"يا ليل يا عين": زمن بيروت والقاهرة والقدس.. ونجماته

محمد حجيري

الثلاثاء 17/01/2017
منذ سنوات، تجاوزت الفنانة اللبنانية لميا زيادة، نشاطها التشكيلي، لوضع كتاب مصوّر بعنوان "وداعاً بابل" صدر العام 2010 عن دار "دونويل" الباريسية، وروت فيه بالنص والرسوم سنوات طفولتها خلال الحرب اللبنانية بين العامين 1975 – 1979، وعبرها ذكريات اللبنانيين جميعهم، من "معركة الفنادق" في وسط بيروت، إلى "السبت الأسود" وغيرها، وأعادت الكرّة بكتاب بعنوان "يا ليل يا عين"، وهي رواية مصورّة بالفرنسية(*) تنهل من عمق حياة بعض الشخصيات الفنية والسياسية العربية، وهو كتاب بوجوه كثيرة، أو بيت بمنازل كثيرة، يروي مقتطفات من المرحلة "الذهبية" والدرامية والاستخباراتية والاستعمارية والقلقة والزاخرة و"الزمن جميلية" في المشرق العربي...

وصيغة الكتاب تجذب القارئ، فهو محطات عن شخصيات مرفقة بالرسوم، كل شخصية في الكتاب يمكن أن تكون مادة لكتاب بذاته. فيه ملاهي القاهرة، الاستوديوهات، الفيلّات، الكازينوهات، الأزواج، العشّاق، الكحول. فيه الغناء، الموسيقى، الصوت، والمجد. فيه الجرأة، العبقرية، المغامرة، والمأساة. فيه شعراء وأمراء، راقصات. فيه الفلاحة الآتية من دلتا النيل والأميرة الدرزية الآتية من سوريا، ابن المؤذّن والمطرب الوحيد، النجمة اليهودية والعقيد البطل. نور الهدى، صباح، فيروز... نجوم الشرق، بديعة مصابني، روز اليوسف، وأمجادهما في القاهرة، الأولى في الرقص والثانية في الصحافة. فيه صالات السينما في بيروت، قصور دمشق، أرصفة ميناء الاسكندرية، شوارع القدس، وبلاط بغداد. فيه صوت العرب، وفيه الفنادق الأسطورية، "السان جورج"، "الملك داوود"، "الأورينت بالاس"، "مينا هاوس". فيه سقوط الأمبراطورية العثمانية وفيه حرب فلسطين، فيه تأميم قناة السويس وهزيمة 1967... مع رسوم قد تبدو منفذة بالحبر أو بمادة الباستيل، لكنن زيادة أنجزتها كلها بمادة "الغواش" (ألوان مائية غير شفافة)، والتي تشكل أفضل خيار لاستحضار ألوان وأنوار ومناخ مجتمع عربي كان ثرياً بثقافاته وانفتاحه، والرسوم الغزيرة المرافقة للنص تساهم بقوة في عملية السرد.  

"يا ليل يا عين".. هذه العبارة التي يستهل بها العرب مواويلهم وأغانيهم، هي للدلالة على الفنّ والآهات الليلية. وحول طريقة تشييدها كتابها، تقول زيادة إنها بدأت أولاً بخط بورتريهات للمطربات، قبل أن تتسع شبكتها تدريجياً لتشمل الخلفية التاريخية لحياتهن، كالصراع ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي، ونفي الملك فاروق، وتأميم قناة السويس، ووفاة عبد الناصر... القاهرة هي أساس الكتاب، وإن كانت المؤلفة تنطلق في الكتاب من جملة "كان ذلك فجر أحد أيام تشرين الثاني العام 1917. تهادت سفينة وسط الضباب داخلة مرفأ بيروت تحمل مسافرة مميزة، طفلة (أسمهان) ولدت على متنها أثناء الرحلة". كانت القاهرة في نهاية العهد العثماني مقصداً للمغنيات والمغنين من الشام ولبنان، الباحثين عن الأحلام والشهرة، ومن قبل كانت مقصداً للصحافيين والكتّاب. والقدس كانت محطة بينهما. كثيرون من لبنان وسوريا صنعتهم القاهرة، وهم ساهموا في صناعة مجدها (من أسمهان إلى بديعة مصابني وصباح)، ومَن كان يغني في القاهرة لا بدّ أن تكون له جولة في بيروت وجبل لبنان.

كتاب لميا زيادة مسار طويل. في البداية، أرادت المؤلفة كتابة قصة أسمهان: "كان في نيتي بداية أن أكتب عن أسمهان، الأميرة الدرزية والنجمة التي بقيت حياتها غامضة تلفها الألغاز والتي توفيت عن 27 عاماً، ولما غُصت في تفاصيل الحقبة ونجومها، أخذتني الكتابة في منحى آخر واكتشفت هذا العالم المليء بالعزف والغناء والسينما". تستقبلنا بدايةً، ولادة أسمهان على متن باخرة أقلّت أسرتها من تركيا إلى بيروت. وسنتابع تفاصيل حياتها، المتداخلة مع سير أخريات وآخرين، حتى تتحقق "نبوءة العراف" بحادثة غرقها الغامضة في ترعة.

وثمة مقاطع تسرد فيها المؤلفة علاقتها وعلاقة أسرتها ببعض الفنانين: "أمضيتُ طفولتي ومراهقتي في شارع صغير من حي مار نقولا في بيروت. وفي طرف هذا الشارع، عند زاوية التقاء طريقي طلعة العكاوي والرينغ، وعلى بعد مئة متر من منزلنا، كانت تقع فيلا أسمهان، بمهابتها (...) في هذا المنزل عاشت أسمهان تحت الإقامة الجبرية بعدما أسرها الإنكليز العام 1943 عند الحدود السورية التركية (...) إذا بحثت اليوم عن فيلا أسمهان في بيروت فلن تجدها. فبعدما صمدت  في الحرب، اقتُلعت، هي والأشجار التي كانت تحيط بها، في تسعينات القرن الماضي، ليشيد مكانها المقاولون العقاريون مباني من معدن وزجاج، ومكاتب وحوانيت". وأسمهان التي فعلت العجائب، كانت أملاً كبيراً في تجديد الغناء، وتدخلت في السياسة وسحرت السياسيين، وماتت في عمر مبكر، وما زال الغموض يكتنف فصولا كثيرة من حياتها وظروف وفاتها.

أحسب أن كل فنانة أو فنان من الفنانين الذي كتبت عنهم لميا زيادة، يمكن أن يكون سيرة للمشرق العربي. و"سحر" هؤلاء، كثيراً ما يكون في بداياتهم قبل مجدهم. وهناك بدايات أم كلثوم، الآتية من طماي الزهايرة، وهي تغني بزيها الفلاحي. تأتي عبقريتها من صرامة التربية التي تلقتها ومن طبعها المجتهد. مَن يقرأ الآن ما كتب عن بداياتها سيضحك، فبعدما غنت أم كلثوم في الصالونات "انطلقت حملات الاستهجان والهجمات من كل صوب، وبلغت ذروتها في ربيع العام 1926". فكتبت مجلة روز اليوسف: تلقينا مؤخراً رسالة من أحد القراء يتساءل فيها عن سر وجود مرافقي أم كلثوم المعممين معها طوال الوقت، متمنياً على المغنية الشابة أن تستبدلهم بتخت موسيقي". وكتبت مجلة "المسرح": "المشكلة هي في الفلاحين الذين يحيطون بها كتماثيل من حجر". حتى ان المؤلفة تروي مقطعاً عن حضور جدها حفلة لأم كلثوم: "اصطحب الصديق جدّي (تقصد صديق جدها من مصر) الى حي الأزبكية ليحضرا حفلة تلك المغنية الجديدة (أم كلثوم) التي يقال في المدينة إنها ذات صوت فريد. وعند الخروج من الحفلة راح الصديق يقدم اعتذاراته. فكل ما أراده هو أن يبهر صديقه بجعله يعيش ليالي القاهرة الصاخبة! صحيح أن هذه المغنية تتمتع بصوت وغناء لا مثيل لهما، لكنهما في منتهى التزمّت"... لم يعهد جمهور القاهرة هذا التزمت. لقد اعتاد منيرة وتوحيدة وفتحية... هو جمهور يتوقّع سماع مطربة جميلة وجذابة، بل ذات نزعة اغرائية، تأسره بسحرها وخفّة دمها وغنجها: "إرخي الستارة اللي في ريحنا خلي عيونهم تدبحنا!" من العبارات التي كانت تتردد كلازمة آنذاك على بعض خشبات المسرح في القاهرة. لكن المغنية التي كانت في القرية ابنة مزارع، لم تعد هي نفسها حين أتت الى القاهرة. وصارت الشابة التي كانت تشمر عن ذراعيها لتأكل بيديها، تستعمل الآن السكين والشوكة وترتدي فساتين الكريب دو شين"... على أن التغيير السينوغرافي اللافت كان على مستوى آخر، فقد تمكنت أم كلثوم من استبدال عائلتها من الفلاحين بفرقة موسيقية رائعة، وتخت باهر. وعاشت منافسة شرسة مع فتحية أحمد ومنيرة المهدية...

بين أسمهان وأم كلثوم تتوالى في الكتاب مجموعات من الصور والمخطوطات والأسماء اللامعة. من صانعة الشهرة والرقص بديعة مصابني التي "شقت طريقها منذ ان قفزت من ذاك القطار الذي كان يفترض أن يعيدها إلى بيروت"، الى الراقصات تحيّة كاريوكا وسامية جمال، وممثّلات مثل ليلى مراد كنجمة سينمائيّة في الأربعينيّات "رغم من ديانتها اليهوديّة" وقد اختارتها أم كلثوم العام 1953 كي تكون المغنية الرسمية للثورة المصرية، ورفضت ليلى مغادرة مصر بعد العدوان الثلاثي، مثل الكثير من أبناء طائفتها (اليهود) واعتنقت دين الإسلام. وهناك مطرب الأجيال محمّد عبد الوهاب المعروف بخفّة ظلّه وارستقراطيته وروحانيته وعبقريته كمجدّد في الموسيقى العربيّة ويلقّحها بنكهات غربيّة وأميركيّة جنوبيّة، و"كفاحه" بأغانيه الوطنيّة ضدّ الاستعمار. وفريد الأطرش، وهو أوّل مَن أدخل غناء الأوبريت إلى السينما العربيّة. أيضاً اشتهرت روز اليوسف كصاحبة صحيفة، وتحولت عزيزة أمير وفاطمة رشدي وآسيا داغر وماري كويني، الى نجمات سينما وصاحبات شركات انتاج في عشرينات القرن الماضي (...) حققن أحياناً ما عجز الرجال عن تحقيقه، بعد أن تحدين المجتمع لإرواء شغفهن وعيش حياتهن كما يجب"...

وكانت القاهرة أيضاً على موعد مع طلائع الناشطات النسويات ضد الإنكليز، "غالبا ما فكرت عليا الأطرش (والدة أسمهان)، وهي تعمل على ماكينة الخياطة، في ضرورة انضمامها الى حركة هدى شعراوي، تلك المرأة التي تناضل منذ سنوات من اجل قضية المرأة المصرية، لم تكن شعراوي ممثلة ولا مغنية بل كانت مثلها من علية القوم، كونها ابنة باشا". وبالنسبة إلى شعراوي، لم تكن مسألة الحجاب هي الأساس، بل كانت عندها أولويات أخرى، كحق المرأة في التعلم وفي العدالة. وبعد سنوات وجدت في أم كلثوم الشخصية التي جسدت معاركها".

تذكرنا المؤلفة أن أول منتجين سينمائيين في مصر كانوا نساء، وأن الملكة نازلي التي زُوجت في سن الرابعة عشرة إلى الملك فؤاد، عاشت بعد وفاته حياة ماجنة وأمضت لياليها في كباريهات القاهرة، وعرفت عدداً من العشاق، قبل أن تتزوج واحداً منهم في السر. وفي الواقع، يتبين لنا في الكتاب أن معظم الفنانين في القاهرة، رجالاً ونساء، كانوا يعيشون بالطريقة نفسها، مراكمين العشاق ومسرفين في السهر والشرب، أحياناً بطريقة انتحارية، كما هي حال أسمهان مثلاً، أو صباح التي تزوجت عشر مرات، أو تحية كاريوكا التي تزوجت أربع عشرة مرة.

وفي لبنان، عدا عن صباح ونور الهدى وأسيا داغر، اللواتي اشتهرن في القاهرة ولياليها، كانت فيروز النجمة المتألّقة في تراث الرحابنة والفنّانة اللبنانيّة التي لم تمتدح أحداً في مسيرتها الفنيّة. تنقل المؤلفة مشهداً يوم رأتها في متجر جدها "دخَلَت يوماً متجر جدي في سوق الطويلة وكنت أنا موجودة. كان هذا بداية السبعينات. ومع أنني لا احتفظ من تلك المرحلة الا بذكريات مبهمة، اذ كنت في حوالي الخامسة من عمري، بقي ذلك النهار الربيعي المبارك محفوراً إلى الأبد في ذاكرتي".

لا يمكن بمقال واحد عرض كتاب عن عشرات الفنانين والفنانات، فهو بالفعل ألف حكاية وحكاية، وهو كتاب لطيف في أوقات تزجية الوقت للإضاءة على الزمن الغابر.


(*) "يا ليل يا عين/القاهرة، بيروت، دمشق، القدس" للميا زيادة، عن "هاشيت أنطوان"، ترجمة جان هاشم.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021