في وداع "درومولوغ" الحرب بول فيريليو

روجيه عوطة

الأربعاء 19/09/2018
للحظة، وعلى اثر خبر وفاة بول فيريليو (مواليد باريس 1932) من جراء نوبة قلبية، يخطر في بال المنبأ به، أن يتكئ على المنطق نفسه الذي تشتمل معادلات ذلك المعمار والفيلسوف عليها، بحيث يقول إن توقف القلب هو حادث انتقاله من النبض إلى الخفقان، فهو حين يخفق، يزيد من دقاته، يكون مولد الحياة لكنه، وفي الوقت نفسه، ينتج ذبحته، إذ إن الجلطة واجب حركته. من هنا، لقد أسرع قلب الراحل، وبوصفه آلة عضوية، كثيراً، لدرجة حدوث العطل الذي بدا ذروة تلك السرعة بالتوازي مع كونه الخلاص منها. نعم، لا يموت فيريليو الا اذا قضت عليه السرعة، العجلة، التي قرر ذات يوم أن يشفي الحضارة منها، أي الا اذا انتقمت منه. لماذا تفعل ذلك؟ ليس لأنه كان بطيئا، وملهم تيارات داعية إلى التمهل بل شديداً وسديداً!

برع فيريليو في العبور بين العمارة والفلسفة والسوسيولوجيا والتكنولوجيا والإعلاميات، وهذا العبور، الذي انطوى على أسفار شتى، فنومينولوجية واستطيقية وهندسية وفنية وسياسية، يتعلق بكون الفيلسوف هو، وعلى حد قوله، ابن الحرب العالمية الثانية، التي تركت بمصائبها مفعولا فيه. فعلى الرغم من كونه عاشها كمتفرج، أو لأنه عاشها كمتفرج، أي في "وضعية من وضعيات الضحية"، رغب في مواجهتها، في التنبيه إلى كونها صارت موقف العالم، وبالتالي، كان مقاتلا ضدها. لذا، وكحال مقاتلي حرب العصابات، التي عاصرها، كان ضليعا في التحرك على كل جبهة معرفية، باحثا عن علامات تلك الحرب، وعلى رأسها السرعة. لم يكن فيريليو محارباً كالكاتب ارنست يونغر، هو صرح بذلك مرة، بل كان مقاتلا ضد الحرب، التي لم يهتم بالسرعة سوى لأنه اهتم بها، والعكس صحيح أيضا.

وجد فيريليو أن الحرب الراهنة تقوم بضرب إدراكنا، بتسريعه، أو إستعجاله، لا سيما لكي لا نراها، وحتى عندما تبرز أو بالأحرى تنجلي كأزمات وانهيارات وحوادث، نشاهدها بالعيون التي صنعتهم لنا، والتي تتسم بأنها تلمح كي تجانب. إذ إنها عيون مصنوعة بالسرعة، بالحركة، التي ساواها الفيلسوف بالإعماء، "الحركة هي العمى". وبالتالي، في حضارة العجلة، كلنا أكفاء، ولكي نستعيد بصرنا، يستلزمنا الثبات، ومطولاً في بعض الأوقات، حتى نقدر على الحاصل إزائنا.

وهذا "التبطيء"، الثبات، يجعلنا نحس بداية بعنف تلك الحرب، بعنفها داخلنا، بأنها تسربت إلينا عبر نظرنا، الذي أضحى منزوعا، أو فاسدا. فالحرب بمثابة "نزوع بصري" ضرب معاينتنا، ولا يمكن أن نرى بدون نطيح به. في هذا السياق، عرف فيريليو نفسه مرة بأنه ابن الحرب، الذي، وكصديقه جورج بيريك، "يرى اشياء". الأمر، الذي لا يعده سهلا بل عويصا للغاية، ليس لأن تلك الأشياء مرعبة فحسب، بل انها تنتشر وتسيطر على جماهير الأفراد بدون علمهم أو مع اعتقادهم انها تنقذهم. وفي هذا السياق أيضاً، لطالما أخذ على فيريليو انه يبالغ في تحليله، انه "قيامي" أو "ابوكاليبتي" على ما نعته بعض أصدقائه، غير أنه، وعلى هذا النعت، يرد أن الابوكاليبس هو خبر سعيد بحيث يكشف عن تغير في عالمنا.

سانح القول إن فيريليو كان طبيب العالم من السرعة، "درومولوغه" بحسب صناعته لمصطلح "الدرومولوغ"، أي علم دراسة السرعة في المجتمعات الحديثة. وهذا الطبيب، ومع أنه كان من دعاة التمهل، إلا أنه كان يأخذ على هذا العالم تباطؤه وتقصيره في معرفة أنه، وبحربه، سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى انهيار ضخم. من المفارقات، التي بينها فيريليو، أن العالم إياه، وعندما لا يتوقف عن الإسراع، يحمله ذلك إلى التأخر على حقيقته، فكلما أسرع تأخر، وتجمد في مطرحه إلى أن يحل الانهيار الذي يبدي دماره، كما لو أن دمار هو جمود مستعجل!

بيبلوغرافيا

بالإضافة إلى "مانيفستو العمارة المائلة"، الذي كتبه مع المعمارة كلود باران، نشر بول فيريليو عشرات الكتب القيمة، منها مثلاً لا حصراً: "سرعة وسياسة" (1977)،  "أزمة الأبعاد" (1983)، "ماكينة الإبصار" (1988)، "حرب وسينما" بجزئيه (1991)، "فن فقدان النظر" (2005)، "مستقبلية اللحظة" (2009)، "إدارة الخوف" (2010).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020