ميريام بولس.. والصراع على صورة الإنتفاضة

حسن الساحلي

الجمعة 06/12/2019
منذ بداية الثورة، درجت مواقع عالمية على نشر صور متنوعة المصادر لتغطية الاحتجاجات في لبنان، مع تزايد حصة المصورين الفنانين بشكل عام، على حساب الصور التي ينتجها مصورون صحافيون. يعود ذلك بشكل اساس، إلى حاجة هذه المواقع الى وجهات نظر جديدة، وسط دفق بصري سببته الثورات المندلعة بشكل متزامن حول العالم. 

ينتمي الجزء الأكبر من صور الفنانين إلى أساليب أقل شعبية من تلك التي يستعملها المصورون الصحافيون، ما يزيد من احتمال إثارتها للجدل أو حصول إلتباس في طريقة تلقيها. ينطبق هذا على أعمال المصورة اللبنانية ميريام بولس، التي نشرت أعمالها في منصات عالمية عديدة، من بينها مجلة "تايم" الأميركية، وسببت جدلاً واسعاً في أوساط لبنانية.

تُعتبر ميريام بولس من الصاعدات ضمن مشهد التصوير الفوتوغرافي في لبنان، وعُرفت في البداية بسبب أسلوبها الفريد في توثيق حياة الليل وحفلات الأندرغراوند البيروتية. لكنها تمتلك ايضا تجربة واسعة تضم مروحة من المشاريع التي تتمحور حول مواضيع الجندر، والجسد الأنثوي، وعلاقة الحميمة بالسياسة والهيمنة الذكورية.

عندما نشرت مجلة "تايم" صور بولس، مرفقة مع مقال حول الإنتفاضة اللبنانية، هبّت عاصفة إنتقادات في وسائل التواصل الإجتماعي، أكثرها تتهم المجلة بتشويه صورة الثورة، والتركيز حصراً على الجانب السلبي المتمثل في الشغب. طلبت جريدة "دايلي ستار" توضيحاً من "تايم" عن السبب الذي دفعها لاختيار هذه الصور، فردت المجلة بأن الصور تمتلك "زاوية جديدة تقول الكثير عن الموجودين في الشارع"، كما تمثل المجتمع الحقيقي، وتمتلك الشرعية الكاملة بما أن صاحبتها لبنانية ومولودة في بيروت.

ولعل تركيز المجلة على لبنانية صاحبة الصور، يوحي بأنها تريد الاختباء خلفها منعاً لأي تفسيرات "استشراقية" أو "ما بعد استعمارية". لكن، في الوقت نفسه، بالعودة إلى بيان المصورة في جريدة "النهار"، فإن المجلة اختارت أكثرية الصور من حساب بولس في "إنستغرام" من دون الرجوع إليها، ما يعني أنها تتحمل المسؤولية عنها بالدرجة الأولى.

ركزت الصور على فئات شعبية بشكل أساس، وهو السبب غير المعلن للغضب في الأوساط اللبنانية التي أظهرت - بشكل غير مباشر - عنصريتها تجاه هؤلاء. ولعب أسلوب بولس دوراً في زيادة "الصدمة"، فهي تستعمل الفلاش والعدسات بطريقة تضخم التفاصيل وتجعلها "فاقعة" ومتحدية للمشاهد.

أظهر هذا عمق الأزمة التي تعيشها الهوية اللبنانية وقدرتها الدائمة على انكار المختلفين ثقافياً عنها، خصوصاً إن كانوا فقراء ومهمشين، و"تثير أشكالهم الخجل أمام الأجانب". تذكرنا هذه الحادثة، بمشروع كان يريد رفيق الحريري القيام به خلال التسعينات، يقوم على إخفاء الأحياء الفقيرة في طريق المطار، كي لا يراها السياح الأجانب عند دخولهم لبنان. وهذا جزء من نظرية النظام اللبناني، القائمة على اقصاء الفقر من الواجهة، ويمكننا العثور يومياً في وسائل الإعلام المحلية على ممارسات تزيد إقصاء هؤلاء، إن كان عبر وضعهم في صور إكزوتيكية، أو شيطنتهم، أو حتى جعلهم موضوعاً للشفقة فقط بسبب اختلافهم عن "الطبقات الوسطى".

من جهة ثانية، أشارت إنتقادات إلى مشكلة تتعلق بموقع المصورة إزاء موضوعها، وإن امتلكت شرعية التحدث باسمها. تفترض هذه الإنتقادات أن بولس من طبقة مختلفة عن هذه الفئات، وبالتالي ترتبط معها بعلاقة غير متكافئة، وأنهما مختلفان في طريقة رؤية العالم جمالياً وثقافياً. هناك صور عديدة تضخم عناصر "بشعة"، موجودة في الثياب أو طريقة وضع مستحضرات التجميل، هي بشعة بمعايير الطبقة الوسطى أو الفئات التي تمتلك حساً جمالياً يتزامن تطوره مع السائد في عالم الموضة، وليس من وجهة نظر صاحبها (موضوع الصورة). بالإضافة لذلك، فإن هذه الصور أنتجت من أجل الإستهلاك أو "الفرجة" في فضاءات استُبعدت منها الطبقات الفقيرة وهي محصورة في أبناء الطبقات الوسطى مثل الغاليريهات أو حتى مجلة "التايم" التي يبقى تصفحها نوعاً من الرفاهية.

في الوقت نفسه، هناك صور تركز على شباب الشوارع من الملثمين الذين يفرغون غضبهم في مباني الأغنياء وزجاجها العصري والفخم. لكن، هذه المرة، تظهر الصور إفتتاناً بموضوعها، ينزع إلى أيقنته وتحويله إلى رمز، كأنها في الحالتين تذهب بعيداً من صورته الواقعية إلى تمثيلات محصورة في ثقافة معينة.

من وجهة نظر المصورة، تعتبر هذه الصور متناغمة مع الخط العام لأعمالها الفنية. تعتبر التشوهات الجمالية والحركية، ثيمة دائمة عندها، كما تتطرق كثيراً في أعمالها إلى علاقة الأفراد بالثقافة الرأسمالية والإستهلاكية التي تغزو الطبقات جميعها بلا تفرقة. من هنا، يمكن أن ترى الصور بطريقة جديدة، تصبح فيها النساء مستلبات من ناحية المظهر والسلوك، وتحت رحمة نظام استهلاكي ورأسمالي أكبر، يسيطر على الطبقات كافة، وهو نظام يعيش أزمة جمالية أيضاً تتكثف آثارها في الجسد الإنساني. هناك صور عديدة التقطتها بولس لأبناء الطبقات الميسورة، وقد شاركوا في الاحتجاجات، تظهر الاستلاب الثقافي الاستهلاكي نفسه، وكأنها بذلك تقول إن المواطنين جميعاً، بمختلف طبقاتهم، تحت رحمة نظام واحد، وهم يشاركون جنباً الى جنب في الانتفاضة، وطبعاً لا ننسى أن أبناء الطبقات الدنيا يدفعون ضريبة أكبر لهذا النظام.

عملت بولس هذا العام على مشروع تحت عنوان Dead End، كتبت في تعريفه، أنه "محاولة للتعامل مع اضطراب تشوه الجسم Dysmorphic Disorder، الذي تراه غير منفصل عن العلاقة المؤذية التي تملكها مع الرأسمالية والبطريركية في لبنان". من عوارض هذا الإضطراب، القلق الدائم من أن هناك عيباً أو خللاً في الجسم يجب الخجل منه، ما يكبل الجسد ويمنع حركته. يضم المشروع مجموعة متنوعة من الأفراد المنتمين إلى فئات إجتماعية مختلفة، يتعامل كل منهم مع اضطراب التشوه الجسدي بطريقته للتحرر منه، إما عبر وضعيات عارية أو سلوكيات تكسر التابوهات الإجتماعية.

تؤكد بولس في هذا المشروع، أن الأجساد الموجودة في صورها، ليست سوى انعكاسات شخصية لها، ما يبرر ربما أسلوبها التضخيمي الذي يطبع صورها الأخرى، بما فيها تلك التي أتت في سياق التظاهرات. 

في كل الأحوال، يخبرنا الجدل الذي رافق الصور، الكثير عن الإنتفاضة اللبنانية، التي تشهد دائما نقاشاً حول إشكاليات التمثيل، مع تزايد الريبة من مصادرة صوت الطبقات الفقيرة من قبل فئات معينة، إن كان عبر الفعل السياسي المباشر أو عبر ممارسات مشابهة لما ظهر مع صور ميريام بولس. تعزز هذه الريبة، سيطرة "الطبقات الوسطى" على الصورة التي تروجها وسائل الإعلام عن الانتفاضة، والتي ظهرت بشكل أساس مع ممارسات تُقصي الطبقات الشعبية مثل عرض الأزياء الذي كانت تريد MTV القيام به، أو عرض الإستقلال الذي تعاونت تلفزيونات عديدة لإنجاحه، ويظهر أيضاً في استنكار جريدة "دايلي ستار" نشر مجلة "تايم" صور بولس وطلب الإستفسار منها.

هناك صراع على الصورة، منذ 17 تشرين الأول، يقوده بعض وسائل الإعلام إلى جانب المنتفضين أنفسهم في الشارع ووسائل التواصل الإجتماعي، ويرتبط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالشق السياسي وبشرعية الجهات التي تحاول تمثيل الإنتفاضة في المستقبل.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020