فوائد كورونا: حياة جديدة تدبّ في السينما اللبنانية

حسن الساحلي

الأربعاء 25/03/2020
مع ازدياد حجم الإنتاج السينمائي الفني وغير التجاري في لبنان خلال السنوات العشر الماضية، إن كان لناحية أفلام الفيكشن أو الأفلام الوثائقية، ازدادت ضرورة إيجاد سبل جديدة للعرض، يمكن اللجوء إليها عوضاً عن المهرجانات السينمائية التي تعتبر مكان التواصل الوحيد مع الجمهور.

لا تنحصر وظيفة المهرجانات في العرض، بل هي فضاء للعاملين في السينما، تعزز فرص اللقاء وتوسع شبكات الدعم والتعاون والإنتاج، وهذه الشبكات تعوض غياب مقومات السوق الحقيقية. لذلك، في حالات كثيرة، يرتاد هذه المهرجانات حصراً المنتمون إلى الأوساط الفنية دون الشرائح الأخرى، وهي فضاءات لا يمكن التعويل عليها بشكل كبير من أجل إجراء تواصل حقيقي مع الجمهور. 

بعد 17 تشرين الأول، اعيد طرح موضوع التواصل مع الجمهور ضمن النقاشات التي تناولت نخبوية الفن وهيمنة المؤسسات على المجال الفني وديناميكياته (مع غياب جهة أو جسم يمكن أن يكون مرجعاً بالنسبة للمخرجين والعاملين في المجال). ومنذ أشهر قليلة، مع إغلاق "سينما متروبوليس" التي كانت قد أجلت أيضاً استكمال مشروعها الأرشيفي "سينماتيك"، أعيد طرح التساؤل نفسه، وأتى يومها بشكل متوازٍ مع تفكير المؤسسة في التحول إلى نمط من اللامركزية في عرض أعمالها.

لطالما واجه هذا السؤال المخرجين الراغبين في عرض أعمالهم، إن كان في عام إنتاجها أو بعد مرور سنوات على ذلك. نتحدث هنا عن بلد تغيب فيه منصات السينما البديلة والتلفزيونات المهتمة بالإنتاج الثقافي، ما أدى عملياً إلى موت أي فيلم بعد عام من عرضه للمرة الأولى، ولا يستثنى من هذه القاعدة سوى أعمال المخرجين المعروفين التي يعاد عرضها ضمن فعاليات استعادية (الأعمال التي أنتجت كـDVD تلقي إقبالاً خجولاً بسبب تراجع هذا الوسيط حول العالم وارتفاع اسعار الأفلام مقارنة بسوق الأفلام المقرصنة).  


عند تطور منصات المشاهدة عبر الإنترنت، على مثال "نتفليكس" وHBO و"سينموز"، لاحت فرص جديدة للحل. قامت مثلا شركة "إم ميديا" Mmedia بإتاحة أفلام عدد كبير من المخرجين اللبنانيين (وثائقي وفيكشن) عبر منصتها الخاصة، إلا أن التجربة لم تلبث ان توقفت بعد وقت قصير، لأسباب غير واضحة (ما زالت هناك إمكانية للإشتراك في المنصة لكن لائحة الأعمال لم تعد تزداد). يمكن الحديث أيضاً عما فعلته "أشكال ألوان" ضمن مشروعها الكبير لإتاحة ارشيف ثلاثين عاماً من الإنتاج الفني الذي ضمنته منصة تحت عنوان "عشرة" تتيح عبرها، كل ثلاثة أشهر، عشرة أفلام مجانا. ربما هي التجربة الأهم حتى الآن، التي حاولت الإستفادة من الإمكانات التي تقدمها الشبكة من أجل خلق نمط جديد من العرض يتيح الأعمال لفئات تقع خارج الأوساط الضيقة.

يعاد الإعتبار اليوم لهذه الحلول، بعد إصابة اقتصاد العرض السينمائي بالشلل التام بسبب أزمة فيروس كورونا. فلا سبيل إلى تنظيم المهرجانات وعرض الأفلام لوقت لا نعرف كم سيطول، وشاشة الكومبيوتر أو التلفزيون، تبقي الوسيط الوحيد لإجراء تواصل مع الجمهور.

لذلك قام بمبادة فردية، مخرجون ومخرجات، بإتاحة أفلامهم مجاناً أمام الجمهور، ضمن موجة أكبر، شارك فيها عاملون في الوسط الثقافي، لإتاحة أرشيف كتابي وبصري للجالسين في منازلهم. بعض هذه الأفلام أتيح بشكل مؤقت، كما الحال مع أفلام شركة قبوط للإنتاج، والتي انضمت إلى المخرجين وبدأت بإتاحة فيلم من إنتاجها كل ثلاثة أيام، وبعض الأفلام أتيح لوقت غير محدد. طبعاً، نتكلم هنا عن جهات تمتلك حقوق النشر/البث، ما ينطبق على المخرجين الذين انتجوا الأعمال أو الشركات التي ساهمت في ذلك.


من الأفلام التي اتيحت "ميل يا غزيل" لإلهان الراهب، "إنت عمري" لهادي زكاك، "هدنة" لميريام الحاج، بالإضافة إلى أربعة أفلام من إنتاج "قبوط" كانت قد عرضت العام 2017 خلال افتتاح أسبوع المخرجين في مهرجان "كان" السينمائي. قام أيضاً مهرجان "إدفا" للأفلام الوثائقية IDFA بإتاحة جميع الأفلام التي شارك في إنتاجها خلال السنوات الماضية ومن بينها أفلام لمخرجين لبنانيين وسوريين. 

بسبب هذه المبادرات، بدأ الجمهور بالتعرف اكثر على الموجة السينمائية التي بدأت في لبنان منذ عقد ونيّف (مع توسع الإحتمالات الإنتاجية مع دخول مؤسسات مثل "آفاق" و"المورد الثقافي"). ما يعني تعزيزاً للمناقشة والحوار، وتوسعاً في حدود الفن السينمائي إلى أبعد من القاعات والمهرجانات الضيقة. 

يبقى مستغرباً أننا انتظرنا حصول الكارثة حتى نحوّل البديهي إلى واقع، وربما في حال استمرار الكارثة لوقت أطول ستنبثق وسائط أكثر تنظيماً للتواصل بين الجمهور والمنتجين السينمائيين في لبنان، تعيد الإعتبار لحقوق المنتج والمخرج، وتؤمن تجربة أفضل للعرض من ناحية الجودة الصوتية والبصرية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020