عبد الباسط الساروت.. فارس من هذا الزمن

محمد حجيري

السبت 08/06/2019
قليلة الأسماء التي تشارك في الثورات او الاحتجاجات وتبقى على "مثاليتها" أو أيقونتها، فمسار الأحداث والوقائع، كثيراً ما يقلب صور الأشخاص وتموضعهم ويبدل في نظرة إلناس اليهم، أو يجعلهم الزمن في غياهب النسيان، أو يدخلهم في بوابة "الخلود" ووهمه.

وفي الثورة السورية، بقى الطفل حمزة الخطيب أيقونة، وكذلك المغني ابراهيم القاشوش، والسينمائي باسل شحادة، والمغيبة رزان زيتونة ورفاقها، والأب باولو، والناشطين الإعلاميَين رائد الفارس وحمود جنيد في كفرنبل، والآن عبد الباسط الساروت، وهو الشخصية المحبوبة والمثيرة للجدل التي صنفت في خانة "البطل الشعبي"... يعرّف شوقي ضيف، البطولة، بأنها في اللغة الغلبة على الأقران، وهي غلبة يرتفع بها البطل عمن حوله من الناس العاديين ارتفاعاً يملأ نفوسهم له إجلالاً وإكباراً، وهذا التعبير أخذ حيزاً في التعليقات على مقتل الساروت في ساحة المواجهة مع نظام الاسد.

يقول مالك الداغستاني وهو من المقربين من الساروت: "لم يكن تحوّل الساروت إلى بطلٍ شعبيٍّ أو أسطورةٍ من نتاجات المخيلة الشعبية التي تضفي على أبطالها صفاتٍ خارقةً فوق بشريةٍ غير موجودةٍ فيهم أصلاً. لم يقسر اسم الساروت المخيلةَ الشعبية السورية على ابتكار الحكايا المتخيلة عنه. لكنه، وببساطةٍ غير متوقعةٍ من شابٍّ في عمره، قدَّم من صفاته وسلوكه للأسطورة كلّ عناصرها لتتكامل بصفتها أسطورة. ظهر الساروت بوجهه المكشوف حين كانت الأكثرية تخفي هوياتها. تواجد في كلّ الأماكن الخطرة التي لم يتخيل أحدٌ يومها ظهوره فيها. غنّى في بابا عمرو حين كان الحيّ محاصراً. دخل إلى حمص المحاصرة حين كان الآخرون يفكرون ويبحثون عن طريقةٍ لمغادرتها. وفي حصار المدينة أكل كغيره أوراق الشجر والزيتون المرّ. وعندما غادرها راح يعمل وأصدقاءه بقطاف الزيتون كي يؤمّنوا كفاف يومهم. وكان، في كلّ لحظةٍ في الثورة وحتى اليوم، يجاور الموت ولا يهابه. بل، وفي الكثير من المواقف، كان يتجرّأ عليه ويتحارَشُه بشجاعةٍ غير مألوفة".

ويقول الشاعر إسلام أبو شكير "يمثل الساروت نموذجاً خاصّاً قد يكون الأصدق بين جميع النماذج التي عرفتها الثورة السورية.. نموذج الشابّ البسيط الذي انخرط في الثورة بدافع من إحساسه الفطري والطبيعي بحقه في ان يعيش بكرامة، وحسب.. لا يملك رؤية، ولا نظرية.. لا يعمل وفق حسابات الساسة والمؤدلجين واصحاب المشاريع.. يصبح جزءاً منهم أحياناً، ولكن لأن الخيارات امامه معدومة، ثم إنها جريمة هؤلاء لا جريمته هو.. الساروت هو نفسه البطل الشعبي الذي فتن ارواحنا عبر التاريخ بشبابه وفتوته ونبله وغيريته، والأهم بمنبته الذي ينتمي إليه معظمنا".


البطولة الشعبية نجدها جلية في سيرة الساروت، بل هو يمتلك اكثر من بطولة واحدة، ولد العام 1992 من عائلة هاجرت من الجولان واستقرت في حي البياضة بمدينة حمص، كان يُعد ثاني أفضل حارس مرمى في قارة آسيا، وحارس المرمى الأساسي في منتخب سوريا للشباب وحارس نادي الكرامة. كان طريقه ممهدًا ليكون حارس المنتخب الأول والاحتراف في نادي أوروبي، لكنه قرر التخلي عن مجد الكرة في مقابل الوقوف في مواجهة جيش الاسد دفاعاً عن مدينته وحيّه، وعدا عن كونه رياضيا محترفاً، أعاد اكتشاف موهبة اخرى لديه خلال مشاركته في التظاهرات والاحتجاجات الاسبوعية وهي الهتاف تأليف الأغاني وغنائها. ويمكن لمس هذه الموهبة عن الاستماع لأنشودة "جنة جنة جنة يا وطنّا" بصوته، فلقب بـ"بلبل الثورة ومنشدها" عدا عن لقبه حارس الثورة. حين برز اسمه وأصبح السوريون وغير السوريين يرددون هتافاته وأناشيده، وقبل أن يعلنه النظام السوري كمطلوب ومطارد، سارع الاتحاد الرياضي العام في سورية إلى فصله ومنعه من اللعب مدى الحياة، وكان تعليقه الساخر على ذلك: "ضحينا بحياتنا والناس تموت وهم يسألون عن الاتحاد الرياضي... هل يضمنون أنفسهم واتحادهم الرياضي؟".

وفي مطلع تموز (يوليو) 2011، اتهم النظام الساروت بإنشاء إمارة سلفية في حمص بدعم من خليجيين. لم يستطع الساروت في البداية أن يلتقي بوسائل إعلامية ليوضح الأمر ويدافع عن نفسه، فأصدر بياناً في فيديو نشره في موقع "شام" في "فايسبوك" نفى فيه هذا الإتهام. في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2011 تعرض لمحاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة وأصيب في ساقه بطلقات عديدة، وظهر في تسجيل وهو يعاود الذهاب إلى المظاهرة وساقه لم تتعاف بعد. وعلى أنغام فيروز في فيلم وثائقي لقناة "أورينت"، تهتف الجموع "سلامات عبد الباسط سلامات" وهو محمول مرة أخرى على الأكتاف لقيادة المظاهرة، والأرجح أن النظام الأسدي كان يخاف المنشدين أكثر من الرصاص، فهو اقتلع حنجرة ابراهيم القاشوش، ولم يتردد في رصد مكافأة مقدارها مليوني ليرة سورية لمن يساعد في القبض على الساروت، وحاول اغتياله اكثر من مرة... وبالتوازي مع محاولات النظام لجم صوت الساروت المدوي، كان النظام يبيد المواطنين بدءاً من مجزرة الخالدية في فبراير/ شباط 2012 والتي أسفرت عن أكثر من 300 قتيل وحملة بابا عمرو وغيرها. كان لا بد حمل السلاح للمواجهة والدفاع عن النفس، مع التذكير بأن النظام الأسدي، كان هدفه منذ البداية عسكرة الثورة ولاحقاً أسلمتها. 
لم يكن الساروت قبل الثورة السورية جندياً أو مقاتلاً، لكن الواقع يغير مسار الامور، يجعل عاشق كرة القدم من حملة البندقية، فالشاب الذي كان حارس مرمى سرعان ما أسس كتيبة "شهداء البياضة" مع إخوانه من الحي نفسه لحماية المدينة. وخلال المواجهات قتل ثلاثة من أخواله، وأربعة من إخوته: وليد الذي قتل في الخالدية العام 2011، محمد الذي قتل أوائل العام 2013، وأحمد وعبدالله اللذان قتلا في 9 كانون الثاني 2014 في حادثة المطاحن. فقد حاول الساروت مع كتيبته فك حصار حمص من الداخل وعبروا إلى منطقة المطاحن التي كانت تسيطر عليها قوات النظام ليجلبوا الطحين للمحاصرين، وقتل أكثر من 40 فرداً منهم، من بينهم إخوته.

هكذا بدأ الساروت يقاتل بالكلمة والرصاص والمعنى، يوم خروجه من حمص المحاصرة في الثامن من أيار (مايو) 2014 قال الساروت: "إذا بقينا نتبع الأتباع والأنصار والكتائب والأسماء والمسميات والجبهة والدولة مطولين كتير". وبعد خروجه مع بقية المقاتلين من مدينة حمص إلى ريفها، وفق اتفاق فك الحصار الذي وقع بين المقاتلين والنظام السوري، تواردت أنباء عن بيعته لـ"داعش"، وقد نشر فيديو على مواقع التوصل الإجتماعي قال فيه: "نحن كتيبة شهداء البياضة لا ننتمي لأي فصيل ولا ننتمي لأي مجلس ولا ننتمي للإئتلاف ولا ننتمي لأي تنظيم ولا ننتمي لأحد. هدف هذا التشكيل مقاتلة النظام حتى آخر قطرة دم". وصعد نجمه وبات موضع اهتمام التعليقات وحتى المخرجين، صور المخرج طلال ديركي فليما عنه بعنوان "العودة إلى حمص" عالج تطور الأزمة التي بدأت باحتجاجات سلمية مناهضة للنظام منتصف شهر مارس/ آذار 2011، التي تحولت بعد أشهر إلى نزاع دامٍ أودى بحياة مئات الآلاف من المواطنين. استعمل المخرج الأسلوب الروائي ليوثق قصة الساروت الرياضي الثوري الذي تخلى عن الحراك السلمي وحمل السلاح، كالآلاف غيره ضد الجيش السوري. (كما يعرض الفيلم شخصية أخرى وهو الطالب الجامعي الساخر أسامة الهبالي).


ولم يكن الساروت هدفاً للنظام فحسب، في الثالث من تشرين الثاني 2015، هاجمت "جبهة النصرة" مجموعة من عناصر الساروت بهدف اعتقالهم، فرفضوا تسليم أنفسهم واندلعت على أثر ذلك اشتباكات تطورت إلى هجوم الجبهة وفصائل أخرى على مقرات "كتيبة شهداء البياضة" ومقتل وأسر عدد من أفرادها. واستطاع الساروت الهرب إلى أرياف حمص والنجاة مع من تبقى حياً من أفراد كتيبته. في العام 2016 شارك الساروت في تظاهرات انطلقت في محافظة إدلب السورية، وطالب بتوحيد فصائل المعارضة السورية المسلحة، وكان من المنددين بتهجير النظام السوري للمدنيين من مدينة حلب. في العام 2017 اعتقلت "هيئة تحرير الشام" الساروت ثم اخلت سبيله، على خلفية قضايا تتعلق باقتتال سابق. العام 2018 ظهر الساروت، في تسجيل مصور، خلال معارك المعارضة جنوبي إدلب. وسرعان ما انضم فصيله إلى فصيل "جيش العزة". وكان أصيب في يده وتعرض لمحاولة اغتيال في شباط الماضي اثناء تواجده في معرة النعمان. بمعنى آخر كان الساروت على علاقة تراجيدية مع الموت، بين اكثر من اصابة، وأكثر من محاولة اغتيال، واكثر من حصار، ومن عائلة أبيدت، ومن مدينة ازيلت معظم معالمها، ومن مجتمع هجر بغالبيته.

وبعد كرة القدم والهتاف والأناشيد والحصارات ومحاولات الاغتيال، قتل بلبل الثورة في معارك شمال سوريا. كتب عدي الزعبي "حتى نارك جنة"، لطالما ردد عبد الباسط هذه الجملة، حتى ارتبطت به، كأن البلد بأكملها جحيم الآخرة، جحيم لم يتركه الشاب النجم الأيقونة، بعدما تركه ملايين السوريين، بحثاً عن حياة آمنة". وكتب مالك الداغستاني أيضاً "فرِح باسط(عبد الباسط الساروت) بصدور أغنيته الجديدة، وطلب من صديقه فراس الرحيم كاتب الكلمات كتابة قصيدة جديدة. اليوم أخبرني فراس أنه أنهى فعلاً كتابة القصيدة، واليوم أخبرتنا السماء أن الساروت قد مضى إليها.(...) حين اتفقنا على تسجيل الأغنية. رفض أن يغادر الجبهة وتم تسجيلها بواسطة الموبايل في الخندق".

باختصار، تظاهر الساروت وأنشد وقاتل وأصيب وكان آخر المغادرين من حمص، لم يلجأ للسكن في الفنادق، ولم يختر الهجرة الى أوروبا، ولم يصبح مليونيراً، برغم المصاب الذي حل بإخوته وعائلته، بقي في ساحات القتال منشدا وحاملاً البندقية في آن معاً، وهذا مشهد نادر...
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019