في العام ٢٠٢٠ يتقرّر كلّ شيء

أسعد قطّان

الإثنين 06/01/2020
تدخل انتفاضة الأحرار في لبنان العامَ الذي فيه سيتقرّر «كلّ» شيء. إذا كان العام ١٩٢٠ هو الذي رسم حدود لبنان في شكله الحاليّ، فإنّ العام ٢٠٢٠ سيرسم معالم منظومة القيم التي ستسوس هذه البقعة من العالم في السنين القادمة. الأزمة الحاليّة اقتصاديّة طبعاً، ولكنّها اقتصاديّة في ظاهرها فقط، بمعنى أنّ الاقتصاد هو العارض الذي يشير إلى الداء، لا الداء نفسه. في العمق، الأزمة في لبنان سياسيّة، أي إنّها ترتبط بالحوكمة وكيفيّة إدارة الشأن العامّ. ولأنّ السياسة لا تنفصل عن الأخلاق والقيم، فإنّ الأزمة الحاليّة في لبنان هي أزمة قيم بالدرجة الأولى.

طبعاً يقف الناس زرافات أمام المصارف ويعتصمون فيها كي يطالبوا بحقوقهم وأموالهم المنهوبة. هذا هو الوجه الاقتصاديّ للأزمة. ولكن دعونا لبرهة نترك المصارف جانباً ونمعن النظر في ما يجري في الجامعة اللبنانيّة مثلاً: محسوبيّات وسوء إدارة وشهادات مزوّرة وقرارات قضائيّة متعسّفة تنمّ عن مدى ارتهان بعض القضاة للسلطة الفاسدة. إنّ قراءةً لدلالات ما يجري اليوم في الجامعة الوطنيّة تحيلنا إلى تفسّخ منظومة القيم التي كان من المفترض أن تسوس دولة «لبنان الكبير»، التي تأسّست في العام ١٩٢٠.


خذوا مشهداً آخر من مشاهد الثورة اللبنانيّة المجيدة: رجل أمن ينهال بالضرب على امرأة تعتصم مع رفاق ورفيقات لها في مصرف في صيدا فيما هي تهتف به: "بأيّ حقّ بتمدّ إيدك عليّي؟". سلوك رجل الأمن يرتبط بالذهنيّة التي جعلت منه رجل أمن. لقد "تعلّم" أنّ المحافظة على الأمن تتمّ عبر ضرب المواطنين السلميّين. مَن سوّغ للرجل أن يضرب مواطنين يحتجّون سلميّاً، ولا سيّما أنّه يقبض راتبه من ضرائبهم؟ وإذا كان المواطن امرأة، يتضاعف فائض القوّة بسبب العقليّة الذكوريّة التي تتحكّم بمجتمعنا. من قال إنّ فائض القوّة يبدأ عند الميليشيات المسلّحة؟ هو يبدأ عند رجل الأمن الذي تسوّل له نفسه، لأنّه يلبس بدلةً مرقّطةً ويمتشق مسدّساً، أن يضرب مواطناً، وأن يضرب أنثى بالذات في مجتمع يحلّل للذكر كلّ شيء. لقد اعتبر بعضهم أنّ قرار المحكمة الجعفريّة في مصلحة غدير نوّاف الموسويّ الذي استردّت بموجبه ولديها من طليقها أتى بضغط من حزب الله. ربّما يكون الأمر كذلك. ولكنّ القرار صدر في مجتمع يغلي، وفي مجتمع لن تقبل نساؤه بعد اليوم أن يكنّ مواطنات من الدرجة الثانية. وهو قرار فريد من نوعه ولا شكّ، ربّما في العالم العربيّ والإسلاميّ برمّته، لأنّه يفتتح مراجعةً لمنظومة تشريعيّة تظلم النساء بإسم الدين وتعتبرهم دون الرجال. بهذا المعنى، القرار بمثابة دعوة إلى أنسنة التشريع الدينيّ بالاستناد إلى منظومة قيم جديدة تكرّس المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات انطلاقاً من مفهوم المواطنة.


فيما يتموّر لبنان بكلّ هذا، يتشبّث أهل السلطة بمنطق المحاصصة وكأنّهم يعيشون على كوكب آخر. المحاصصة قيمتهم الكبرى، وأمامها تسقط كلّ القيم الأخرى. لا بأس! فمعركة القيم المتصارعة ما تزال في بدايتها. ولكن حتّى هذه البداية التي تُصنع اليوم أمام البرلمان وعلى أبواب المصارف تبدو حبلى بالتغيّرات السراع لمن لم تصبه شهوة السلطة بعمى الألوان. ولعلّ معظم هذه التغيّرات سيحمله إلينا العام الجديد...
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020