"غرانيق" مازن عرفة: ماذا نرفض تحت الخراب؟

عمر الشيخ

السبت 06/07/2019
تُجرّب المُخيّلة السورية، خلال السنوات الأخيرة الماضية، تفريغ معظم ما لديها من نصوص راهنة على المستوى الأدبي، في محاولة لكشف أساليب كتابية أخرى، متمرّدة، بعد مأساة هذه البلاد. لتظهر تلك "المقترحات" كأنها انعطاف ثقافي يحاول الذهاب، هنا، نحو الآخر- الضحية، بحثاً عن صوته، معاناته، حياته التي انتبه لتحطمها شيئاً فشيئاً. 

وقد كتب الروائي مازن عرفة (1955) أجزاء واسعة من عمله "الغرانيق" الصادر أخيراً عن دار "نوفل/هاشيت أنطوان" خلال ساعات حقيقية في مناطق خطيرة، وضمن أيام طويلة من النار والخراب في السورية. التقط تفاصيل واقعية مما حوله، منذ الأسابيع الأولى لانطلاق الاحتجاجات العام 2011. ثمّ، وبعَين الطفل الذي يدّون ما يعبّر عن هلعه وخوفه وسخطه، رسم أحلام يقظةٍ لا تنتهي في صورٍ أدبية تصل بين منطقته الريفية المشتعلة قرب ريف دمشق، وبين تأريخ الجحيم السوري، عبر شظايا حكايات جديدة.

لاحقاً، أكمل عرفة عمله هذا، وهو بعيد من مسرح أحداثه. لقد نجا بحياته قبل سنوات قليلة، واستقر في ألمانيا. هناك أعاد ترتيب الحكايات لتكون مجموعة كبيرة من النصوص ضمن جسد سردي في رواية "الغرانيق"، ويمكن الحديث عنها بوصفها نموذجاً يجسد هروباً واضحاً من الموروث الأسلوبي لبناء الرواية السورية، في ما يخص طبيعة الكتابة بعد انطلاق الثورة. 
وربما كانت تجربة عرفة هنا تتجه نحو البحث عن هوية مختلفة للرواية، وترك الخواتيم برسم القارئ، رغم تقسيم جسد الكتاب إلى أربعة أجزاء جاءت بأسماء مختلفة تجمعها التراجيديا في مواجهة الطغيان، إلا أن السمة البارزة في الرواية هي "الصراخ- الرفض"! بداية من شكل الحكاية الروائية ومعمارها الدرامي، مروراً بالقضايا الفكرية العالقة في العقل الجمعي السوري- العربي، وصولاً إلى محاولة الكاتب الدخول إلى لعبة التحدث بأصوات شخصيات تشكل مثلث حكاية "أشباه الآلهة" و"الشعب المنتفض" ضدهم وما نتج عن هذا الصراع.

أطلق عرفة عنوان "كآبة" على القسم الأول من الرواية، واستعرض فيه المناخ السوداوي لمكان الوقائع المفترض. الجغرافيا، الناس، الطبيعة الاجتماعية، الأمراض السياسية، انعكاسات الكبت الفكري والديني والثقافي والتربوي... ربما كان يحاول فتح الأبواب بقوة على آثار الأنظمة القمعية التي قامت ضدها شعوب "الربيع العربي"، فهي نموذج للخطاب العسكري والتفجر الداخلي لدمار البلدان الذي نشهده اليوم بحثاً عن الحرية. فكانت الحكايات الممزوجة بالفانتازيا بين الشخصيات، أداة عامة تم استخدامها للتعبير عن معاناة يومية تعيشها تلك الشعوب.

فيما حدد الكاتب ضمن قسم الرواية الثاني، "سادية"، مناخه العام لطبيعة التفكير العسكري في المجتمعات المدنيّة المتحولة إلى مهاجع تخدم "الزعيم" وبشواهد مؤلمة. يقول في الصفحة 125: "نحن العسكر، على عكس المدنيين الفوضويين، حياتنا تسير وفق النظام والانتظام، تسير وفق إيقاع محدد: واحد، اثنان. واحد، اثنان". إنهم كتلة متجانسة متماسكة تفكر بطريقة واحدة متطابقة خلف قائدها الذي يحدو إيقاعها "واحد، اثنان". هكذا، يتحول كل شيء في الحياة تحت تصرف العسكر، وهذا الأخير يصدّر الشعارات الفارغة ضد العدو، ينتج "كبريت المدفع" مثلاً، الذي لا يشتعل ولا يطلق النار إلى الأمام على العدو ولا يُسقط الطائرات المعادية. كما خسر الفدائيون العديد من المعارك مع العدو بسبب فقدانهم له! لقد أصبح الشعب هو عدو هذا العسكر "الوطني"، فقط لأنه فكر في "الانتفاضة"، وهو عنوان القسم الثالث للرواية، حيث استعرض الكاتب حكايات بلدته المنتفضة ضد النظام العسكري، وكيفية رد أجهزة الأمن والمخابرات والجيش، العاملة تحت يد هذه السلطة الدموية، وصولاً إلى "الجنون"، أي القسم الأخير، حيث مرابع عسكرة الاحتجاجات وتبادل المجازر بين الشعب والنظام لتصبح البلاد غابة مستوحشة تتسع كل يوم.

نقع في هذا العمل على زخم حكايات متعددة ومسهبة في الوصف والاستحضار، وربما يصح أن يكون أكثر من رواية! حكايات عن فقدان أبسط حقوق العيش ضمن بيت يتحول صاحبه الغارق في الكتب والعمل الثقافي، وهو الكاتب نفسه، إلى مصوّر مراثٍ يروي ما عاشه بتداعيات أدبية ذات أجواء سوريالية وواقعية في آن.

الخطوط السردية هنا تتداخل بتواتر جديد، ربما، يستعرض الهشاشة الفكرية في المجتمعات المستعبدة. وهي مزدحمة على مستوى التفاصيل والصور، قاسمها المشترك "البيئة-المناطقية" بين الواقع والأحلام، إلى جانب مشاهدات تعيد تجسيد الواقع بمعالجة فنية لمفقودات الحياة، هناك في مناطق الاحتجاجات، مثل "الحب، الحلم، الحرية، الدفاع عن الجمال والتراث والأرض..." والتي تحيل جغرافيا من حقائق المأساة السورية إلى "فرصة أدبية" لا تتكرر، تقع في صرخة الرفض والاحتجاج والثورة.

أحداث لا مثيل لها في القسوة عبر التاريخ، لقد غيّرت خريطة العالم بلغة القتل وتفكير العسكر المستبد. ثمة عالم مملوء بالوجع اليومي لأناس فقدوا القدرة على استيعاب كل ذلك العنف المتدفق من السلطة، وعسسها ومرتزقتها، كي يبقى الزعيم مجرد تمثال حجري قابع فوق الوعي الاجتماعي والرغبات الكبيرة بالخلاص.

ومن هنا لعب الكاتب أدوراً مشتركة في تطرفه وتوجهه، فكان "التشويش الدماغي" كدلالة أدبية مستخدمة لتحوله بين خيالات وأحداث الشخصيات. مرة نراه ذلك المثقف "قائد الانتفاضة"، ومرة أخرى يطل بأيديولوجيا من أرض الواقع، كشاب "جهادي" يقاتل "باسم السماء". وفي مطارح يتلبس ثوب "الزعيم الجنرال" كاشفاً عورة طغيانه وأفعاله الإرهابية لاستمرار قبضته الأمنية على أعناق الشعب الذي سرق حريته وحقوقه وثرواته ووعيه البشري.
 
يكثر مازن عرفة من استحضار المونولوجات سعياً منه لإسهاب وصفي يعزز من قسوة الحكاية أو لتغطية مشهد الرعب المتنامي في الشخصيات المفصومة إيّاها، القادمة من تلك "الحياة" في كنف الأنظمة القمعية، الأمر الذي أدى في النهاية لترك الرواية بلا نهاية واضحة.
 
تلك الشخصيات الرئيسية والعابرة، والحكايات الشعبية مع اسقاطاتها والتخييل المندفع في ذلك كله، قد يشكل خليطاً ملحوظاً لرفض منظومة الموت العبثي، موت البلاد الواقعة بين أيادي "الغرانيق".

لقد انعكست انتفاضة الكاتب نفسه، كما قرأنا في شهادة عن الأجواء التي كتب فيها هذه الرواية، على أغلب ما حمل من ثقافة التبعية الفكرية والنهج الثقافي المنصوص عليه في الداخل السوري لنشر الأعمال الإبداعية والكتب. فهو المشتغل لعشرات السنوات -سابقاً- في قطاع الثقافة السورية الرسمية والخاصة، والمطلع بتجربة مباشرة على مطبخ التدجين السياسي والفكري والإعلامي والأمني للشعب، وبعدما نضج الرفض في تجربته الحياتية، حوصر في بلدته الريفية قرب دمشق، وشهد على الناس البسطاء وانتفاضتهم العفوية التي رمت خلفه كل الثقافة "المزعومة الشريكة في القتل" وتجاربه التعليمية والجامعية ليعيد تثقيف نفسه مجدداً، ثوريّاً، من الناس ومعهم، بكل أخطائهم وصراخهم وقهرهم وأحقيتهم برفض هذه العبودية. فكانت "الغرانيق" فاتحة لشهادات أدبية مقبلة من ذاكرته التي يدين بها للشعب السوري الثائر ضد نظام الأسد، لذلك ربما لم يترك لنا نهاية لأن المأساة لم تنتهِ بعد...! 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019