مصيدة الدولار

محمود الزيباوي

الإثنين 30/12/2019
نال كتاب "المصيدة الأميركية" مؤخرا جائزة حقوق الإنسان الأدبية في فرنسا، وتخطّى بذلك ميدان "كتب البزنس" التي ينتمي إليها. في هذا الكتاب، روى المدير التنفيذي السابق لشركة "ألستوم" فردريك پيروتشي تفاصيل الحرب الاقتصادية السرية التي تشنها الولايات المتحدة في أوروبا دون هوادة، وكشف زيف العدالة الأميركية التي يسيطر عليها الدولار، فبات لكل شيء ثمن، وبات كل شيء قابلاً للتفاوض. قبل أن يبرز في هذا النوع الجديد من الأدب، ظهر الدولار في سماء الفن المعاصر بأشكال شتّى، وتحوّل إلى عنصر تشكيلي في عدد لا يحصى من الأعمال منذ مطلع ستينات القرن الماضي إلى يومنا هذا. 


لعلّ أشهر من جعل من الدولار مادة تشكيلية الفنان الأميركي الذائع الصيت آندي وارهول الذي كان في مطلع حياته رسامًا إعلانيًا ناجحًا، ثم أصبح رائدًا في حركة فن البوب. استعان هذا الفنان بمجمل علامات السلع التجارية التي راجت في المجتمع الأميركي قبل أن تخترق أسواق العالم شرقاً وغرباً، ولم يتوانَ عن استعمال الأوراق النقدية نفسها في تركيب أعماله. بدأت هذه التجربة في عام 1961، وتمثّلت بسلسلة من الأعمال حملت اسم "أوراق الدولار" كعنوان جمعي. في هذه المجموعة، دخلت ورقة الدولار في لوحات مثل "50 $ من فئة واحد"، و"80 $ من فئة واحد"، و"200 $ من فئة واحد"، وقد طُرحت الأخيرة للبيع من جديد في أحد المزادات منذ عشر سنوات، حيث بيعت بمبلغ خيالي فاق 43 مليون دولار.


استمر وارهول في هذه التجربة في السبعينات، وأنجز اعمالاً متفرّقة حملت علامة الدولار، واكتفى أحياناً بتوقيع اسمه على مجموعة من أوراق الدولار، مكتفيا بإسقاط هذا التوقيع بشكل مغاير في كلّ مرة. في عام 1982، عرض الفنان مجموعة جديدة من هذا الطراز، وجاءت هذه المجموعة الكبيرة تحت عنوان "علامة الدولار"، وذلك في زمن ازدهار سوق تجارة الفن بالتوازن مع ازدهار العالم التجاري بأشكاله المتفرقة، وانتشار الدولار مع هذا الإزدهار بفعل انتعاش القدرة الشرائية. في مطلع حياته، جعل أندي وارهول من علبة حساء البندورة "كامبل" أيقونة في مجموعة من 32 لوحة. وكرّر هذه التجربة مع زجاجات الكوكا كولا، والمكانس الكهربائية، والهامبرغر. كما كرّرها مع سلسلة من البورتريهات التي حملت وجوهاً موّحدة لعدد من المشاهير، منهم مارلين مونرو واليزابيت تايلور والزعيم الصيني ماو تسي تونغ. حضر الدولار في هذه المسيرة ضمن هذا السياق، وبرز في السنوات الأخيرة من حياة الفنان الذي اشتكى طويلا من الآلام المزمنة في المرارة، ودخل في شتاء 1987 إلى مستشفى نيويورك حيث أجريت له عملية جراحية لاستئصال المرارة، وعانى بعد أيام من مضاعفات أدت إلى سكتة قلبية مفاجئة، وتوفي عن عمر ناهز الثامنة والخمسين عامًا، وتمّ تأبينه في كاتدرائية القديس باتريك في مدينة نيويورك بحضور الآلاف من الناس.


في هذه الحقبة، ظهر الدولار في صورة مغايرة تماما في الملصقات الدعائية التي أنجزها فيكتور كوريتسكي في زمن الاتحاد السوفياتي الجبار صديق الشعوب. شهد هذا الفنان الأوكراني الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وتوفي في عام 1984 قبل أن يبلغ الخامسة والخمسين، وترك مجموعة كبيرة من الملصقات والصور الدعائية، ومنها ملصقات وُضعت للتنديد بالتمييز العنصري، وفيها ظهر الرجل الأسود طوراً مشنوقاً بحبل على شكل علامة دولار، وطوراً مطروحاً أرضاً ومقيّداً بحبل مشابه. كذلك حلّت علامة الدولار مكان حرف السين في ملصق يفضح العنصرية الأميركية في مختلف وجوهها، وحلّت ورقة الدولار في ملصق آخر يدين عدائية الجيش الأميركي الذي يمثّل الوجه الآخر للسلطة الأميركية التجارية.

سار على خطى آندي وارهول عدد من الفنانين، منهم الأميركي كيث هارنغ الذي حصد شهرة كبيرة قبل رحيله المبكر وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، وقد عمد كذلك على استخدام ورقة الدولار في بعض أعماله، مكتفياً بإضافة رسم بسيط عليه عليها بخط يده. في هذا السياق أيضا، يحضر اسم فنان من جنوب افريقيا استقرّ في كاليفورنيا يُدعى شاد دالي، ونتاجه في مجمله يتبنّى ورق النقد كمادة أولية للعمل، ومنها أوراق الدولار التي تحلّ في عدد من أعماله على شكل الجمجمة البشرية، وتنقل حالة مغايرة تماما لتلك التي عبّر عنها وارهول. كذلك، يحضر اسم فنان من أصول هندية يُدعى ستانز ناتشز، وُلد ونشأ في لوس انجليس حيث تبنّى مبادئ حركة فن البوب، وأدخل ورق الدولار في أعماله التي تجمع بين جذوره الهندية وهويته الأميركية.

في هذه "المصيدة الأميركية"، أيضا وأيضا، يبرز اسم فنان الغرافيتي أليك أندون الشهير باسم أليك مونوبولي، وهو من مواليد 1986، ومن أبناء نيويورك، وأعماله تلاقي اليوم رواجاً كبيراً في الولايات المتحدة، وتنتشر فيها بصورة تذكّر بانتشار أعمال وارهول في القرن الماضي. يُعرف أليك مونوبولي بإطلالته المتميزة المتمثّلة بالقبعة الكبيرة التي يعتمرها ورباط الرأس الذي يعصب به وجهه ليحافظ على غموض شخصيته، والمعروف أنه بدأ مسيرته الفنية في عالم الغرافيتي من شوارع مدينة نيويورك، ونجح بسرعة قياسية في اكتساب شهرة واسعة بفضل الشخصية الخيالية التي ابتدعها على هيئة مصرفي مبتهج صغير الحجم أطلق عليه اسم "السيد مونوبولي"، وهي الشخصية التي شاركها أسمها كلقب فنيّ له.

يجسّد أليك مونوبولي في مجمل نتاجه "الحلم الأميركي" بشكله السطحي الفج، حيث يبرز الدولار بشكل متواصل في حوزة البطل الذي ابتدعه، كما في حوزة أشخاص أخرين. واللافت ان هذه الصور خرجت من عالم الغرافيتي إلى عالم الفنون التشكيلية، ودخلت في مرحلة لاحقة السوق العامة بأشكال عديدة، منها التماثيل لصغيرة وساعات اليد على سبيل المثال لا الحصر. 
تبنّت شركة ساعات "تاغ هوير" هذا الفنان منذ سنتين "ليكون مصدر الإلهام والتحفيز الفني للدار" كما قيل يومها، وأقامت معرضا له أمام متجرها في أسواق بيروت، وأطلقت بهذه المناسبة مسابقة لرسومات الغرافيتي بعنوان "بيروت ستريت آرت"، أي "بيروت فن الشارع".
 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020