، لا يمكن للمرء أن يعفيه الاعتذار من الإحساس بالذنب. العبارة ذاتها تتكرر بشكل مختلف في سيناريو ليلى شتايلر، على لسان غوندرمان، إذ يقول "لا يمكنني محو ذنبي. كل ما يمكنني طلبه هو أن يسامحني الناس". لاحقاً، يقول أمام جمهوره، إنه لا يستطيع مسامحة نفسه على ما فعله. رغم ذلك، يضفر الفيلم شبكة عفو بشرية بحق غوندرمان، تضم نساء ومعجبين وأصدقاء وزملاء عمل، جميعهم يقفون إلى جانبه لمساندته.

ربما كاريزما غوندرمان الآسرة، وربما نُبله وموثوقيته (كما نراهما في الفيلم)؛ هو ما يسمح بتقبُّل مثل تلك الحالة الجماعية من الغفران والعفو. لكن في الحقيقة، بالإضافة إلى كونه سيرة فنان غير عادي وصورة لبلدٍ غابر، فإن فيلم دريسن، قبل كل شيء، هو سؤال معقد لا يمكن الإجابة عليه إلا بشكل ذاتي: هل يستطيع المرء أن يغفر؟

أيضاً، من المثير للاهتمام انفتاح الفيلم على سياقات أوسع في طرحه لمعضلة التعامل مع الفنانين ذوي الماضي المعقد والمشين. فمن السهل ربط الفيلم بالجدل المستمر حالياً، بعد موجات "مي تو" وتبعاتها في ملاحقة المتحرشين والمتحيزين جنسياً من الفنانين: هل يمكن للمرء الاحتفاء بشخص/فنان ارتكب خطأ؟ هل ينبغي لأحد أن يرفض فناناً إلى الأبد؟ أو هل يجب أن نفصل بين الشخص وعمله الفني (في حالة غوندرمان، لا يمكن تصور الأمر حتى)؟ بالطبع، لا يقدم دريسن إجابة مباشرة، لكن فيلمه يفتح ذراعيه لبطله، كاختيار مفهوم تماماً من جانب سينمائي بدرجة خبير عاطفي.

يعرف دريسن جيداً شخصياته، وكذلك جمهوره. يركّز الفيلم كثيراً على مسألة تعاون غوندرمان مع "شتازي"، حتى أن البعض قد يراه البعض عملاً تصالحياً، بعدم تقديمه إجابات واضحة. لكن هذا ليس صحيحاً. لا مبالغة في اعتبار "غوندرمان"، النموذج المضاد لفيلم آخر أكثر شهرة وذيوعاً هو "حياة الآخرين" (2006، فلوريان هنكل فون دونرسمارك)، لجهة تقديمه صورة تختلف كثيراً عن الحياة في النصف الشيوعي من الجمهورية الألمانية عمّا أظهرها الفيلم المحتفى به عالمياً. هنا، لا اختزالات مغلوطة لسبك سيناريو هوليوودي مشوّق، فليست المسألة مواجهة بين نقيضين، أبيض وأسود، أخيار وأشرار، ضحايا ومجرمين. أولئك الذين لم يختبروا حال العيش في بيئة معقدة ومسمومة (كما ألمانيا الشرقية)، لا يمكنهم فهم الموقف، فضلاً عن إصدار الأحكام بشأنه. بينما سيجد البعض طريقهم للقول باقتناع أنهم يستطيعون فهم ألمانيا الشرقية من خلال الفيلم، وهؤلاء غالباً من السهل توقع إعجابهم بفيلم دونرسمارك. أيضاً، يعتقد البعض أنه من الأفضل ألا يُسمح إلا لصانعي الأفلام من ألمانيا الشرقية بوصف حال تلك الأيام، فالآخرون تغيب عنهم مسافات واقعية ووقائع معيشية.

ربما، في النهاية، "غوندرمان" هو شيء للجميع، لكل متفرج، ألمانياً كان أم أجنبياً، فتّاح سكك وبادئة نقاش. لأنه، قبل كل شيء، صادق وأصيل.

(*) يُعرض الفيلم الخميس 19 أيلول/سبتمبر في سينما متروبوليس، مفتتحاً فعاليات الدورة السادسة من "أسبوع الفيلم الألماني" الذي ينظّمه "معهد غوته" في بيروت بالتعاون مع "جمعية متروبوليس".

(*) حصل الفيلم على ست جوائز "لولا" (جوائز الفيلم الألماني) لهذا العام، من بينها جائزة أفضل فيلم وأفضل ممثل وأفضل إخراج وأفضل سيناريو.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020