تعددية محمد شحرور المتعثرة

محمد حجيري

الثلاثاء 24/12/2019
لسبب ما، شعرت، وأنا أقرأ بعض مقابلات المفكّر السوري الاصلاحي الراحل، محمد شحرور وأجزاء من كتبه ومقالاته كأني أدور، مرات في حلقة مفرغة، ومرات أدخل في متاهة بلا أفق... مقاربات شحرور تتضمن كماً هائلاً من "الاسقاطات اللغوية" في إطار قراءة النص الديني الاسلامي، انتجتْ كماً هائلاً من ردود الفعل... عشرات الكتب ومئات المقالات العابقة بلغة الاتهام، فرغم جموح شحرور في إعلان إسلامه، هناك من يتهمه بالزندقة والصهيونية والشيوعية والماركسية... هناك جموح لدى البعض في مدح "عقلانية" شحرور وخطابه، وهناك جموح مضاعف عشرات المرات في اتهامه بالتحريف، لدى الكثيرين من جوقة الجماعات الدينية النيّة في تكفيره وعدم تقبّله واقصائه، وهو الذي اشتغل وعمل بشكل خاص من أجل اخراج الاسلام من نمطية احادية التفكير نحو التعددية... لكن هل وفق بذلك؟ هل أصاب في ذلك؟ قد يمدح المرء هذا التوجه، لكن الواقع النصي غير ذلك تماماً... يعتبر شحرور القرآن تعددياً، والقاصي والداني يعرف أن فكرة الله في الديانات التوحيدية الكبرى تدور حول إله اقصائي لا يقبل إلهاً سواه، وهذه الفكرة الاقصائية بحسب المفكّر الإيراني داريوش شايغان "كانت نقطة انطلاق جميع الحروب الدينية التي اندلعت من أجل مجد الله الأعظم"(الهوية والوجود - العقلانية التنويرية والموروث الديني - دار الساقي)..

دوامة الفراغ التي انتابتني خلال قراءة نصوص شحرور، هي نفسها كنت شعرت بها يوم قرأت الليبي الصادق النيهوم في التسعينيات من القرن الماضي، كنت أمام عناوين صاخبة، يسعى صاحبها بشكل جامح لتحطيم موروثات مألوفة لكن بطريقة "المفرقعات الثقافية"، ربما هي تزعزع جانباً من ذهنية المؤمن التقليدي، لكن بالتأكيد لا تعني كثيراً للباحث العلمي... الأمر الآخر أن شحرور ذكرني بالماركسيين والشيوعيين الذين يريدون تغيير العالم من خلال الجلوس في المقاهي والأروقة، واذا ما كنا نسألهم عن أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي يقولون المشكلة في التطبيق وليس في النظرية... وحال محمد شحرور أنه اعتبر في مقابلة تلفزيونية أن "أزمة الإسلام الحقيقية بدأت "في القرن الثاني والثالث الهجري عندما استقر الحكم للعباسيين وأصبحت الدولة قوية جداً، مرجعية الدولة كانت هي شخصية النبي محمد، العرب الانجيل كان السيرة الذاتية للمسيح وبالتالي تم كتابة السيرة البنيوية، فصار النبي محمد مركز الدين الإسلامي وليس المصحف". ولا يتردد في القول إن "الإسلام الحالي صناعة أموية عباسية والدين ليس أداة للإستبداد" ومشروعه الإصلاحي يقوم على فكرة "أن مشاكل العالم الإسلامي لا تكمن في الإسلام وإنما في أساليب التأويل والتطبيق السائدة"...

برغم شغفي في البحث عن الدراسات القرآنية والتراثية والاسلامية، لم أجد جاذباً في كتب محمد شحرور، سواء كتابه الأساس "الكتاب والقرآن" أو كتبه الاخرى، التي هي أقرب إلى هوامش عليه، وأحياناً وجدت استنتاجاته "صادمة" ليس بسبب جرأتها أو عقلانيتها كما يخيّل للبعض، بل لأنه يقدّم اسقاطات من دون أي منهجية جديّة. يحق لشحرور أن يقتنع بأن الدين عقبة أمام التقدّم، وأنه من الضروري تغيير قناعات المؤمنين كي يحصل التقدّم، ويحق أن يصف الدين بـــ"الفكر الأحادي" وينتقده، في اطار ابداء الرأي وحرية التعبير... ويحق له استعمال أدوات اللسانيات في الدراسات القرآنية، لكن محنته أنه غير ضليع أو مختص باللسانيات الحديثة كما يجب، قال الأكاديمي في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية عبد الرحمن الحاج "للأسف لا يتمتع شحرور لا بالمعرفة اللسانية اللازمة للقيام بتأويل جديد أو قراءة معاصرة للقرآن ولا هو يملك المعرفة التراثية التي تسمح بأن يكون نقده للتراث محل احترام وتقدير الباحثين المتخصصين". ليس لدى شحرور منهجية علمية دقيقة، لكن لديه قدرة على إثارة الجدل وردود الفعل، فعلى مدار ثلاثين عاماً الماضية خاض عشرات المناظرات مع أعتى رجال الدين خاصة في الأزهر، بسبب أفكاره وتفسيراته "الغريبة" لبعض سور القرآن خاصة ما يتعلق منها بفقه المرأة... ويؤخذ عليه قوله القرآن كمصدر وحيد للدين وإنكار السنّة المحفوظة ونفي كونها وحياً. ويعتبر القرآن "هو المركز"، وما يقوله محمد "ينبغي أن نأخذه كوثائق تاريخية ولكنها غير ملزمة لأحد". يسعى الى الفصل بين النص المقدس أو القرآن المركز وبين المؤسس محمد، والمؤسسة الاسلام المحمدي، صار فيه النبي محمد والصحابة "مركزاً للإسلام مثلما أصبح المسيح وحواريّوه مركز المسيحية، ومن ثم أضيفت المعجزات واعتبرت حياة الرسول والصحابة مصدراً يقاس عليه في ممارسة الحياة التي تحوّلت هي الأخرى إلى مكوّن من مكوّنات الدين، ومن ثم يراد تعميمها في الزمان والمكان". لا إدري إن كان يمكننا الفصل بين القرآن ومحمد، أو بين القرآن وزمانه، وإن كانت حياة النبي وأحاديثه فيهم الكثير من القيل والقال والتأويلات... ولا أدري إن كان بإمكاننا تفسير الآيات القرآنية بمعزل عن أي سياق أو نصّ آخر، وكأنها نزلت للتوّ، وذلك من خلال العودة إلى الجذر اللغوي لكل لفظ ثم انتقاء معنى من المعاني العديدة التي تعود إلى هذا الجذر، ولا أدرى ان كان هذا الفعل قراءة معاصرة فعلاً. الارجح أنه محاولة لـ"ديانة جديدة" كما ذكر احد الفقهاء، ديانة في الديانة، تؤمن بحركية محتوى النص القرآني. بمعنى آخر يقف شحرور على ارض الدين، يسعى الى إيجاد الحاجات المعاصرة للدين من خلال ايجاد معنى آخر للنص الديني... وفي كتبه ومقابلاته محاولة حثيثة من داخل النص لتأويله بقول مغاير، محاولات دؤوبة للعب على وتر الكلمات ومعانيها والبحث عن معنى اخر لها غير المتداول، هو سعي مصلح ديني للبحث عن ثغرة أو ثغرات، تأخذ الدين نحو التعددية والانفتاح والتفكير، على عكس التنظيمات المتطرفة والايديولوجية التي تختار العبارة التي تلبي جموحها في الأحادية والعنف والالغاء. الجانب الايجابي من أفكار شحرور هو كسر الاقفال والسعى لاستنباط أشياء جديدة من فكر(اسلامي)، يصفه داريوش شايغان بأنه "حبيس ذاته، لا هو بالفكر بالجدلي، كونه يفتقر الى نقيض، ولا هو بالتاريخي على اعتبار أنه مُجمّد زمانياً، ولا هو بالنقدي، ما دام يعمل انطلاقاً من مقولات مسبقة لا تتطلب أي برهنة من اي نوع كان"...
 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020