"بيك نعيش".. الأبوة الهشة

شادي لويس

الجمعة 11/10/2019
في واحدة من الغابات الًتي سنعرف لاحقا أنها لا تبعد كثيراً عن مدينة تطاوين، يبدأ الفيلم الطويل الأول للمخرج التونسي، مهدي البرصاوي، "بيك نعيش". بخفة يرسم مشهد نزهة لمجموعة من الأصدقاء ميسوري الحال، شبكة من التناقضات الذي ستغدو خلفية بعيدة لأحداث الفيلم. فبين المشروبات الكحولية التي يتناولها الجميع، والضحكات العالية على النكات الجنسية، يأتي ذكر حركة "النهضة" والمخاوف من صعودها، بعد بضعة شهور فقط من الثورة وهروب زين العابدين بن علي. بخليط لغوي، غالبيته فرنسي مع قليل من الدارجة، يشتكي البطل، فارس، العائد من فرنسا، من الإضرابات التي قام بها عمال الشركة التي يمتلكها، ويحذر من الفوضى التي تنتظر الجميع. أما الزوجة، مريم، فتحتفل بحصولها على منصب كبير في شركة متعددة الجنسيات في عاصمة خليجية. 

المفارقات بين المشهد الأول المكلل باللون الأخضر، ومشاهد الصحراء التي ستكمل معنا بقية الفيلم، وبين اليسر الذي يبدو على مجموعة الأصدقاء وسياراتهم الفارهة، والفقر البين في تطاوين، المدينة الجنوبية التي ستدور فيها معظم الأحداث، كل ذلك سيساهم في بناء سلسلة من التداعيات المأسوية، تبدأ بإصابة الابن(سبع سنوات) بطلق ناري وتنتهي بتورط الأب في شبكة للجريمة المنظمة وتجارة البشر والأعضاء من أجل إنقاذه.


تلعب الاشتباكات بين الجماعات الإسلامية المسلحة والشرطة التونسية، مع الحرب التي اندلعت عبر الحدود في ليبيا، والبنية القانونية المتعلقة بالتبرع بالأعضاء وإثبات النسب في تونس، والثورة، وكذا الفساد الإداري المستفحل، أدواراً في نسج مأساة عائلية لها أبعادها السياسية والاجتماعية والقانونية، تتخطي حدود المحلي إلى ما هو إقليمي أيضاً. لكن ما كان يشغل صناع "بيك نعيش" لم يكن كل هذا بالضرورة، بقدر ما سعوا لتجسيد تلك الهشاشة التي يمكن للمرء أن يكتشفها في وجوده الإنساني فجأة، حين ينهار كل شيء يعرفه عن نفسه وعن أقرب الناس له في لحظة واحدة. يورطنا الفيلم في أسئلة عما يمكن أن تعنيه الأبوة، بعيداً من أواصر الدم، ما الذي يمكن أن يحدث حين يكتشف الأب فجأة أن ابنه ليس من صلبه؟ وماذا تفعل أمّ لا تعرف من هو والد ابنها الحقيقي؟ وماذا عن الأب المجهول حين يعلم أن لديه طفلاً لم يسمع عنه شيئاً من قبل؟ وبين هذا وذلك، تطفو أسئلة أخرى عن الوفاء والخيانات الزوجية والواجب والغفران والقانون، وعما يمكن أن تحققه الثروة، حين يصبح البشر قطع غيار يمكن تقطيعها وبيعها؟

يطرح الفيلم، الفائز بجائزة الجمهور في المهرجان الدولي للفيلم الفرانكفوني في مدينة نامور البلجيكية، قبل أيام، أسئلته بصوت خافت، حتى لا تبدو مسموعة معظم الوقت. فمشاهد "بيك نعيش" التي نادراً ما غادرت الكاميرا فيه طرق وغرف مستشفى محلي متواضع، والكادرات المقربة للوجوه بخلفيات غائمة وصمت يطول أحياناً، بالتبادل مع مشاهد الصحاري الواسعة، جميعها معاً بدت كلوحات غمرت المشاهدين بجماليتها البصرية وسحبتهم بحميمية بعيداً من كل تلك التساؤلات. ورغم الأحداث المتسارعة التي كان من الصعب توقع مآلاتها، فالحوارات القصيرة والمقتضبة للأبطال، كانت قادرة على إيصال شحنات مركزة من المشاعر، التي تتابعت في حركات هادئة من المد والجزر. 

ببنية بصرية بسيطة وعميقة التأثير، تتخللها الإثارة التي استدعتها الحبكة بانقباضاتها ولحظات الارتخاء نصف المتوترة، قدم فيلم "بيك نعيش" تجربة في غاية الفرادة على الشاشة العربية، موظفاً السياق التاريخي والاجتماعي لرسم الفرد ومآزقه أمام هشاشته، ليبقى العام حاضراً لكن بشكل ضمني فقط وفي الخلفية البعيدة، بتركيز على الجماليات والتأثير الحسّي كأساس لعمل مشبع بالمعنى السياسي أيضاً، محققاً توازناً دقيقاً ومبهراً، لا يفسد أي من عناصره الآخر أو يطغي عليه.  
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019