"الطاعون الأعظم" في دمشق

محمود الزيباوي

الجمعة 29/05/2020
تحت عنوان "طاعون"، أقيم معرض كبير في متحف مدينة هيرنة الواقعة في وسط ولاية شمال الرين سيتفاليا، غربي ألمانيا. حصد هذا المعرض يومها نجاحاً محلياً محدوداً، غير أن الأمور تبدّلت مع انتشار وباء كورونا الجديد في آذار/مارس الماضي، حيث اعتمدت الحكومة الألمانية سياسة ترمي إلى الحد من هذا الانتشار. أغلقت المتاحف أبوابها، وتحوّل معرض "طاعون" إلى معرض افتراضي في الانترنت زاره الآلاف بقصد التعرّف على الوباء الذي شلّ أوروبا في القرون الماضية، وقضى على ربع سكانها.

يجمع هذا المعرض بين الطابع الفني والطابع التوثيقي العلمي، ويضمّ ثلاثمئة قطعة متعددّة الأنواع والأصناف، منها الأعمال الفنية التي تعود إلى هذه الحقبة، والأعمال التجهيزية التي تعرّف بالطاعون، إضافة إلى مجموعة من الأعمال الحديثة التي تسلهم مادتها من صور هذه الجائحة التاريخية. يسلّط المعرض بالدرجة الأولى على التحركات الطبية والدينية التي اثارها انتشار هذا "الوباء الأسود" في القرن الرابع عشر، وتنقلّه من مدينة إلى أخرى في القرون التالية. احتار الأطباء يومها في تحديد هوية هذا المرض القاتل، ورأوا انه جاء نتيجة لتحولات سلبية في الأرصاد الجوية والفلكية. في المقابل، رأت الكنيسة الكاثوليكية انه يعكس الغضب الإلهي، فنظّمت حملات قسرية للتكفير عن الذنوب، وقامت بمسيرات جماعية للصلاة والتضرّع والاستغفار، وساهمت هذه المسيرات في توسًع دائرة البكتيريا القاتلة بدل ان تحدّ من انتشارها.

لعبت الحروب المندلعة كما يبدو دوراً رئيسياً في انتشار هذا المرض. على سبيل المثال، حاصرت كتيبة من الجنود التتار ميناء فيدوسيا في شبه جزيرة القرم في 1346، وكان يومها خاضعا لمستعمرة تابعة لمدينة جنوة الإيطالية، وعندما أصيبت هذه الكتيبة بالطاعون، ألقت بجثث قتلاها في المدينة لترغمها على الاستسلام. هكذا دخل الطاعون إلى سواحل جنوة والقسطنطينية والبندقية، ثم ظهر في باريس ولندن كما في القاهرة، وبلغ مدريد وفيينا وكولونيا في مرحلة أولى، ثم فرسوفيا وموسكو في مرحلة ثانية، وحصد خلال سبع سنوات زهاء خمس وعشرين مليون نفس، أي ما يعادل ربع سكان أوروبا في تلك الحقبة. أنشئ أول محجر صحي لعزل المرضى في مرفأ دوبروفنيك على الساحل الأردياتيكي، وكان يومها تابعا للبندقية، ويُعرف باسم راغواسا، وعُرف هذا المحجر باسم الكرنتينة، أي الأربعينية، وكان الغرض من انشائه عزل البحارة والمسافرين والبضائع القادمة من الأراضي الموبوءة لمدة أربعين يوما، وتحوّلت هذه الكرنتينة الأولى إلى مثال اتبع بشكل واسع في العقود التالية في انحاء أوروبا.

ظهر الطاعون الأسود في آسيا الوسطى في منتصف القرن الرابع عشر، واكتسح أوروبا، ووصل إلى بلاد المغرب العربي حيث عاصره ابن خلدون وقال في وصفه انه "ذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلّص من ظلالها، وقل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل".

في هذه الحقبة كذلك، تحدّث ابن بطوطة عن "الطاعون الأعظم" الذي انتشر في دمشق في عام 1348، وقال ان "ملك الأمراء نايب السلطان أرغون  شاه أمر مناديا ينادي بدمشق أن يصوم الناس ثلاثة أيام، ولا يطبخ أحد بالسوق ما يؤكل نهارا، وأكثر الناس بها إنما يأكلون الطعام الذي يصنع بالسوق، فصام الناس ثلاثة أيام متوالية كان آخرها يوم الخميس، ثم اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة وساير الطبقات على اختلافها في الجامع حتى غص بهم، وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصل وذاكر وداع، ثم صلوا الصبح وخرجوا جميعا على أقدامهم وبأيديهم المصاحف، والأمراء حفاة وخرج جميع أهل البلد ذكورا وإناثا صغارا وكبارا، وخرج اليهود بتوراتهم، والنصارى بإنجيلهم، ومعهم النساء والولدان، وجميعهم باكون متضرعون متوسلون إلى الله بكتبه وأنبيائه، وقصدوا مسجد الأقدام وأقاموا به في تضرعهم إلى قرب الزوال، وعادوا إلى البلد فصلوا الجمعة، وخفف الله تعالى عنهم، فانتهى عدد الموتى إلى ألفين في اليوم الواحد، وقد انتهى عددهم بالقاهرة ومصر إلى أربعة وعشرين ألفا في يوم واحد".

في المقابل، شخّص الطبيب الأندلسي ابن خاتمة الأنصاري هذا الوباء القاتل، وقال في هذا التشخيص: "وجدتُ بعد طول معاناة أنَّ المرء إذا ما لامس مريضًا أصابه الداء وظهرت عليه علاماته، فإن نزف الأول دمًا نزف الآخر، وإن ظهر في الأول ورم، ظهر في الآخر أيضًا في المكان نفسه، وإن تكوَّنت قروحٌ سال منها قيح في الأول، حصل للآخر مثله، وهذا سبيل انتقاله من المريض الثاني إلى الثالث". كذلك أشار الأندلسي إلى حال البلدان التي فرضت سياسة الحجر، وهي "حال البلدان التي حرص أهلها على أن لا يدخل إليهم أحد من بلاد الوباء وحافظوا على ذلك، أن استصحبوا السلامة زمانا حتى غُلبوا على ذلك".

يُبرز معرض "طاعون" الدور الذي لعبته طغمة خاصة من الأطباء حملت هذا اسم هذا الوباء في القرن السابع عشر. ضمّت هذه الطغمة أطباء من الدرجة الثانية غالبا ما كانوا يفتقرون إلى التدريب الطبي، وكان يُشار إليهم في فرنسا وهولندا بلقب "المجربين". ارتضى هؤلاء الأطباء ان يخالطوا المصابين، وارتدوا لهذا الغرض لباسا فضفاضا خاصا يتميّز بقناع ذو منقار طويل يُحشي بالأعشاب والطيوب الخاصة، وذلك لحمايتهم من انتشاء الهواء الموبوء الناقل للعدوى. في هذا الرداء الواقي، بدا الطبيب المقنّع اشبه بنسر الموت الذي يعيش على بقايا الجيف، وهي الصورة التي بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية.

ابتكر هذه الزي في عام 1620 شارل دي لورم، كبير أطباء العام الملك لويس الثالث عشر. وجرى استخدامه أولا في مدينة نابولي، ثم انتشر لاحقًا في جميع أنحاء أوروبا. تتكون البدلة الواقية من معطف صُنع من نسيج مشمع خفيف، وقناع له عيون زجاجية وأنف على شكل منقار يُحشى بالتوابل الخاصة كما أشرنا، إضافة إلى عصا على شكل قصبة يستعين بها الطبيب لفحص وتحريك المرضى، دون الحاجة إلى الاتصال المباشر معهم.

يظهر طبيب الطاعون بهذا الزي المخيف في عدد كبير من الأعمال الطباعية التي تعود إلى هذه الحقبة، وقد عادت أشهر هذه الأعمال إلى الواجهة في زمننا مع انتشار فيروس كورونا الحديث، وألهمت قبل ذلك عدداً من الفنانين الألمان الذين شاركوا في المعرض المقام في مدينة هيرنة.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020