فؤاد الخوري... تمرير الزمن واضطراب الأمكنة

جوزيف الحاج

الثلاثاء 28/11/2017
بالتزامن مع عرض إستعادي لأعماله في (Stone Garden Building)- المرفأ، صدر "تمرير الزمن" (عن دار كاف KAPH في 216 صفحة، قياس 24x28 سنتم) من إعداد نور سلامة، منال خضر، وغريغوري بجاقجيان، وتناول أعمال فؤاد خوري المصوّرة في لبنان، منذ العام 1962 حتى اليوم. 

"تمرير الزمن" ليس كتاباً عادياً بل، بحسب معدّيه، هو"تنقيب أركيولوجي في أرشيف مصوّر".

كتبت سلامة: "أعماله أكثر من شهادة، إنها إرث حقيقي مطمور في ذاكرة. بحث استغرق شهوراً، بالتعاون مع فؤاد الخوري. إنه كتاب بمثابة تأمّل، رحلة عبور، ومعركة. وثّق الخوري، بهوس، يومياته، التي هي يومياتنا أيضاً...".


ومنال خضرتساءلت: "ما الذي يحفّز ولداً على التصوير في وقت لم تكن الكاميرا فيه جهازاً شائع الإستخدام؟". وتناولت سيرة المصوّر: الدوافع المبكّرة، عائلته محط تجاربه الأولى، "قبل أن يتكوّن وعيه بالميل إلى التصوير الحميمي... كانت أيضاً ترجمة بصرية لأفكار ومشاعر صبي في طور النضوج، يحاول فهم العالم من حوله، باحثاً عن صوغ انطباعاته وأفكاره الخاصة...". أضافت: "هو ليس مصوّر حروب، بل مصور الحميمية بامتياز. صوره ليست وثائق عن أحداث، بل حكايات تتحدى حدود التوثيق...". وتختم خضر: "الرحلة في أرشيفه بالغة الثراء، صوره تأملات في الحياة...".

وتحت عنوان "التنقيب في آثار فؤاد الخوري الفوتوغرافية"، كتبَ غريغوري بجاقجيان: "أن الخوري في عمله "بيروت، وسط المدينة"، الذي شارك في تصويره مصورين أجانب في خريف 1991، أسّس لمنطلقات تأملية حول المدينة، الذاكرة والتاريخ". وعرض لتطوّر منهجية الممارسة الفوتوغرافية لفؤاد الخوري. استعرض بجاقجيان تساؤلات المؤلفين حول الـ50 ألف صورة التي تكوّن هذا الأرشيف، و"إشكالية اختيار الصور". وعن عمل الخوري "آثار الحرب" كتبَ: "مجموعة وُلدت من حنق عارم لرؤية مدينته وهي تُدمّر وتُسلب منه...". ينتقل إلى سيرة المصور الحياتية والمهنية: "انقطاع عن التصوير بسبب المرض. أزمات الصورة، حلول الرقمي والوسائط الإفتراضية المزعزِعة للمهنة، وموقفه من الألوان ومن الأبيض والأسود. معداته المختصرة، تأثره بهنري كارتييه- بريسون والبحث عن اللحظة الحاسمة، ثم ابتعاده عنها نحو نظرة تأملية مع الفراغ واللانهائي". يحلّل صوره: "في عمله يغيب العنف، يبحث عن الأحاسيس والإنفعالات، عن اللقطة واللقطة المعاكسة. صوره مسكونة بشخصيات تروي قصصاً... وكيف هجر الإنسان صوره (مرحلة "بيروت، وسط المدينة")". ينقل عنه: "أنا محاط بعلامات الإستفهام أبحث عن صور اللاشيء. لا يستطيع المصور ألا يكون مهووساً ومتمرداً، وبريئاً في الوقت ذاته".

أما فؤاد خوري فراجع سيرته في نص ذاتي فريد: بيروت الطفولة بمنازلها وعماراتها الصغيرة المحاطة كلها بالحدائق؛ أول صورة وأول صورة بالألوان- "أمرٌ على قدر من الأهمية" كتَب-؛العائلة، أول حقول التجارب؛ الحلم بالتقاط الجمال؛ تطبيع الضوء؛ بدء اكتشاف العالم؛ السؤال الكبير حول الله والوجود. الحلم بالسفر...


لم ينس الإحباطات: هزيمة 1967؛ أيار 1968 ثورة الطلاب في فرنسا؛ "وودستوك" واستعار الغضب في الداخل "أقمتُ معارض بقدر ما شاركت في تظاهرات وأدركت كم أن الفن عاجز عن مساعدة اللاجئين وتسكين المجاعة". عن إصراره على تصوير وسط بيروت المهدّد بالزوال، كتَب: "كنت وحدي مع كاميرتي متشبثاً بالحفاظ على سلامة ذكرياتي السابقة للحرب. مجابهة النسيان رهان مجنون طرحته على نفسي. هل يمكن إنقاذ الذاكرة من الجرافات؟ كان عليّ طوال 3 سنوات إبراز تصاريح لرجال الأمن المنتشرين. صوّرت في كل أنحاء العالم ولم يسألني أحد يوماً عن تصريح أو هوية. لِمَ أُسألُ عن ذلك في بيروت مدينتي؟".

بعد كل هذه السنوات، يبقى السكون في نظرة فؤاد الخوري الإنسانية، ضاجّاً بغضبه، حاملاً أحاسيسه. هو العين التي تصوّر اضطراب الأمكنة إن غاب الإنسان عنها. صُوره لا تمرّر الزمن بسهولة، إنها تستوقف المُشاهد ولديها الكثير لتقوله عن كل الأزمنة، حتى الحاضر منها.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019