جوديث كير: من هو النمر في قصص الأطفال؟

شادي لويس

الأحد 02/06/2019
"موج كانت متعبة، كانت ميتة من التعب، رأسها كان ميتاً من التعب، مخالبها كانت ميتة من التعب، حتى ذيلها كان ميتاً من التعب. وقالت موج: "أريد أن أنام إلى الأبد"، وهذا ما فعلته. لكن جزءاً صغيراً منها بقي مستيقظاً ليرى ما سيحدث بعد ذلك".
(مع السلامة يا موج)


في العام 2004، وفي سن الثمانين، أعلنت الكاتبة والرسامة البريطانية ألمانية الأصل، جوديث كير، في تلك الفقرة، عن ختام سلسلة كتبها المصورة للأطفال عن القطة "موج". كان عليها أن تتهيأ للموت، في مثل هذا السن، هذا ما قالته، ساعتها، حين صدر الكتاب السادس عشر من السلسلة، بعنوان "مع السلامة يا موج". لكن السلسلة التي بدأت في العام 1970، لم تتوقف حينها كما كان متوقعا، ولم يأت الموت سريعا لكاتبتها كما كانت تظن. ففي العام 2015، نشرت كتاباً أضافياً وأخيراً، بعنوان "كارثة موج في الكريسماس"، وعاشت كير خمس عشرة سنة أخرى، بعد الثمانين، حتى رحلت الأسبوع الماضي.


لم يكن الموت تيمة استثنائية في كتابات كير، فلطالما سعت لاستكشاف المناطق المظلمة التي يتهيب البالغون الحديث عنها أمام الصغار، وحولتها إلى قصص ما قبل النوم، تجلب أحلاماً مطمئنة. غادر والدا كير برلين هرباً من النازيين في العام 1933، ووصل أفراد الأسرة كلاجئين إلى لندن، وهي في سن التاسعة. وكانت تقول إنها محظوظة لأنها لم تنته في واحد من أفران للغاز، هكذا لعبت ضربات الحظ الحسن والسيئ دوراً رئيساً في أعمالها كما في حياتها.

حاول والدا كير أن يصورا لها أن الانتقال إلى لندن كان مغامرة، لكن الحياة في الحقيقة لم تكن سهلة في بلدها المضيف الجديد. وبالرغم من التظاهر لم تستطع الأسرة أن تخفي عن أطفالها المعاناة. فالوالد، الذي كان ناقداً مسرحياً شهيراً في بلده، وجد حياة اللاجئ في بلد لا يتكلم لغته أقسى مما يحتمل، وعانت والدتها من اكتئاب شديد دفعها لمحاولة الانتحار أكثر من مرة. ومن وسط هذا الخبرات والذكريات، كتبت هي عملها الروائي الأول، " كيف سرق هتلر الأرنب الوردي" في عام 1971، لتفتتح ثلاثية للأطفال عن الرعب النازي، حملت اسم " الخروج من زمن هتلر". واستكملت في "قنابل على العمة دينتي" (1975)، و"شخص صغير بعيدا" (1978)، ما بدأته، أي أن تخبر أطفالها عن الحياة التي عاشتها، عن الحرب واللجوء وغيرها من الأشياء القاسية. لم ترد أن تخفى عن أولادها شيئا، فهي كان لديها ثقة عميقة في الصغار، وفي قدرتهم على فهم الخطر والمأسوي في الحياة.

في عملها الأشهر على الأطلاق، القصة المصورة، "النمر الذي جاء ليشرب الشاي" (1968)، تتفاجأ أسرة الطفلة صوفي بالزائر غير المتوقع، النمر الودود والخطر في الوقت نفسه، ككل شيء آخر يمكن للحياة أن تمثله لطفل. يرحل النمر المثير للفوضى في النهاية، وتنتظر صوفي، وننتظر معها، لكنه لا يعود أبدا. وفي كل مناسبة طرح على كير السؤال عن رمزية النمر، كانت إجابتها واحدة. هل هو الاكتئاب؟ عشيق الأم السري؟ هل يرمز للنازيين؟ لعله الثورة الجنسية في الستينات التي أقلقت الروح المروضة للأسرة؟ وكانت كير ترد: هو مجرد نمر جاء ليشرب الشاي.

لا يرمز النمر لشيء، النمر هو نمر، لا أكثر ولا أقل، ولا تحتاج قصته التي تنتهي بالفقد والغياب، لاي ترميز. لحقت كير أخيراً، بقططها ونمورها، وتركت خلفها إيماناً بسيطاً وقوياً بالقصة في ذاتها، الحكاية بوصفها غاية لا وسيلة لاستخلاص العبر، إيمان بقدرة السرد على جعل الحياة أجمل وأكثر شقاوة، وحقيقة فنائها حاضرة وأكيدة وقابلة للاحتمال.  
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019