شادية أو حميدة تشرشل.. صاحبة الوجوه الألف

وجدي الكومي

الأحد 02/10/2016
وخايفة لما تسافر..ع البلد الغريب
تنسي إنك فايت.. في بلدك حبيب

لا يمكن أن تكتب مقالا عن شادية وتكمله حتى النهاية إلا إذا أمعنت التفكير في أنك تكتبه لأنك تحبها فقط، غير ذلك لن تكتبه أبداً، لأن كثيرين قبلك كتبوا عنها، وصاغوا في حبها أجمل المقالات، لهذا يجب أن تستعيد حبك لها، وتكمل هذه السطور، وتتناسي قضية "ما الجديد الذي ستكتبه عنها" لأننا في الحب فقط نأتي بجديد وغير ذلك كله سواء.

ألف وجه عاشت بها شادية. وألف حياة كذلك. هي أشهر زوجة سرية في الحياة الفنية المصرية حينما ظلت زيجتها بصلاح ذو الفقار طي الكتمان قبل أن تكشفها إحدى المجلات الفنية، وهي أول من انفطر قلبها بسبب حرب 1948 بعد مقتل حبيبها في الحرب. تتسم رحلة حياتها بالتقلب الكبير بين الغناء والطرب، وبين التمثيل وتجسيد مختلف الأدوار، الجادة منها، أو الهامشية، وكذلك بين الدراما الحياتية التي عاشتها بقرار اعتزالها وهي متربعة على القمة، لتنفذ وعداً قطعته على نفسها قبل عقد كامل من اعتزالها، أن تهجر الأضواء، قبل أن تهجرها الأضواء.

شادية التي تجري في عروقها دماء تركية من ناحية الأم، نشأت في حدائق ومزارع الملك فاروق في أنشاص الرمل في محافظة الشرقية، ومن بين هذه الحدائق والورود الغنّاء ستنطلق شادية، أو فاطمة محمد شاكر، لتقطع طريقا طويلة، حافلة بالنجاح، والإبهار، وتصبح أول نجمة شاملة، تغني، وتمثل، ونجمة مسرح تقاضت في الثمانينات أعلى أجر من بين أقرانها الذين وقفوا على المسارح "80 ألف جنيه". وأول من احتلت شباك التذاكر لربع قرن، وأول من حملت أفلامها السينمائية أسماء أدوارها ومنها "الزوجة رقم 13" و"مراتي مدير عام" و"معبودة الجماهير" و"لواحظ" و"المرأة المجهولة" و"التلميذة".


يكفي أن تسمع أغنيتها "أنا يا روحي أنا" التي لحنها بليغ حمدي، وكتب كلماتها عبد الوهاب محمد، لتتبين أي فنانة هي، وكيف تميزت بقوة صوتها، وإمكاناته الهائلة. أو استمع إلى أغنيتها "إن راح منك يا عين" التي لحنها لها منير مراد، لتكتشف أنها أسطورة، ولا تصلح أبداً أن تكون دلوعة. هي الفنانة الهائلة، التي جسدت أدواراً متناقضة ومتجانسة في الوقت ذاته، بما يكشف موهبتها العميقة الفذة. لعبت دور الزوجة اللعوب في فيلمها "إرحم حبي" و"الطريق" والعاهرة الماكرة - حميدة تشرشل حسب تقرير صحفي نشره جليل البنداري في مجلة "آخر ساعة" العام 1963 أثناء تصوير فيلم "زقاق المدق"- هي أيضا العاهرة الوفية "نور" في "اللص والكلاب"، والأم المحطمة في "المرأة المجهولة"، والريفية الساذجة في "ميرامار"، وغيرها الكثير من الأدوار التي تجعلك تتعجب.. من يوزع ألقاب الفنانات في مصر؟ وكيف يمنح أحدهم، شادية، لقب "الدلوعة"، ويمنح أخري لم تقدم فناً هائلاً كذاك، لقب "سيدة الشاشة العربية"؟!!

سارت شادية في الطريق الطويل الذي رسمته لنفسها وسط مصاعب حياتية كثيرة، على رأسها دراما هدمت حياتها الاجتماعية ثلاث مرات، بدأت بانهيار قصة حبها الكبيرة إثر مقتل حبيبها العام 1948، وقبلها بعام كانت بدايتها الفنية في فيلم "المتشردة" الذي لعبت بطولته حكمت فهمي، حيث أدت شادية في الفيلم "غنوة"، وظهرت حكمت كأنها هى من تغنيها، وأعقب ذلك ظهورها في مشهد واحد بفيلم "أزهار وأشواك"، ثم مثلت في "العقل في إجازة"، وكُتب لها أن يكون كمال الشناوي رفيق البدايات وقدّما سوياً بعد ذلك 25 فيلماً.


"كل ما تشوفك عيني أحب من أول وجديد"، تقول شادية في أغنيتها "تعالى يلا في غمضة عين " التي لحنها لها منير مراد، وهكذا استعاد قلبها الحنين للحب، مع فريد الأطرش، بعد فاصل بائس في حياتها تخللته زيجة متسرعة من المهندس عزيز فتحي، هرباً من حب فريد. حياة شادية الخاصة كانت مثل السينما، قصة حب طويلة، كلها آلام. تحولت حياتها إلى مادة خصبة للصحافة والمجلات الفنية نهاية الخمسينات والستينات، والصحافة تحتاج حطباً كي تملأ صفحاتها، وهكذا كانت قصص زواجها وطلاقها من عماد حمدي مطلع الخمسينات ومنتصفها تملأ صفحات مجلات "الكواكب" و"الجيل" و"آخر ساعة". إحدى المجلات الفنية قالت في حكايتها لواقعة انهيار زيجتها من عماد حمدي التي بدأت العام 1953 وانتهت 1956: فيما بعد ستكشف شادية في سلسلة حوارات أجرتها مع مجلة "آخر ساعة" عامي 1976 و1977، أن غيرة عماد حمدي البالغة وفارق السن بينهما عجلّا في انهيار الزواج. وتحكي شادية في حديث لمجلة "آخر ساعة" (ديسمبر 1976) عن عماد حمدي، فتقول: "الغيرة دمرت حياتي، كانت قصة لقائنا قد بدأت بالإعجاب المتبادل، ونظرات العيون في قطار الرحمة العام 1952، تبادلنا الخطابات والارتياح، ونمت قصة الحب، ما دفعنا إلى الزواج، تزوجتُ من عماد حمدي بلا موسيقى ولا ملابس زفاف، اختار شقة جميلة في الجيزة، ودّعت الزمالك حيث عشت عامَين مع أهلي، وذهبت إلى حفلة الزوجية من دون حفلة زفاف، ومن دون طرحة بيضاء، لكن السعادة عمرها قصير".

"والله يا زمن..لا بإيدينا زرعنا الشوك"..
بعدها، ستلتقي شادية فريد الأطرش، الذي وجدته مثالاً للرجل الجنتلمان الذي يعامل المرأة باحترام، ولا يبخل عليها بحنانه، لكن هذه القصة لم تكتمل. نشرت المجلات الفنية حواراً متخيلاً بين شادية وفريد، وقالت مجلة "الجيل" في تقرير لها العام 1957، إن فريد اتصل من استوكهولم حيث كان يتلقى العلاج، بعدما عرف أن شادية غادرت عمارته، وتخيلت المجلة أن شادية قالت له اقفل الخط، لا تطلبني أبداً، وسلطت المجلة الضوء على الأحداث الأخيرة التي شهدتها علاقتهما، روت قصة سفر فريد إلى أوروبا بعد فترة قضاها مع شادية في الإسكندرية، ونسبت المجلة إلى شادية قولها لصديقاتها إنها غاضبة لأن فريد لم يطمئنها على علاقتهما، فيما نشرت احدى المطبوعات تقريراً بعنوان: "شادية تتكلم: لماذا تزوجت عزيز فتحي".. وفي هذا الحوار، تبدو شادية كأنها كتبت بنفسها كل ما ترغب أن تقوله عن حياتها: لست أول فتاة تحتمي بصديق بعد فشل زواجها.. ولست أول فتاة تجرب حظها في زواج ثان..

تبدو شادية كأنها ترغب في الوصول إلى الخاتمة، بينما فريد الأطرش يتحدث "للأخبار" في العام نفسه، قائلا: فقدتُ صوتي، وفقدت شادية.. ونقلت "الأخبار" عن فريد قوله: أتمنى لها كل سعادة.. إنها تستحق أن تعيش في الفردوس.


مسيرة طويلة وهائلة، لعبت فيها شادية أدواراً مهمة، ومغايرة لأدوار التلميذة وغيرها. تبدلت شخصية شادية في مرحلة أفلام نجيب محفوظ، وتقول مجلة "المصور" العام 1964: للمرة الثالثة تمثل شادية شخصية من شخصيات نجيب محفوظ، وهي "كريمة" رمز الشر والإغراء، الذي أخرج آدم من الجنة. تقول شادية لمحرر المجلة: قرأتُ أولاد حارتنا، بينما يتم نشرها مسلسلة، كنت أهتدي لرموز نجيب محفوظ بعد القراءة الثالثة، وعندما مثلت له دور "نور" في "اللص والكلاب"، كنت ساخطة، لأنه ترك سعيد مهران يظن أن نور خانته، بينما هي في الرواية كانت محجوزة في أحد أقسام الشرطة، وسعدت حينما تم تعديل السيناريو بحيث تذهب نور إلى سعيد وهو محاصر في نهاية الفيلم.

"حبيت والشوق كاويني يا بوي".. هكذا تقول شادية في أغنيتها " يا بهية وخبريني". قدمت شادية فناً عظيماً، ودراما حياتية سارت بمحاذاة فنها الهائل.
لا ينتهي الكلام، ولا تنتهي سيرتها العظيمة، مهما حاولنا اختصارها في مقال.
 
 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019