وجوه بيروت

سامي حسن

الثلاثاء 11/08/2020
في سياق تبرير موقفه الداعم للنظام الأسدي، يزعم حزب الله، أنه لو لم يتدخل عسكرياً في سوريا، لاحترق لبنان بنيران التكفيريين من دواعش وغيرهم؟! حسناً، لبنان اليوم، يحترق بالفعل، لكن ليس على يد داعش أو أي من أخواتها، وإنما، بسبب الانفجار/الزلزال الذي وقع في مرفأ العاصمة بيروت.

لا شك أن حجم الجريمة، قد استجلب ردود أفعال واسعة، تراوحت بين الصدمة، والحزن، والتعاطف مع بيروت وأهلها، وصولاً إلى اتهام المسؤولين والدعوة لمحاكمتهم.

فإذا أضفنا للجريمة وحيثياتها، الأزمات المستعصية التي تعصف بلبنان، والمستوى الذي بلغه الاحتقان الشعبي، أمكننا تفسير حالة الغضب الشديد التي يعيشها اللبنانيون في هذه اللحظات، ودعوات العودة إلى الشوارع والتصعيد من أجل إسقاط النظام برمته.

لعله صحيحاً، لفهم حالة الغضب تلك، التذكير بما تتمتع به بيروت من خصوصية، وما ترمز له من دلالات، وما لها من تاريخ.

فإذا كانت لبغداد ثلاثة وجوه، حسب غالب هلسا، فإن لبيروت أيضاً وجوهاً عديدة.

لبيروت وجهها الثقافي الذي جعل منها عاصمة الفكر والصحافة والأدب والفن. لبيروت وجهها المجبول بملحمة حصارها وصمودها تسعين يوماً العام 1982، وشموخ أبطال المقاومة الوطنية، العابرة للطوائف، صاحبة الطلقات الأولى ضد العدو الإسرائيلي. ولبيروت وجهها البشوش الذي لطالما رحب بالمدافعين عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، الذين ضاقت بهم بلدانهم، فكانت، بيروت وأهلها، ملاذاً آمناً لهم. لبيروت وجه الحياة الذي يأبى إلا أن يعض على الجرح، وينهض، كما العنقاء، من تحت الرماد. لبيروت وجه البيروتيين الموزعين في حواريها، المؤمنين بها عاصمة لكل اللبنانيين. لبيروت وجه الساحات التي امتلأت بالمتظاهرين في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، والتي أخرجت لبنان من تحت عباءة النظام الأسدي.

لكن بيروت، حالها حال دمشق وبغداد وغيرهما من العواصم، لم تسلم، لا بالأمس، ولا اليوم، من محاولات العبث بها، وتشويه جمال وجهها/وجوهها، بل واستبداله بوجوه أخرى، كوجه الطائفية، والحرب الأهلية، ووجوه المجرمين الذين اغتالوا كمال جنبلاط، وحسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة، وسمير قصير وجورج حاوي وغيرهم من الشهداء. ووجوه المسؤولين عن مجازر صبرا وشاتيلا العام 1982، وحصار المخيمات الفلسطينية العام 1986، ووجه عنجر والحقبة الأسدية، ووجه المذهبية ونظام المشايخ والملالي. ووجه العنصرية المتنكرة بلباس الديموقراطية والمدنية البرتقالي. ووجه الزعامات العائلية الوراثية، ووجه الفاسدين، وحيتان المال، الذين ابتلعوا بيروت، ودمروا معالمها التاريخية والأثرية.

سياسياً، لبيروت اليوم وجهان. وجه قوى (8 و14 آذار) الطائفية، المذهبية، المعادية للديموقراطية، المولدة للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ووجه ثورة 17 تشرين الأول التي يعول عليها خلاص اللبنانيين من نظامهم الطائفي، واستعادة بيروت لوجوهها الجميلة. بانتظار ذلك.. "من قلبي سلام لبيروت.. وقُبلٌ للبحر والبيوت".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020