فرنسوا دو سميه: الدِّين لعبة في كازينو الربّ

روجيه عوطة

الأحد 24/05/2020
لا يمكن قراءة الكتاب الجديد للفيلسوف البلجيكي فرنسوا دو سميه، Deus Casino، من دون التنبه إلى كونه ينطوي على غيره، أو بالأحرى يتصل به، أي Homos Ludens للمؤرخ الهولندي يوهان هويزنغا، الذي يتناول فيه علاقة اللعب بالنشوء الحضاري. فعلياً، قراءة كتاب دوسمي، وعلى طولها، تحيل إلى تأكيد هويزنغا على كون الحضارة، بمبناها الثقافي في عمومه، لا تستقر على حالها سوى بالإستناد إلى اللعب: "لا تولد من اللعب، كثمرة مقطوفة من نبتتها، إنما تتمدد في اللعب، وعلى نحوها كونها لعباً".

على أن دو سميه يضيف بدوره، وهذا موضوع كتابه، أن الأديان، أو العمران الديني هو أيضاً ينم عن المنشأ، وفي المنشأ نفسه، أي عن اللعب وفيه. إذن تاريخ الإيمان في ذلك العمران، وبحسب دو سميه، هو تاريخ منقسم بين الجدية، بمعنى العصب والشدة، واللهو، بمعنى المرح والدعابة، بين المؤمنين على أساس الأولى، والمؤمنين على أساس الثاني. لكن، هذا لا يعني أن التاريخ إياه كان على انقسامه دوماً، على العكس، في بدئه، كان لهواً، ولكي يتواصل، أي في وسعه، كان كذلك أيضاً، قبل أن ينقلب إلى الجدية.

تعليلاً لهذا الطرح، وبطريقة دقيقة، يتوقف دو سميه حول دين بعينه: الـ pastafarisme، الباستافارية (من باستا، ورستفارية). أطلق هذا الدين في العام 2005 في الولايات المتحدة الأميركية من قبل بوبي هندرسون، الذي كان طالباً في جامعة ولاية أوريغون، قسم الفيزياء، ويبلغ من العمر 24 سنة. إذ بعث برسالة إلى اللجنة التعليمية متحدثاً فيها عن وحش السباغيتي الطائر، الذي كان قد خلق الكون، وهذا، بعدما شرب الكثير من الكحول، ولذا، لم يوقف كثيراً. بالتالي، جعل هندرسون من وحشه ربّاً، وبعد وقت قليل، نشر إنجيل ديانته، مصوراً إياه داخله كطائر مؤلف من المعكرونة وكُرات لحم، واصفاً إياه بكونه لبقاً، ومضحكاً.

كانت رسالة هندرسون، في أساسها، رداً على حجج التصميم الذكي. إلا أنها سرعان ما صارت بمثابة دعوة إلى الايمان بالرب الجديد، الذي بدأت قصته تنتشر بين الشبيبة، ثم تحولت إلى عقيدة معترف بها كدين في العديد من البلدان، وبالتالي، تحول هؤلاء إلى الآلاف من الأتباع. فولد المعكرونيون الذين يحتفلون بعيد المعكرونة، وبعيد العجين، والذي ينظمون سنوياً مؤتمراً ليتناولوا فيها هموم جماعتهم. كل هذا، بطريقة فكاهية للغاية، لا سيما أن محور عقيدتهم هو محاكاة الأديان بطريقة ساخرة.

بعد سرده لنشأة دين المعكرونة، يجد دو سميه أنه، وعلى الرغم من كونه بمثابة تهكم على الأديان، غير أنه سرعان ما صار منها، وفي النتيجة، لا بد من الاستفهام عن السبب: طالما أن كل الأديان جدية، ما الذي يجعل ديناً يقوم على السخرية منها، ينتمي إليها، أو يصير من عدادها؟ بالنسبة إلى دو سميه، ما يجعله على هذا المنوال هو كونه ديناً لاهياً، فكاهياً، بحيث أن المزاح لأتباعه هو بمثابة طقسهم المستمر. ولا يتوقف دو سميه هنا بالطبع، بل يجمع سِمات دين المعكرونة، الواحدة تلو الأخرى، على اللعب: الدين يصير ديناً حين يكون ملعوباً.

في هذا السياق، يشير دو سيمه إلى أن اللعب هو قوام الدين، بحيث أن المؤمنين هم لعيبة، لكنهم نسوا ذلك، أي نسوا أنهم يلعبون. ففي حال كانت الدنيا مجرد فحص، كما تصورها الإرادة الدينية، فالفحص، لا يمكن أن نجتازه ولا نتحمله لولا أننا، وفي الأصل، أصل فكرته، قد تلقيناه كلعبة. وهذا الأصل، ينسحب أيضاً على الرب، الذي، وحتى لو كان صانع اللعبة، الا أنه شريكنا فيها، أو صديقنا الذي يريدنا أن نفوز. بالإضافة إلى أن سؤال وجوده، ليس قابلاً للطرح سوى كلعبة أيضاً، كلعب على الاحتمالات والبراهين. الرب لاعب، كما أن وجوده ملعوب، عدا عن أن اللعب والجد يستقران فيه جنباً إلى جنب، من دون أن يلغي واحدهما الآخر.

على طول مبحثه، الذي يتناول فيه الدين المعكروني، ومعه الأديان السماوية، يبدو دو سيمه منشغلاً بسؤال متعلق ببقاء هذه العمران الديني قَيد التشييد، في حين أن العمران العلمي يحتل مكانه. فكيف من الممكن للدين أن يبقى، في ظل اجتياح العلم؟ يربط دو سيمه بين الدين والحداثة. فيرى أن الأول، ولأنه نسى أنه من اللعب أتى، فهو على عكس الثانية، التي حاولت استدخال اللعب بوصفه نمط وجود، بالتفجير التخييلي، بالتسلية. هذا ما يجعل الدين مزعجاً، وهذا ما يجعله على علاقة مع اللعب، علاقة نسيان إذا صح التعبير، لكنها أمتن من علاقة الاستدخال: وحده الدين أخذ اللعب على محمل الجد إلى درجة نسيان طبيعته. وفي هذه الجهة، يبدو دو سميه وكأنه يحض الدين على تذكر أنه من اللعب جاء، وأنه الى اللعب لا بد أن يرجع، في حال قرر ألا يتلاشى بفعل الضغط الحداثي. وبعودته الى اللعب، يبدأ في التحول، وعلى قول مارك أليزار، إلى "دين الخروج من الدين"، فهذا وحده ما ينقذه. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020