لبنان 2019... ألق "الهيلا هو" ولعنة الدولار

محمد حجيري

الثلاثاء 31/12/2019
 مع نهاية سنة 2019، يمكن القول إن انتفاضة 17 تشرين سرقت كل ما قبلها، وألغت كل النشاطات التي كانت مقررة وقت حدوثها. لا يكاد المرء، بشكل تلقائي، يذكر احداثاً حصلت عام 2019 قبل يوم انطلاقة الانتفاضة، واذا ما ركز قليلاً أو عاد إلى الارشيف، سيجد أنه عام الحرائق في جبل لبنان، ولاحقاً عام الغريق من بيروت إلى الناعمة والدامور، وما بينهما عام العارضة كانديس والـ16 مليون دولار، وجولات جبران باسيل وفتنه المتنقلة، وسعار أحفاد القرون الوسطى ضد "مشروع ليلى" في مهرجان جبيل، وفضيحة عامر فاخوري، وزيادة العاطلين عن العمل واغلاق المؤسسات، ليس أقلها انهيار المنظومة الحريرية مع قفل تلفزيون "المستقبل" وتشرّد موظفيه...  


كانت انتفاضة 17 تشرين بلا رأس، وضد كل شيء، هي انتفاضية "جذمورية" إذا جاز التعبير، والجذمور هو أشهر المفاهيم التي نحتها جيل دولوز في كتاب "ألف ربوة"، ووضعه نقيضاً لصورة الشجرة والجذور. الجذمور هو الساق الدفينة في التراب ينمو أفقياً، بخلاف الجذور. وكل موجود- وفق فلسفة الحدث الدولوزية- هو جذمور، أي تعدد وتوليف، وترابط ظرفي حركي يتحقق دون مبدأ قارٍ أو غاية تحكمه، وآلة عابرة لا يتحدد معناها ودلالتها إلا مجالياً، أي في حدود ما تمنحه تفاعلاتها وأطرافها المتحاورة"(*). واذا كان الحكومات شجرية في جوهرها، وفق المفكّر الايراني داريوش شايغان، تبعاً لمواقفها المتشددة وثقلها الذي يمنعها من الحركة، فإن المجتمعات هي في تنوع دائم وترحال متزايد، وترصف معا عدداً كبيراً من العناصر المتباينة من دون أن تُلغي مع ذلك قدرتها على توليد طفرات جديدة. لا أدري إن كان اسقاط هذا الكلام الأخير بمجمله ينطبق على لبنان وانتفاضته، وهو يتشكل من مجتمعات وليس مجتمعاً واحداً(جمهور المقاومة، المجتمع المسيحي، الشارع، أهل السنّة، المجتمع المدني، طرابلسي، بيروت، جنوبي، بعلبكي، كسرواني) وحكومته، حكومات وليس حكومة واحدة(حكومة باسيل، حكومة الحريري، حكومة حزب الله وحركة أمل، حكومة وليد جنبلاط..). الانتفاضة اللبنانية في بدايتها عاشت طفرة كبرى، كأن كل ما يكتب في الفايسبوك والتويتر هبط إلى الشارع، أو تحوّل الشارع إلى فايسبوك ميداني من لحم ودم وليس مجرد عالم افتراضي، قلنا إنه "هايد بارك" لبناني بعد عقود من سياسة الرعايا ومنطق القطيع والحظائر، شهدنا شتائم بلا سقف، ومطالب بلا حدود، ومطالب هي الحد الأدنى من الحقوق، الكل بات يمكنه أن يعبّر، كل فرد يمكنه أن يحدث صدمة في الرأي العام، أن يتّهم، أن ينتفض، أن يعري النظام الحاكم وشخصياته، ولكن...


القول العالي 
انتعش الناس في القول العالي النبرة والتفاؤل المفرط في الاحتجاج على التسلّط ونظام المحاصصة، وحتى على بعض مكونات الانتفاضة، فكثيرون حاولوا تسلق الموجة(هيئة التنسيق، شربل نحاس)، فكانت تعليقات الفايسبوك الحادة والصاخبة بانتظارهم وأدت إلى كبحهم. اخترقت الانتفاضة غيتو الثنائي الشيعي لأيام أو أسابيع، واستقطبت الطبقة الوسطى، والجامعيين والفقراء والمهمشين، اعادت حازم صاغية الى الفايسبوك ليعلق مندفعاً في ثوريته معتبراً أنها لحظة تأسيسية، والياس خوري الى الميدان والوعد بالانتصار، ومارسيل خليفة إلى "يا بحرية" مع جولات ميدانية، واحمد قعبور إلى "اناديكم" من الفاكهة إلى صور، وأحمد بيضون إلى البحث عن تعبير "المناهبة"، وعقل العويط إلى التحرك اليومي والغاضب، وشوقي بزيع إلى الحماسة الثورية من دون زملائه الشعراء، وكريم مروة إلى الحيوية الحلمية، وحده زياد الرحباني آثر الصمت والتفت حوله الشائعات....

وعدا الطفرات الثورية كانت لحظة تأجيل المشاريع بامتياز، أُلغيت أحداث ثقافية محورية، تحصل عادة في موسم الخريف، سواء أكانت ثقافية أم فنية ام سينمائية أم مسرحية. صارت الساحات والتقاطعات محجة الزوار بدل قاعات المعارض صالات السينما والمنتديات، ألغي برنامج "أشكال ألوان" في سن الفيل، ولم يخل مشهد الجدران في وسط بيروت من غرافيتي ضد الفن المعاصر والفن الممول من المصارف... وتمّ تأجيل معرض بيروت للكتاب العربي إلى شباط وسرعان ما ألغي، وأطيح بمسابقة ملكة جمال لبنان، لم ينتظر جمهور التلفزيون ثياب البحر ولا هوية "الملكة"، بينما كانت صور نساء الانتفاضة تشغل العالم العربي سواء من خلال التمجيد الجمالي او التنمر الذكوري، وطار ماراتون مي خليل ومهرجان أرز ستريدا جعجع، والكثير من المهرجانات ونشاطات الأندية...
 
غرقت الاراء والتصريحات بالآمال الكبيرة، كما "غرقت" جدران السوليدير "النظيفة" بتعابير الغرافيتي العشوائي والمنظم، وتعابير هي فروع لشعار "كلن يعني كلن"، ضد المصارف ضد السلطة، ضد زعماء الطوائف، ضد الرأسمالية، ضد اميركا، ضد جوليا بطرس، اختلط حابل الشيوعية بنابل المجتمع المدني، شعارات تذكرنا بالصراع الطبقي، وأخرى تقول "طريق القدس لن يمر في جسر الرينغ"..وفي الانترنت انتشرت بعض لوحات البوب آرت التي تجسد الانتفاضة، سواء الفتاة التي تركل مسلحاً تابعاً لأكرم شهيب، أو للفتاة التي تتعرض للضرب على يد همجي من حزب الله. وهناك بعض الأغاني التي لم تعش طويلا، وبعض المجسمات، منها قبضة الثورة الخشبية التي اُحرقت وأعيدت معدنية، أو طائر الفينيق الذي صُنع من بقايا الخيم المحروقة بعد غزوات الهمج، أو "الثورة أنثى" المصنّع مع بقايا عبوات المشروبات الغازية والبلاستكية... انتجت الانتفاضة ثقافتها الخاصة ولغتها، من الفنون إلى التعابير إلى الضرب على الطناجر، والاحتفالات المدنية بمناسبة الاستقلال. أدخلت جيلاّ جديداً وفتياً في مواقف سياسية ثورية، أعلن قطيعته من زعماء الأبد الطائفيين مستخدماً أسلوبه في ابداء الرأي والاحتجاج... من البدايات كان الأبرز هتافات الهيلا هو.... الايقاعية التي ولدت في لحظة التلاقي، وصلت إلى أروقة مجلة "تايم" وهزت عروش السياسيين، من جبران باسيل وعمه الى حسن نصرالله وحزبه وما بينهما بري والحريري وجعجع وجنبلاط... أيضا حاول الناشطون في البداية تقديم صورة حضارية عن انتفاضة ناعمة سواء لناحية فرز النفايات أو الشعارات، سرعان ما اصطدمت بطواغيت الطوائف والممانعة والتحريض، إذ أُلغيت ندوات، وترافق ذلك مع حملات تخوين ودعوات الى القتل بكاتم الصوت، في عمق الضاحية الجنوبية. 
 
وأظهرت الانتفاضة هشاشة "الامبراطوريات" الإعلامية اللبنانية، اذ لم تمض أسابيع قليلة على التحركات حتّى أعلنت المؤسسات خفض رواتب الموظفين. ضُيّق على الاعلامية ديما صادق حتى استقالت من المؤسسة اللبنانية للارسال، ودخل الاعلامي الاسدي سامي كليب في دائرة العراضة من خلال النزول الى ساحة الشهداء ورياض الصلح، وخرج من قناة "الميادين". و"تمرّد" خمسة صحافيين على هجوم جريدة "الاخبار" على الانتفاضة واستقالوا، بينما واصلت الجريدة تحريضها على الندوات والشخصيات الثقافية...   

أسطورة المصارف الزائفة
وعدا ثقافة الانتفاضة وأسطورتها اليومية، انهارت "أسطورة" المصارف الممجّدة من مهندسي النظام اللبناني منذ الاستقلال، بل منذ الانتداب الفرنسي. انهارت أسطورة بائسة كانت تُسمى العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وتحولتْ حبل مشنقة على رقاب المواطنين. كنا نسخر من الذي يضع أمواله في "قجّة" في منزله، صرنا نسخر من الذي لديه المال في المصارف. بات المصرف يعطي جزءاً هزيلاً من رواتب الموظفين، كأنه يعطينا إعاشة، "عم يشحدونا شحادة" هذا المثل يطبّق بحذافيره. تحولت المصارف اشبه بساحة معركة محتملة، استدعت تدخل مئات الشرطة ليكونوا حراساً على أبوابها، ولم يخل المشهد من معارك لفظية ولكمات وضرب "بوكس"، بين الموظفين والمودعين. كان لافتاً وطبيعياً استقدام أحد المواطنين الفأس للمطالبة بحقوقه النقدية، وكان الأبرز والأفدح تهريب بعض أصحاب الثروات أموالهم الى المصارف الخارجية، هم كانوا يدركون مآل الاقتصاد في لبنان إلى أين؟! وعادت إلى الواجهة كلمة "السوق السوداء" وانتعشت محال الصيرفة وكلمة "أديه الدولار"...  كان شبح الدولار كافياً للفتك بالانتفاضة وأفقها وهز الاستقرار الهش والمتصدّع أصلاً، صعد الأمل في البداية الى درجاته القصوى، سرعان ما صعدت الخيبة إلى درجاتها القصوى، قدرت السلطة الإخطبوطية الطائفية أن تأخذ مجرى الانتفاضة إلى مكان آخر، ترهلت شعارات "كلن يعني كلن" مرحلياً، اذ أطلّت في البداية جوقة "شيعة شيعة" و"الشعب يريد 7 ايار"، فتكت بجزء كبير من المشهد المثالي للانتفاضة، قدر حزب الله أن يعيد الشيعة إلى حظيرته، وقدر في الوقت نفسه، مع باقي النظام الخاطف للدولة، أن يُدخل السنّة في خندق "مظلومية جديدة"، اذ كان جمهور السنّة يريد الانتفاضة (خصوصاً طرابلس)، فأظهرت الوقائع أن الانتفاضة طالت الزعيم الأبرز في طائفتهم وحده، بمعنى آخر طالت رئاسة الحكومة وحدها، في وقت رفع جزء كبير من الموارنة والمسيحيين شعار "الرئاسة خط أحمر"، ونبّه الشارع الشيعي إلى أن "السيد خط احمر" و"الاستيذ خط احمر"، ولم تنته الأمور هنا، بل امتدت لتختار الممانعة رئيساً مكلفاً للحكومة، وليغرق الناس في دوامة غلاء فاحش لا أحد يعرف كيف ينتهي... فالانتفاضة التي بدأت احتجاجاً على ضريبة تشبيحية 6 دولار على الواتب آب، بشكل درامتيكي، أنتهت الأمور الى أن بدأ المواطن يدفع 40 في المئة زيادة على كل شيء، وما في اليد حيلة.   
(*) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز، دار توبقال، والفقرة واردة في كتاب الهوية والوجود لداريوش شايغان.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020