محرم فؤاد.. "صوت النيل" يذكرنا بفقدان "شخصية مصر"

شريف الشافعي

الجمعة 06/07/2018
لكأن ظلًا رقراقًا يتهادى مشرقًا بمحاذاة النيل الخالد في أرض مصر الطيبة، يستمد صفاءه من صفاء النهر، فإذا اعترت النيلَ عكارةٌ انخرط الظل في اسوداده وأحزانه مجترًّا ذكرياته المتسرّبة. مصر هبة النيل؛ بتعبير هيرودوت، وحينما لا يبقى للنهر خريرٌ، فبأية لغةٍ يتحدث المصريون؟

‏باحثون كثر، منهم جمال حمدان صاحب "شخصية مصر"، وعبد الحميد يونس صاحب دراسة "مجتمعنا"، وضعوا أيديهم على سر أسرار الشخصية المصرية، وقدس أقداسها، خصوصًا في تجلياتها الشعبية، وهو بالتأكيد "حابي" أو النهر الإله، الذي عبده الفراعنة، وردد الناس من أجله في تراتيلهم: "يهب كلَّ فرد الحياة، ويأتي الخير في طريقه، والغذاء عن بنانه، ويجلب حضوره البهجة لكل إنسان. إنكَ فريد، أنتَ الذي خلقتَ نفسكَ من نفسكَ، دون أن يعرف أيُّ فردٍ جوهرَك".

أن توصف حنجرة بشرية بأنها "صوت النيل"، فهذا معناه بلا شك أنها مصر الشعبية في قلب الحياة، والحياة الشعبية في قلب مصر. هكذا تحصَّن محرم فؤاد بلقبه الأسطوري ضد الفناء، مثلما أن أغنياته القريبة من دفء الماء ونبض البسطاء، وجهٌ من وجوه مقاومة تآكُل صورة مصر الشعبية وانقراضها بفعل عوامل التعرية الطارئة في زمن الجفاء والجفاف.

شهدت مصر، وتشهد، على مدار صيف 2018، العديد من الاحتفاليات بذكرى ميلاد ورحيل صوت النيل محرم فؤاد (يونيو 1934-يونيو 2002)، منها أمسية "جمعية محبي الموسيقار فريد الأطرش" في أتيليه القاهرة، وتقام هذه الجلسات عادة في أجواء كرنفالية تأبينية، وتكاد تدور في فلك عبارة واحدة مما تغنى به محرم فؤاد من كلمات عبد العزيز سلام وألحان فريد الأطرش: "يا واحشني رد عليّ إزيك سلامات".


التألم لغياب محرم فؤاد، ورحيل أمثاله من أفذاذ الموسيقى والغناء، وبذل الدموع أنهارًا جارية في احتفاليات ذكرى صوت النيل "الشوق خدني ورماني على ناره اللي بتكويني.. وغيابك طال خلاني سهران على دمعة عيني"، ورسائل المحبة المتجددة إلى المطرب الحاضر الغائب، هي كلها منظومة رثائيات متكدسة في الصدور، فبقدر ما يفتقد الجماهير الصوت النقي الشجي الطروب، الذي يعلمون أنه لن يعود، فإنهم متعطشون للنهر العذب الغائب، قانطون من استعادة مصر الشعبية بعد فقدانها في الضجيج والزحام.

لم تكن "مصر الشعبية" في الموسيقى والغناء والتشكيل والفنون والآداب جميعها فعلًا استثنائيًّا منفردًا، فهذه الشخصية التي تجلت خصوصياتها، وبلغت ذروة الحضور والوضوح والنضج في مناحي القوى الناعمة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، هي خريطة المصري بفرادته ومقوماته وصفاته وعناصر تميزه واختلافه.

ومع اضمحلال وتلاشي مصر الشعبية بشخصيتها المنفردة وأيقوناتها الراسخة، تدريجيًّا في أرض الواقع، وتجريف طبقات الوعي من قيم الأصالة وعناصر الاستقلالية، وتسليع كل شيء منذ حقبة السبعينيات إلى يومنا هذا، شهد الحقل الفني بدوره أفول المرحلة الذهبية للتعبير عن الهوية الوطنية والروح الشعبية بالموسيقى والغناء بأصوات محرم فؤاد ومحمد رشدي ومحمد العزبي وغيرهم، ومن قبلهم محمد فوزي الابن الروحي لسيد درويش. وبدأ انسلاخ الأصوات الجديدة من الجذور والموروث المحلي، كالمواويل وأغنيات الصنايعية والحرفيين والصيادين والسير الشعبية والابتهالات الدينية وطقوس الأعراس والموالد وغيرها. بدايةً بأحمد عدوية ومن بعده حكيم وحسن الأسمر وشعبان عبد الرحيم وعبد الباسط حمودة، وصولًا إلى شعبيات أوكا وأورتيجا والليثي وبوسي وأحمد شيبة وغيرهم، التي تكاد تجسّد ما تنبأ به محرم فؤاد نفسه في أغنيته "كله ماشي"، من كلمات سيد مرسي وألحان بليغ حمدي: "رخّصتي يا دنيا الغالي.. وغلّيتي اللي ما يسواشي".


تنبني الشخصية المصرية ذات الحضور الشعبي الخالص على مقوّمات متعددة، منها نهر النيل، الذي يراه عبد الحميد يونس في كتابه "مجتمعنا" عاملًا مهمًّا يمنح المصري نزعة عميقة للاتحاد بالأرض والاستقاء منها على مستوى الخصال والطباع. ويصف جمال حمدان في "شخصية مصر" طبيعة النيل الفيضية بأنها عنصر جوهري يطبع الشخصية بسِمة خاصة هي الوسطية، فضلًا عن أن النهر هو شريان الحياة‏.

وفي تقصيه لتفاصيل شخصية مصر الطبيعية والبشرية والتكاملية والحضارية، يرى جمال حمدان أن تفرد هذه الشخصية لا يعني تدعيم الحركة الانفصالية عن العالم العربي، فالخصوصية المحلية الوطنية لا تمنع التلاقي داخل الإطار القومي المشترك، وليس مطلوبًا أن تذيب الوحدة فكرة الهويات المستقلة.

من الوجهة الموسيقية والغنائية، اتساقًا مع رؤية حمدان، فإن تمثلات هذه الشخصية المصرية الشعبية لا تعني أيضًا قطع الصلة بالموسيقى العربية بطبيعة الحال، الغنية بالقصائد الغنائية والأدوار والموشحات والطقاطيق والمونولوجات وغيرها. لكن الهوية والجذور المحلية تظل من العلامات المميزة للفن المصري الشعبي، وكذلك نوعيات الآلات المستخدمة في العزف، ومن أبرز الآلات التي عرفتها مصر الفرعونية الناي والهارب والطبول، وذلك قبل استحداث الوتريات المصرية مثل السمسمية والطمبورة والربابة.

وبتنوع الأقاليم المصرية (العاصمة، الدلتا، السواحل، الصعيد، النوبة، الصحراء، الخ)، تتنوع ثيمات الأغنيات الشعبية المستمدة عادة من مناسبات وأحداث ونشاطات اجتماعية، كما في الأفراح والمآتم أو عند ممارسة طائفة من العمّال أو الصنايعية أشغالهم اليومية. ومن قوالبها الجماعية الموروثة التي استفاد منها الموسيقيون والمطربون الشعبيون: المربوع والنميم والسيرة الهلالية وفن الواو (في الصعيد)، والسامر ودور الضمة (في الصحراء)، والمديح والابتهالات الدينية (في دلتا النيل)، وأغاني القنال في منطقة قناة السويس، المقترنة عادة بآلة السمسمية، وغيرها.

في ظل ثراء هذا الفن الذي يعكس شخصية مصر الشعبية، تأتي تجربة محرم فؤاد، منذ ظهوره للمرة الأولى في العشرين من عمره، حيث اكتشفه وقدمه المخرج هنري بركات في فيلم "حسن ونعيمة" مع سعاد حسني العام 1959، ولقيت أغنيات الفيلم نجاحًا واسع النطاق. إذ صارت أغنية "رمش عينه"، من كلمات مرسي جميل عزيز وألحان محمد الموجي، بعد أشهر قليلة من عرض الفيلم، من علامات الغناء الشعبي، بنكهة مصرية تختلف عن السائد وقتها، خصوصًا أن تصويرها السينمائي في مجتمع ريفي أكسبها مصداقية إضافية وقدرة فائقة على الإقناع بأن هذا الصوت يخص أولئك الناس الذين يسمعونه ويرددون وراءه كلمات الأغنية.


وجد البسطاء والريفيون عند محرم فؤاد ما لم يجدوه عند عبد الحليم حافظ، أيقونة الغناء الجديد في ذلك الوقت، فصوت النيل الآتي من أسرة صعيدية والمولود في حي بولاق الفقير والمعجون منذ صباه في الموالد والأفراح والملاهي، يغني بالجلباب البلدي وكأنه يرتجل، وهذه الأغنيات والمواويل التي يقدمها بمصاحبة النايات والوتريات والطبول بمثابة "مناسبات اجتماعية" يحييها ويشارك فيها مستمعيه بشكل شخصي. ومع موسيقى بليغ حمدي، وأشعار مرسي جميل عزيز، تطورت شعبيات محرم فؤاد لتستوعب الفولكلور المصري العميق بقصصه وأساطيره ورموزه وطرائفه، في محافظات مصر المختلفة، كما في تلك المطاردة الفنية المذهلة لـ"الغزال الإسكندراني".


لم تنجح أفلام محرم فؤاد السينمائية الـ13 على الصعيد الدرامي، لكن الأغنيات الشعبية التي تضمنتها هذه الأفلام كفلت لها نجاحًا جماهيريًّا وتسويقيًّا مقبولًا، وقد أغراه مؤشر السوق بالإنتاج في نهاية مشواره السينمائي، حيث قدم في العام 1975 فيلم "الملكة وأنا" مع اللبنانية جورجينا رزق، صاحبة لقب "ملكة جمال الكون" آنذاك، والتي يقال إنه تزوجها، وكانت أغنية "داري جمالك" من كلمات مرسي جميل عزيز وألحان محمد الموجي هي القشة التي تعلق بها الفيلم محتميًا من الغرق.


بقرابة 900 أغنية، أسهم "المغنواتي" محرم فؤاد في رسم صورة مصر الشعبية الأصيلة، القاهرية والشاطئية والريفية والصعيدية، بأقلام الفحم البسيطة وتدرجات الظلال بين الأبيض والأسود، ومع تحولات تلك الصورة المصرية وتمزقاتها على أرض الواقع، انتقلت انعكاسات العطب والخلل بطبيعة الحال إلى الفنون المعبرة عن قلب مصر ونبضها.

إن الشعبيات التي فرضت نفسها على الساحة منذ سبعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا، وإن كانت تستند إلى صفات وسلوكيات "الشارع" بضوضائه وعشوائيته، فإنها تشترك في إهدار العمق الحضاري والموروث التاريخي للشخصية المصرية ومقوماتها الإيجابية، على أنه من الظلم وضيق الرؤية النظر إلى الأمر بوصفه انحدارًا فنيًّا فقط، فما وصلت إليه الأغنية الشعبية هو ببساطة وجه من وجوه ضياع مصر الشعبية ذاتها وفقدان البوصلة الهادية.

لم تكن أغنية "آه لو لعبت يا زهر"، لأحمد شيبة على سبيل المثال، لتحقق عشرات الملايين من المشاهدات بعد بثها بشهور قليلة في "يوتيوب"، لولا أنها تجسد بالفعل بعض الجوانب والمظاهر التي باتت في نسيج الشخصية المصرية في هذه المرحلة، وهي أعراض مَرَضيّة يصعب وصفها بأنها طارئة، فثمة تغيير حقيقي في نسيج مصر الشعبية وأهلها.

لقد تجردت الشخصية المصرية الشعبية من قيمها المثلى على نحو تدريجي، وبدأت في اكتساب ملامح أخرى انتفاعية واستهلاكية أفقدتها خصوصيتها وفرادتها وبصماتها المميزة، ومن أبرز هذه التحولات والسمات السلبية ما ترصده الباحثة الاجتماعية عزة عزت في كتابها "التحولات في الشخصية المصرية"، إذ ترى أن المادية والاستبياع والتنطع و"الفهلوة" صفات مكتسبة جديدة، الأمر الذي قاد إلى تبرير الفساد والفوضى والعشوائية وصور "البلطجة" المختلفة، بالإضافة إلى الرغبة في كسب المال (من الهواء) بلا جهد حقيقي أو إتقان في الأداء. ومثل هذه الصفات تتجلى بوضوح في أغنية "آه لو لعبت يا زهر".

ذكرى محرم فؤاد، احتفالية وسّعت دائرة الوجع خارج الإطار الفني، لتشمل مجتمعًا كاملًا يعاني ويلات فقدان الذات في حاضر كابوسي، والتحسر الذي لا طائل من ورائه على ماضٍ منفلت.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021