"أبو ليلى" لأمين بومدين: جماليات الرعب في إدانة الإرهاب

علاء رشيدي

السبت 03/08/2019
ينتظر القاتلان في السيارة الضحية التي يرغبان في إغتيالها، وحين يظهر رجل من باب البيت، تلحق به زوجته وتترجاه عدم الخروج من المنزل في هذه الأوضاع، تترجاه استمرار العمل مع المرضى من البيت، يتضح لنا أن الضحية هو طبيب، يغامر بحياته، فلم يعد العمل مع المرضى من المنزل يجدي نفعاً. هكذا في بضع عبارات تتبادلها الزوجة والطبيب الخارج إلى موته، يورطنا الفيلم في التعاطف معه، مع الطبيب الذي لا يلبث أن يركب سيارته حتى تستقر رصاصات الإغتيال في رأسه وصدره، تنهال عليه بقسوة. من الشارع القريب، تصل سيارة الشرطة إلى مكان عملية الإغتيال، ثلاثة عناصر من الشرطة غير كافية للقبض على القتلة، وبنجح القاتل بالفرار، إنه "أبو ليلى"، وبعدها يظهر أمام عين المشاهد شاشة سوداء كتب فيها (الجزائر 1994). في إشارة إلى الفترة التاريخية التي عاشت فيها العاصمة الجزائر، ما يطلق عليه العشرية السوداء، التي يمنحنا الفيلم عنها فكرة من مشهد الإغتيال الأول، وهو قتل طبيب كان خارجاً لمساعدة مرضاه، هكذا يبدأ الفيلم بوضعنا في الإطار العنفي والإضطرابات المسلحة التي تجري فيها أحداث الفيلم.


ستعاد رواية المشهد الأول في نهاية الفيلم، لكن من زاوية سيارة الشرطة التي حاولت الدفاع عن الطبيب المغتال. إعادة رواية المشهد في نهاية الفيلم ستمكننا من فهم حبكة الفيلم وربط حكايته ومجرياته. ثلاثة رجال شرطة في سيارة تصلهم أصوات رصاصات عملية الإغتيال، من بينهم الشرطي (سي، أداء سليمان بواري)، يتجهون مباشرة إلى مكان الإغتيال، يشتبكون مع المعتدي، ولأن الشرطي (سي) يتأخر في تقديم المساعدة لرفيقيه، يقتل أحمدهما ويموت بين يدي (سي) الذي يبكي مدركاً موت زميله بسبب تقاعسه عن أداء مهامه وإطلاق النار.


مدفوعاً بمشاعر الذنب، يلجأ الشرطي (سي) إلى صديق طفولته (لطفي، أداء ليث سليم) وهو من أعضاء جهاز مكافحة الإرهاب، لمرافقته في رحلة إلى الصحراء الجزائرية بحثاً عن الإرهابي (أبو ليلى). وبعد المشهد الأول الوحيد الذي يجري في العاصمة، يتحول الفيلم إلى نوع أفلام الroad trip، حيث يتنقل الصديقان (سي ولطفي) في الصحراء الجرداء بحثاً عن القاتل. لكن ما يلبث كل من الصديقين أن يشك بالآخر، بأنه متعاون مع الإرهابي أبو ليلى، ويقود الآخر إلى حتفه. عنصر الشك بين الصديقين في الحكاية يضيف إلى الفيلم أجواء من التوتر والقلق. كما أن الشخصية الرئيسية (سي) يعاني من المرض، يغيب عن الوعي ليدخل في عالم من الهلوسات والرؤى، هذه الهلوسات والرؤى المصورة بأسلوب إخراجي متميز تدخل الفيلم في نمط سينما الرعب، القلق، الفزع، ذو المستوى الفني، وليس ذو السوية التجارية.

الرؤى والهلوسات النفسية والذهنية
إن استحضار جماليات سينما الفزع والقلق، وتطبيقها على موضوعة الإرهاب والإضطرابات الأهلية المسلحة في الجزائر، يجعل الفيلم نموذجاً جديداً في روي العنف والإرهاب الأهلي بأسلوب فني سينمائي. يكتشف المشاهد مع فيلم "أبو ليلى" كيف يمكن لسينما الرعب أو الفزع التي يغلب على أفلامها الطابع التجاري، أن تكون أسلوباً فنياً سينمائياً في روي تجربة مجتمع عايش الإغتيالات، القتل، العمليات الإرهابية، والذبح والإنتقام. كلها عناصر تتشارك فيها جماليات سينما الرعب مع واقع العنف الذي تعيشه أي منطقة في العالم. هذا الخيار السينمائي يقدم نموذجاً للفنانين العرب للتعامل مع الأحداث العنفية التي تسود في الكثير من المناطق العربية بطريقة سينمائية.

ليحقق صانع الفيلم هذه المعادلة السينمائية، أي التداخل بين الواقع والهلوسات، بين الحدث وبين الأحلام، يجعل السيناريو من الشخصية الرئيسية في الفيلم، أي الشرطي (سي)، شخصية تعاني من مرض يدفعها للدخول في عالم الهلوسات والأحلام بين الفنية والأخرى من أحداث الفيلم. في إحدى الهلوسات يرى (سي) نفسه محجوزاً في السيارة وسط الصحراء، من حوله يتحلق رجال من الصحراء متشحون بالسواد وبقوة يضربون بقبضات أيديهم على زجاج السيارة في حالة من بث الرعب والترهيب، مشهد مصور بطريقة محترفة، ملائم لعوالم القلق والفزع المستمر الذي يصيب الشخصية الرئيسية في الفيلم، فيرسم المشهد عوالمها الذهنية والنفسية. 


لا يكفي لصناعة فيلم جيد عن الإرهاب وانتشار عمليات القتل في المجتمع، استحضار جماليات نوع سينمائي ملائم لروي هذه الظاهرة، بل يضيف المخرج أمين سيدي بومدين إلى فيمله ما يوضح موقفه الفكري والأخلاقي من الأحداث العنفية التي تضرب المجتمعات. فالفيلم إدانة شديدة لظاهرة حمل السلاح، حتمية حمل السلاح على كل فرد في حال انتشار العنف، حيث يصبح الجميع مجبراً على حمل السلاح. عبر مشهد من طفولة الشخصية الرئيسية (سي) ندرك الصعوبة النفسية والذهنية التي يلقاها حينما يضطر إلى حمل السلاح.

الذبيحة الحيوانية تدرب على القتل
ذكرى الطفولة من حياة (سي)، يتعلق بطقس الذبيحة الحيوانية، عملية ذبح الخروف التي تمارس في الثقافة العربية أمام أعين الأطفال. والد (سي) يجبر ابنه الطفل على مشاهدة عملية ذبح الخروف، ومتابعة موت الذبيحة وهي تنزف الدماء في أرض الدار، ويقول: "لن تصبح بالغاً قوياً حتى تشاهد هذا الخروف يذبح ويموت"، لكن الطفل (سي) يرفض وينجح بإطلاق الخروف من قيد عنقه، كي لا تحدث عملية الذبح أمامه. في مسرحية "اسين بالأيد" لفرقة زقاق المسرحية، تحيل المسرحية الكثير من مظاهر العنف التي نعيشها في حياتنا كبالغين إلى عمليات العنف التي شاهدناها في الطفولة وهي تمارس على الحيوانات ومنها الذبيحة الحيوانية، ذبيحة خروف العيد أو نعجة الأضاحي.


حمل السلاح 
عند انكشاف حساسية الطفل أمام طقس الذبيحة الحيوانية واستعمال السكين والقتل، تكتمل حكاية (سي)، إنه رجل شرطة ما زال يضطرب من فكرة حمل السلاح واستعماله، ولأنه يتأخر في استعمال سلاجه في إحدى مهمات الشرطة، وهي عملية الإغتيال التي رأيناها أول الفيلم، يصاب صديقه (رشيد) ويموت، ويصاب (سي) بشعور قاس من الذنب. يصبح صراعه الأساسي طيلة الفيلم هو تردده في حمل السلاح رغم العنف المحيط به في أحداث العشرية السوداء في الجزائر، بين رغبته المسالمة، وبين ضرورة الإنتقام لصديقه الذي مات بطلقات الإرهابي (أبو ليلى).


هي إذاً، الإزدواجية الصعبة التي يعيشها (سي) بين عدم إيمانه بحمل السلاح، وبين ضرورة حمل السلاح الذي تجبره الأحداث العنفية الجارية من حوله على استعماله. في واحدة من هلوسات هذه الشخصية، يرى (سي) حلماً تتبدل فيه المواقع بين الإنسان والذبيحة الحيوانية. في أروقة الفندق الصحراوي الخالي، يرى (سي) الخراف أو النعاج وهي تلتهم البشر، مشاهد بلقطات طويلة حيث الخراف تلتهم لحم أجساد البشر، وكأنه يخشى يوماً من انتقام الذبيحة الحيوانية لما يفعله البشر بها. هكذا يعبر الفيلم عن مخاوف شخصية مصابة بقلق القتل وتعاند نفسياً وذهنياً ضد ارتكابه.

"أبو ليلى" هو الفيلم الروائي الأول لمخرجه أمين بومدين بعد فيلمين قصيرين، وقد نال استحسان الجمهور في أسبوع النقاد في مهرجان "كان" 2019. يستعير الفيلم عناصر من سينما الرعب والقلق ليحقق معادلة تروي الأحداث العنفية والإرهابية للعشرية السوداء في الجزائر، يبني سيناريو بين الحدث الواقعي في الفيلم وبين الهلوسة والأحلام التي تعيشها الشخصيات، يقسم بنية القصة التي يريد رويها بربط أجزاء متفرقة في الفيلم بين بعضها البعض لتشكيل الحكاية الأساسية. وعند الحديث عن حكاية الفيلم، لا ينسى صانع الفيلم أن يضيف إلى كل هذه الجماليات والأسلوبيات السينمائية، موضوعة غاية في الأهمية، وهي العلاقة مع السلاح، والقابلية النفسية والذهنية للأفراد في القتل في ظل العنف الأهلي المستشري، والذي لا يستثني أحداً حين يستفحل كظاهرة اجتماعية.

(*) عرض الفيلم ضمن فعاليات تظاهرة أسبوع النقاد لمهرجان "كان" السينمائي في بيروت، 22 تموز – 3 آب 2019. سينما ميتروبوليس صوفيل.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019