حشيش في مارسيليا.. فالتر بنيامين تحت التخدير

أيوب المزين

الأحد 29/04/2018

"لن يجيء المسيح إلاّ حينما لن يتبقى من داع لمجيئه،
لن يجيء إلاّ يوما بعد مجيئه، لن يجيء في اليوم الأخير،
وإنما في اليوم الأخير تماما
".
                                      ف. كافكا "تحضيرات زفاف في الريف"

ينتمي فالتر بنيامين (1892-1940)، المفكر والناقد الألماني، إلى جيل من المثقفين اليهود الذين طبعوا النصف الأول من القرن العشرين، متأرجحين في فهمهم للمحددات الوجودية والظواهر الثقافية بين مسيحانية توراتية بقي التراث الديني الذي ينتمون إليه يغذيها في مخيلتهم ونقاشاتهم، ومادية ماركسية أشعلت السجالات السياسية والإيديولوجية بين الحربين، مقبلين في الآن نفسه على نقد جذري لشتى أشكال التفكير اللاهوتي والفلسفي التي تُقصي ثمالة الأشكال من عملية صياغة التصورات والأطروحات المعرفية والجمالية، فـ"كثيرا ما تنسى الفلسفة أن قبل التفكير هناك الرؤية، وقبل الأفكار الواضحة والمستقرة توجد صور تلمع وتُفكّر". إنّ تجربة بنيامين مع المخدر، الممتدة بين عامي 1927 و1934، لم تكن منقطعة عن سعيه لتدشين حداثة منفصلة عن التراث، تتقوى به دون أن تكونه، حداثة جعلته يهاجر بعيدا عن برلين، متنقلا بين حواضر أوروبا وأريافها، مخلصا للصداقة والفن، مؤمنا بتحقق الخلاص في التقدم، باحثاً عن صراط واثق للسير.

يؤكد بنيامين على أن سبيل السعادة يوجد بين الأمل والذكرى، ويبدأ بالغوص في معرفة الذات دون خوف، وطريق معرفة الذات هذه وعرة ومتشعبة، فالحق يتعدد بتعدد السالكين كما نقول. إنّ سكرة بنيامين كانت عبارة عن سكرات مستمرة ومتنوعة، بدأت باكتشاف التراث ثم التحالف مع السورياليين، ولم تنته بالتسكع في باريس ولا بتدخين الأفيون وبلع الحشيش في باريس ومارسيليا وإبيزا. يقول بنيامين بعد ليلة من التخدير: "لقد تشكل لي جِوارُ الموت البارحة في هذه الجملة: يوجد الموت بيني وبين ثمالتي". هكذا لخص بنيامين رحلة من صعود مُضنٍ نحو الحتف المحتوم. فما الذي رآه خلال عبوره جبال البرانس هاربا من النازية؟ على ماذا تنطوي هذه الهالة البنيامينية الأصيلة في سيرورتها الجمالية؟ وهل كان تعاطي المخدر هو التجربة الفعلية لعلمنة إشارات الكابالا والمنامات وتحويلها إلى مشاهدة حقة لمفاتن الوجود الخفية في الحلم وحين الموت؟

يهوه داخل الحقل

ما هو، ها هو، ذا هو، إلخ. إنه يهوي، هويانَ الرّعد والحِمم، وتوحيدُه. كم يكفي من النداء والنعت والشّكل للإمساك به، لاستدعائه في الغياب الصّعب والنظر إلى وجهه المحجوب على المرآة المستحيلة. فلا يُنذِر برفع الحجاب غير مجيء يأجوج ومأجوج، ولا يُعرَف الحق حتى يُكشف عن الساق. عكسَ جيرشوم شوليم (1897-1982)، أعتقُ أصحابه ومناظره العزيز، لم يتلق بنيامين أي توجيه يهودي خلال تنشئته، وذلك ما يجزمه هو نفسه في طفولة برلينية، ويسطّر عليه شوليم بالقول: "عندما التقيته، كان مثاله هو هولدرلن". أي أن بنيامين كان منغمساً في الرومنسية الألمانية، مهووسا بستائر الآلهة وإيابها في الشعر. وإنّ له عندنا لزلفى وحُسن مآب. لكن اللقاء مع شوليم سيصالح بنيامين جزئياً مع أمة مشردة كان يجهل إلهها ولغتها، وسيفتحه زيادة على مادية ديالكتيكية عارية. يتذكّر شوليم: "كانت لنا بعد الحرب، بنيامين وأنا، محاورات متعددة عن اليهودية والعرفان اليهودي". لم يتحاور شوليم وبنيامين بخصوص الشؤون اليهودية فحسب، وإنما كانا مأسورين بالحديث عن الفنون والعلوم، من أدب كافكا والتكعيبية وحتى الرياضيات والفيزياء.


لقد استشعر بنيامين في المخلوق المجنح الذي تجسده لوحة الملاك الجديد لبول كلي محاولة للفرار من شيء ما: من فقره الحالي، من الحقد المتصاعد ضد اليهود، من عبء الخلاص، ومن الخلاص نفسه. كان يرى في ذلك الملاك راحته المؤجلة التي عجزت الثيولوجيا عن التعجيل بها، ولعله كان يسمع صدى كلام كلي نفسه وهو ينظر إلى اللوحة: "هنا، تحت، لست مُدرَكا البتة لأنني أسكن بين الموتى مثلما أسكن بين أولئك الذين لم يولدوا بعد". عام 1921، اقتنى بنيامين لوحة بول كلي، وبقي الملاك واللوحة يلاحقانه حتى سنواته الأخيرة، ولم تنته صداقة بنيامين وشوليم مع رحيل كل واحد منهما إلى موضع: جيرشوم في القدس وفالتر في باريس. فقد اختار شوليم دراسة العرفان والانحياز للصهيونية، فيما فضّل بنيامين رفقة السورياليين وتيه المشائين الزاهدين. يقول شوليم: "كان لدى بنيامين تفانٍ روحيٍ مثلما هو الحال مع أديب محمول نحو عالم آخر بحثاً عن كتابته. مسيحانية وغوث". ذا هو، ها هو، ما هو، إلخ. إنه يهوه يجرح الأرض، يلتقط الزهرة، ويدخل الحقل ليزرع الآتي.

المدينة والعُشبة

لا تنفصل تجربة التخدير التي أقدم عليها بنيامين عن مفهومي الهالة والتسكع لديه، ولا عن الأزمات السياسية التي عاصرها، فقد كان إقباله المضبوط على المخدر نوعا من التحقيق النفسي الواعي لما اكتشفه في "فراديس" بودلير قراءة، ولما وقف عليه فعليا في منفاه الباريسي، داخل فضاء مديني ضاج بالأسواق والمنتجات والمغامرات، في عاصمة أوروبا للقرن التاسع عشر، كما سمّاها. يكتب بنيامين في أحد بروتوكولاته عن تجربته تحت التخدير: "... إنّ ما يحدّد الهالة الأصيلة هو الزخرفة، إدغام زخرفي في الحلقة التي يوجد داخلها الشيء أو الكائن محصورين بشدة كما في مِحبس. لا شيء يعطي عن الهالة فكرة دقيقة أكثر من لوحات فان غوخ، حيث رُسمت الهالة والموضوع في الوقت نفسه...". ثمة توتر دائم لدى بنيامين بين التصور المتراص المنظم والرؤية الزخرفية الثملة، أي النظام وبلبلته، بين البنية والتفصيل: التاريخ وأزماته، الوعي وتشتته، اللوحة والإطار، المدينة والسكن، الثقافة وتفرعاتها، إلخ.

ويستحيل القبض على هذا التوتر إلا بتعقب تجليات الهالة أثناء تجربة التخدير، فالهالة ترجع متى ما انمحت المصلحة التي تطمح الرأسمالية لتقعيدها في المعاملات لخنق يوتوبيا الأحلام وقداسة الوجود. ومتى ما استقرت الغرابة السكرى، تستعيد الهالة سلطتها الجوانية على العالم والأشياء، وذلك دون أن يتم التفكير فيها، كما يقول، باعتبارها الهالة السحرية والروحانية المنزّهة التي تتناقلها وتصفها الكتب الصوفية الدّارجة.

في حشيش في مارسيليا، وهو الكتاب الصادر في طبعة فرنسية مستقلة عن البروتوكولات، مرفقا برسومات لخوليو سيلفا، يحكي بنيامين قصة شخص هائم على وجهه في المدينة تحت وقع التخدير. ذلك الشخص ليس سوى بنيامين ذاته. نقرأ في تصدير الكتاب: "إنّ واحدة من أولى تمظهرات الحشيش تكمن في الاستشعار الأصمّ والمستبدّ بأنّ شيئاً غريباً ومحتوماً يقترب. تنكشف صور ومتتاليات صور، وذكريات مطمورة منذ زمن. مشاهد ووضعيات كاملة تصبح حاضرة في الذهن. تُحدث في البداية اهتماما، وتثير أحيانا الفرحة. في النهاية، إذا لم نستطع التخلص منها، فإنها تجلب معها التعب والابتئاس. (...) يشركنا المخدر في كل هذه الانطباعات بصيغة كثيرا ما تبتعد، في غالب الوقت، عن العادة. تصبح العلائق صعبة بسبب هذه القطائع المباغتة التي تمحو الذكرى السابقة". تعقّد هذه الفقرة مجددا ما يسميه بنيامين "تجربة الهوية"، وهي في هذه الحالة مغامرة فرد يمشي سكران، بلا قناع، وسط انضباط الحشد. الهالة إذن، إذا أحببنا تعريفها، هي رجوع الملاك الجديد من شبحيته اللاهوتية وانتصاره على المستقبل الخائب. بالنسبة إلى الكاتب المسرحي والشاعر برتولت بريشت، في مناقشة مع بنيامين حول كيفية السكن في العالم، فإن كافكا قد رأى ما سيأتي لكنه لم ير ما هو موجود. كان بريشت دائم الامتعاض من إحالة بنيامين على مسيحانية التراث اليهودي، لكن بنيامين بقي يفهم الهالة والسكن كفعل ثوري آت من حاضر استرجاعيّ.  


موت في بوربو - عندما كان بنيامين يعبر جبال البرانس، مسترجعا ذكريات طفولته البعيدة، فارا من فرنسا إلى إسبانيا، كانت الكوابيس تلاحق صديقا آخر له. كان ثيودورآدورنو خلف المحيط، حيث استقر برفقة زوجته غريتيل في أميركا، يحلم بالموت اختناقا بالغاز. أسابيع بعد كابوس تيودور آدورنو، تناول بنيامين جرعة قاتلة من المورفين على الحدود الفرنسية الإسبانية، خوفاً من الوقوع في يد حكومة فيشي أو الغيستابو. صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر 1940، بعدما راجت شائعة تطبيق قانون يمنع العابرين من اجتياز التخوم، وُجد رجل في نهاية عقده الرابع ميتا في اتجاه الجنوب. الدب البرليني، الطفل فالتر الحالم بنيويورك.أحصت محاضر الدرك الإسباني أشياءه كالآتي: منديل، ساعة رجالية، غليون، ست صور، وأوراق مجهولة المحتوى. من بين تلك الأوراق، كانت رسالته الأخيرة بالفرنسية: "في وضعية بلا مخرج، ليس لي من اختيار سوى التخلص منها. هكذا ستنقضي حياتي في قرية صغيرة بجبال البرانس حيث لا يعرفني أحد". عاد الملاك إلى سمائه وحيدا، ثملا بتحليقه المنفرد، مبعدا عن يهوه ومملكته الأرضية. فحيثما كان الإله سلفا يبقى الشجن، يخبرنا صديق الرّاحل.

(*) صدرت الطبعة العربية لكتاب "عن الحشيش" لفالتر بنيامين، عن دار نشر "الكتب خان" في القاهرة، بترجمة سماح جعفر.

(**)«طفولة برلينية في مطلع القرن العشرين» لفالتر بنيامين ونقله إلى العربية المترجم المصري أحمد فاروق.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2018