اللمبي بالفصحى: الترجمة داخل اللغة

شادي لويس

الجمعة 24/04/2020
توفّر "نتفليكس" خاصية الترجمة على الشاشة لموادها المعروضة، بعضها تُرجم إلى لغات عديدة أخرى، وكثير منها باللغة الأصيلة ذاتها لصالح ضعاف السمع. المنصة الترفيهية العابرة للحدود والعابرة للغات أيضاً، لا تكتفي بالمساهمة في إنتاج ذائقة شبه موحدة ومركزية حول العالم، ولكل منطقة ثقافية على حدة، بل وعرضاً أيضاً تخوض في حقل ألغام سياسات اللغة.

أفلام محمد سعد، "اللمبي"، ليست وحدها المترجمة إلى الفصحى في "نتفليكس"، لكنها دون غيرها ما لفتت الانتباه والسخرية قبل أيام. المفارقة الحادة بين لغة اللمبي العامية والسوقية والمشوهة عمداً، وبين الترجمة المكتوبة بفصحى متكلفة على الشاشة، سبب أكيد للضحك. يبدو الأمر وكأنه مقصود (مع إنه ليس كذلك بالطبع) لتحقيق درجتين من الكوميديا، واحدة من نَصّ الحوار الأصلي، وواحدة من تشوهات الترجمة المكتوبة. المفارقة ليست في الانتقال من العامية إلى الفصحى، بل بالأحرى في اختيارات المترجم: "يا عم" تتحول إلى "يا صاح" مثلاً، و"في إيه؟" إلى "ما خطبكم؟"، على خطى ترجمات "أنيس عبيد" للأفلام الأميركية، تلك التي وضعت نظامها الخاص والانتقائي للفصحى على مدى عقود، وأنتجت تصورات بعينها عن العربية لدى الجمهور العريض، جيلاً بعد آخر، بل وأيضاً لدى الكثير من المترجمين.

في تقسيمته الثلاثية لأنواع الترجمة تلك، والتي سادت الأقسام الجامعية طوال نصف قرن على الأقل، يضع رومان ياكوبسون، رائد اللغويات البنيوية، "الترجمة داخل اللغة" كنوع مستقل بذاته، لا كعبور بين لغتين كترجمة كما نفهمها بشكل عام، بل كاجتياز للحدود الداخلية للغة نفسها، تحويل العامية إلى فصحى والعكس، والنص القياسي التراثي إلى نص قياسي معاصر، ترجمة الأكواد اللغوية المتخصصة (العلمية مثلاً) إلى نصوص مقروءة للعامة، تبسيط المفاهيم المعقدة للأطفال، هذه كلها ترجمات داخل اللغة تحدث أحياناً بشكل يومي، وتتأسس كل منها على بُنية معقدة من الافتراضات بخصوص اللغة نفسها، والنص، والجمهور المستهدف.  

المثير في الأمر هو أن كوميديا محمد سعد تحديداً، ورغم سطحيتها الظاهرية، تلعب كثيراً على هذه الحدود الداخلية للغة. فمحاولات اللمبي الكثيرة والمشوهة للحديث بالفصحى، والتي تنتهي دائماً بالفشل، تقدم صورة واحدة من تلك الألعاب وأكثرها بساطة، وتذكرنا وتؤكد تلك الهوة الواسعة بين الفصحى والجمهور، وبالأخص لدى الطبقات الدنيا. في مسلسل "فيفا أطاطا" (2014) من بطولته أيضاً، تزعزع الحلقات المتتابعة، وبسخرية حادة، مجمل التاريخ السينمائي المصري، والأحداث التاريخية التي تتناولها أفلامه، بداية من الجاهلية، مروراً بالعصر المملوكي، والنضال من أجل الاستقلال، وصولاً إلى ثورة 1952. وبالإضافة إلى تعمد نزع الوقار عن الرصيد الوطني والهوياتي، تلعب الحلقات على المسافة بين "العربيات" المختلفة، على ما يمكن أن يفهمه عرب الجاهلية من عامية "الشاعر اللمبي" الآتي من الحاضر وما يفهمه هو منهم، وإمكانية التواصل بينهم. في النهاية ينبهر القدماء بلغة اللمبي، ومفرداته الطازجة والغريبة التي لم يسمعوها من قبل (والكثير منها مختلق)، ويتوج أميراً للشعراء في سوق عكاظ. هنا تنقلب التراتبية اللغوية التي لطالما وضعت التراثي والفصيح فوق المعاصر والعامي. في الحلقات التي تتناول فترة النضال ضد الإنكليز، تلعب الكوميديا على الفوارق داخل العامية نفسها، عامية أفلام الأربعينات والخمسينات، حيث تقول البطلة "أنا أعبدك أنا أعشقك" بتكلف شديد وتفخيم مبالغ فيه لمخارج الألفاظ، وعامية اللمبي الذي يعلق ممتعضاً: "هما بيتكلموا كده ليه!"، ونضحك لأننا نتفق معه. هكذا، يظهر أن للعامية نفسها حدودها الداخلية الكثيرة، الزمنية والجهوية والطبقية. 

في تقسيمة رومان ياكوبسون، النوع الثالث من الترجمة هو الترجمة السيميوطيقية، أي تحويل النص من نظام للعلامات إلى نظام آخر، مثل تحويل النص الصوتي إلى كتابة والعكس، أو الكتابة إلى لغة الإشارة أو إلى رسوم. إذاً، كيف أضحت ترجمة سيميوطيقية في "نتفليكس" إلى ترجمة داخل اللغة في حالة اللمبي؟ أي كيف انقلبت عملية تحويل حوار الفيلم المسموع إلى نص مكتوب، إلى عملية ترجمة من العامية إلى الفصحى؟ هل افترض القائمون على المهمة أن العامية لا تُكتب؟ أو ليست جديرة بالكتابة؟ أم افترضوا أن العامية المصرية لا تتمتع بصفة القياسية، أي لن يفهمها متحدثو اللهجات الأخرى؟ ولماذا جاءت اختيارات الترجمة هكذا، كنكتة غير مقصودة؟ وكأنها ترجمة تمّت عبر لغة ثالثة؟ لماذا، بدلاً من أن يعتمد المترجم على المشترك بين العامي والفصيح، مال إلى توسيع الهوة بينهما؟ تثير تلك الأسئلة، تساؤلات أوسع عن اللهجات والعربيّات الفصيحة وعلاقتها بعضها ببعض، وعن المؤسسات التي تنتجها، عن سياسات الترجمة المكتوبة والدوبلاج، وعن الإصرار المنهجي والطويل على نفي الفصحى بعيداً من اليومي والعامي والبسيط، وكأنها لغة أخرى تماماً، غريبة وأجنبية. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020