جان كوماسا لـ"المدن": انقسام المجتمع يقتله

محمد صبحي

الأحد 26/01/2020
 

تقول الأسطورة إنه قرر أن يصبح مخرجاً عندما اختير والده، الممثل المسرحي البولندي المعروف، من قبل ستيفن سبيلبرغ لينضم إلى فيلم "قائمة شندلر" (1993)، فاصطحب الممثل ابنه إلى موقع التصوير، وهناك بدأ كل شيء.

درس جان كوماسا (1981، بوزنان - بولندا ) الإخراج في "مدرسة ليون شيلر الوطنية للأفلام والتلفزيون والمسرح" في لودز. في عام 2011، أنجز أول أفلامه الروائية الطويلة، "غرفة الانتحار"، بقصة عن التنمُّر ضد المثليين والانغماس في عالم الإنترنت، عُرض في قسم بانوراما في مهرجان برلين السينمائي. من خلال فيلمه التالي "وارسو 44"، وهو فيلم حربي ضخم الإنتاج، حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً داخل بولندا. "عيد القربان"*، ثالث أفلامه الروائية، يحكي قصة سجين مسرَّح ينتحل صفة كاهن في بلدة صغيرة.

دانيال (بارتوش بيلينيا) البالغ من العمر 20 عاماً، خضع للتحول الروحي أثناء فترة سجنه في دار للأحداث، يحلم سراً بأن يصبح كاهناً. بعد بضع سنوات في السجن، لارتكابه جريمة قتل، يحصل على إطلاق سراح مشروط ويُرسل للعمل في ورشة نجارة في إحدى القرى. بدلاً من التوجه إلى هناك، يذهب دانيال إلى الأبرشية المحلية، وبمصادفة وحديث لطيف تقوده الاقتناصات اللحظية، يجد نفسه كاهناً جديداً لأبرشية القرية.
في صورٍ قوية، في وضوحها وبرودتها، مثل العلاقات بين سكان القرية البولندية التي مزّقتها مأساة فقد ستة من شبابها في حادث سيارة تسبب به رجل من القرية، ينجز كوماسا فيلماً ضاغطاً بقدر إثارته في ملاحظته مسألة النبذ الاجتماعي. عبر اتكائه على إيقاع منضبط ومكثّف، تتحوّل قصة السجين الذي صار كاهناً، مرآة أحوال ودراسة شخصيات وفاتحة شكوك، في طريقها لمساءلة الأخلاق المتحيزة لقرويين يعارضون القيام بما يفترض بهم كمؤمنين مخلصين. فيلم قوي بأسئلته وتوتراته وبحثه القيّم في مروحة من الأفكار، لا تبدأ من الإيمان ومعناه، ولا تنتهي عند البحث عما يحدّد البشر كمجتمع متآلف.

 "المدن" التقت جان كوماسا، فكان هذا الحوار.

- يستند فيلمك جزئياً إلى قصة حقيقية، عن ذلك الشاب الذي تمكّن من تقمّص شخصية كاهن لمدة ستة أشهر في إحدى الإبرشيات. لكن الأمر المثير للدهشة هو أنه ليس الوحيد في ذلك، فقد كانت هناك حالات مماثلة، بل وأكثر دواماً في إسبانيا. لماذا قررت أن تلك القصة ستكون موضوعاً جيداً لفيلمك؟

هناك الكثير من الأشياء العبثية في التاريخ. على سبيل المثال، في حالتنا، لم تكن إحدى هذه الحالات تتعلّق بشخص أراد سرقة المال عبر استغلال منصبه الديني. أراد هذا الشخص أن يصبح كاهناً ولم يستطع بسبب ماضيه، لكننا غيرنا التاريخ. كانت القصة الأصلية أقصر، فقد قدّم نفسه ككاهن لمدة أربعة أشهر في بلدة صغيرة في بولندا. ما فعلناه أننا اعطيناه مظهراً أصغر عمراً، ودراما، وسياقاً وراء سجنه لقتله رجلاً في الماضي.

 لم يكن ذلك في القصة الأصلية، قمنا بتغييرها، ولكن بالطبع استلهمنا الأحداث الأصلية. كل شيء في قرية الفيلم من وحي الخيال، على سبيل المثال علاقاته مع السكان، وغير ذلك. لكن جزءاً من هذا الخيال أتى أيضاً من وقائع حقيقية. في قصتنا قررنا تضمين الحادثة التي استعرناها، كاتب السيناريو وإياي، من قصة أخرى حدثت بالفعل. نحن أساساً خلطنا ثلاث قصص مختلفة في واحدة. لكن البذرة الرئيسية عن ذلك الرجل الذي انتحل شخصية كاهن، وهي حادثة معروفة في بولندا. كانت في جميع الصحف، ولم يصدّق الناس حدوثها فعلياً. لكن الشيء المضحك، أو العبثي إذا أردت، هو أن هذا الرجل كان رائعاً، لقد أراد حقاً أن يصبح كاهناً، وكان شخصاً منفتحاً جداً ولطيفاً تجاه مجتمع البلدة، وقام فعلاً بتغيير العديد من الأشياء داخله، لم يكن بمقدور الكاهن السابق القيام بها، ولهذا السبب كان الأمر غير قابل للتصديق.

قَبَله المجتمع، لكن عندما اتضح أنه كاهن مزيّف، شعروا فجأة بالخيانة والتخلي عنهم لأنهم أضحوا مولعين به حقاً. لنتذكر أنه عمَّد أطفال وأتمّ زيجات وفعل كل شيء آخر. لذا تخيّل الأشخاص الذين تزوّجوا ولكنهم لم يتزوجوا فعلاً لأنه كاهن مزيف، أن يعيشوا معاً دون توثيق شرعي لزواجهم رغم ظنّهم أنهم فعلوا ذلك. ثم قرر الفاتيكان "توثيق" تلك الزيجات والمراسم، لكن ظلّت مشكلة كبيرة، فأجروا تحقيقهم الخاص، وخلصوا إلى أن الأمر كان عملية احتيال ولكن الفاعل لديه نوايا حسنة، لم يرد سرقة أي شيء أو استغلال منصبه، أراد فقط أن يفعل الخير للمجتمع. مع ذلك، لم يكن فعلاً صائباً، في نظر القانون الكنسي الذي اعتبرها جريمة.

القصة الأصلية ذهبت على هذا النحو، لكننا ابتعدنا عنها لأننا لم نرغب في أن يشعر المجتمع، أو الربّ، أو الكاهن بالحرج حيال ذلك... قررنا الاستمرار بطريقتنا.

- المثير للاهتمام في الفيلم المقارنة مع الكاهن القديم، كممثل كنسي عفا عليه الزمن، غير قادر على فهم العصر. دانيال شاب وحيوي ويضع الكثير من الطاقة في عمله.

نعم، لأنه يعرف الحياة أيضاً. لقد كسر الوصايا العشر، حتى أنه قتل شخصاً، لذا فهو يعرف الكثير عن الحياة. إنه يعرفها أفضل من الكاهن القديم على الأرجح. لديه هذه الطاقة، هذه النار بداخله. كما لو أنه بعد حبسه لستّ سنوات في سجن للأحداث، حالما خرج امتلك شريان الحياة المفاجئ هذا. لديه أحلام، لا يريد البقاء في الظلّ والشعور بأنه لا أحد. ثم، بشكل غير متوقع، يصبح شخصاً مبجلاً. هذا يمنحه القوة، ويبدأ في فعل أكثر مما ينبغي للكاهن القيام به غالباً. كما لو كان ثورياً أو شيء من هذا القبيل.

في القصة الأصلية كانت هناك أحداث متشابهة بشكل واضح، فقد فعل الكثير من الأشياء لم يرد الكاهن القديم القيام بها، لأنها كانت تعني انفتاحاً مختلفاً، وشجاعة مختلفة لمواجهة المشكلات. أخذنا هذه السمة وأبرزناها داخل حبكة الفيلم.

يبدو الفيلم، أحياناً، مثل جسر، يعبره المتفرج بين عالمين متضادين.

يوجد في الواقع فيلمان في واحد. واحد يدور حول التظاهر ككاهن والبحث عن هوية الفرد. عندما يصبح دانيال كاهناً، يبدأ الفيلم الثاني. قد يكون مجرد قصة عن رجل دين شاب يأتي إلى بلدة منكسرة عاطفياً، تعاني صدمة فقدان ستة من أبنائها، غير قادرة على التصالح مع حدث من الماضي القريب. هذه القصة، وحدها، يمكنها صناعة فيلم مثير جداً. هنا يلتقي الإثنان.

يُرفض دانيال من قبل المجتمع بسبب ما قام به والمكان القادم منه. يمكن للمرء التخمين أنه لم يأت من عائلة مُحبّة مثقفة. عندما يغادر دار الأحداث، لا يذهب إلى عائلته. هناك إشارة واضحة إلى أنه ليس لديه أحد. هذا المنبوذ يجد مجتمعاً يشعر أيضاً بعدم اتصاله بالدائرة الاجتماعية الرئيسية. يملك دانيال راداراً في داخله يجعله يقابل بشراً مثله بطريقة أو بأخرى. من منظور الشخصية الرئيسية، يدور هذا الفيلم حول المصالحة. حول حقيقة أن انقسام المجتمع - ليس فقط في بولندا - يقتله. بالنسبة لي، هذا فيلم بالأساس حول الرفض المجتمعي ومعالجة هذا الرفض. إنه يوضح مدى صعوبة الوصول إلى إنسان آخر. لكنه أيضاً فيلم عن مدى سهولة انتقاء وتصنيف "خراف سوداء" من بين الناس.

- من العوامل الأساسية لنجاح الفيلم، العمل الرائع الذي قام به بارتوش بيلينيا في لعبه دور دانيال. فهو يملك من الأداء التمثيلي والسمات الجسدية ما يبقيه محافظاً على غموض شخصيته وقلقها المستمر، غموض يغلّف ما يفكر فيه، والأسباب الحقيقية التي تدفعه إلى التصرف بهذه الطريقة. كيف اخترت الممثل وكيف عملت على بناء الشخصية؟

سأخبرك بأمر غريب بعض الشيء. الحقيقة أنك حين تفكر في بارتوش بيلينيا، لا يمكن أن يكون هو اختيارك الأول لأداء الدور، بسبب ملامحه وتقاسيم وجهه. يبدو أن الناس يخافون منه لأنه لا يحترم معايير الجمال التقليدية. إنه ليس "وسيماً" وفقًا لتلك المعايير، لذلك عادةً ما ما تفكر فيه كممثل محتمل لأدوار المرضى النفسيين أو الأشخاص غريبي الأطوار الموجودين في خلفية القصة. لكنني عرفت أنه موهوب حقاً وأنه ينتظر فرصة كهذه. كان مختلفاً تماماً عن الصورة التي ظهر بها في الفيلم: شعر طويل، وجسد نحيف للغاية، ولا تستطيع تحديد جنسه إذا كان صبياً أم فتاة.

عمل بشكل أساسي في المسرح، وهو معروف جيداً ويحظى بالاحترام من قبل الجمهور، وهناك شيء مميز في أداءاته، يحب السينما، ويقرأ كثيراً، ويعرف الكثير من الأشياء. إنه ذكي جداً، وكان يبهرني بما يعرفه أكثر مني في مناسبات عديدة. لديه عقل عظيم، لكنه أيضاً لديه عواطف، رغم أنني سأقول إنه شخص ذكي حقاً في المقام الأول. لكل ذلك، كان بارتوش أساس شراكة عظيمة. أمضينا الكثير من الوقت معاً، وذهبنا لزيارة مراكز احتجاز الأحداث معاً، التقينا بالعديد من الأشخاص من خلفيات فقيرة ارتكبوا جرائم في الماضي عندما كانوا صغاراً. تحدثنا معهم كثيراً، وقضينا أيضاً بضعة أيام مع هؤلاء الأطفال الأحداث المحتجزين. تحدثنا مع السجّان الذي سمح لنا بالقيام بكل هذا... وبارتوش كان بمثابة إسفنجة، يستوعب كل شيء، ويشاهدهم ببساطة وفي نفس الوقت كان دماغه في العمل المرتقب.

 والدي أيضاً ممثل، لذلك فهمت سلوكه. مثَّل والدي في فيلم "قائمة شندلر" (1993). كان سبيلبرغ يبحث عن ممثلين بولنديين يمكنهم لعب أدوار اليهود، فاختاره وقضينا عدة أيام في موقع التصوير. أعتقد أنني أعلم وأفهم ما يكفي عن الممثلين والممثلات، لست خائفاً منهم، أعرف ما يجب عليهم الخوض فيه للدخول في دور ما، أعرف آلامهم وأحلامهم.

إذا كان لديك ممثل جيد غير معروف، فمن الأفضل للجميع إذا أعطيته الفرصة للتألق. وهذا ما حدث مع بارتوش. لا يزال شاباً، لكنه شارك بالفعل في العديد من الأفلام والمسرحيات العديدة التي لعب فيها دائماً شخصيات ثانوية. علمت رغبته في فعل المزيد، وكنت مدركاً حجم بموهبته. لذا دعوته إلى اختبار أداء، وبدا غريباً للغاية، بدا كمثقف هيبي هزيل البنية. وعلمت أن هذا الرجل يجب أن يتغيّر ويتكيّف مع شخصية رجل بسيط، سجين مسرَّح، بعضلات ووشوم. وهكذا فعل، نحت جسمه، وبدأ يتصرف وكأنه لم يقرأ كتاباً في حياته. أراد أن يصبح أكثر خشونة وسذاجة، وكانت هذه رحلة كبيرة بالنسبة له.

من تجربتي، أعلم أنه كلما طالت وتوترت مدة الرحلة بالنسبة للممثلين، عاد ذلك بالأفضل في لعبهم الدور. كان بارتوش مختلفاً تماماً عن دانيال، وكثيرون آخرون ربما كانوا أكثر ملاءمة للعب دانيال على الشاشة، لكن بارتوش أدرك الخصائص الأساسية لدانيال، وعرف بالضبط كيف يؤدي هذا الدور، وأن عليه أن يخلق شيئاً جديداً كلية. لذلك عملنا معاً لعدة أشهر، ربما قبل حوالي سبعة أشهر من بدء التصوير. وكان ذلك ممتعاً ومثيراً للاهتمام، فهو شريك استثنائي.

أعرف بعض رجال الكنيسة، اثنان من أصدقائي هم كهنة في بولندا وهما مثقفان يحبان الفن وساعداني في هذا الفيلم. رافقهما بارتوش في تحضيره للدور. كان مدركاً لطبيعة الشخصية التي يلعبها، فهو ليس مجرد شاب خارج من السجن، وقاتل، بل كاهن أيضاً. كان عليه أن يلعب دورين، ليس كما لو كانا اثنين من الشخصيات المختلفة، ولكن واحدة داخل الأخرى. لذلك، لكي تلعب الكاهن، عليك أولاً أن تصبح الفتى البسيط، الذي يتصرف بطبيعة عمره، يتحرك جسمه بطريقة مختلفة، على سبيل المثال حتى طريقة جلوسك. ثم تصبح الكاهن، فتعيش بطريقته، ولكن بقيتك لا تزال هناك؛ عليك أن تصبح شخصين. عليك أن تتخيل ما يبدو عليه الأمر، كيف يمكن أن يكذب دانيال، على سبيل المثال، مختلف تماماً عن الطريقة التي ستكذب بها. لذلك كان من الرائع العمل مع بارتوش، لأنه كان قادراً على إنشاء هذه الشخصية متعددة الطبقات بنهج متعدد الوسائل حقاً. هذا سهّل عليه تأدية الدور بعد ذلك.


دانيال واقع تحت إغراء التصريح بحقيقته. أثناء إحدى العظات، يبدأ بالقول إنه قاتل، ثم يصحّح نفسه عن طريق تحويل الحديث مجازياً. الكشف الحقيقي سيحدث عن طريق خلع لباسه الكنسي، ليظهر عارياً بوشوم على جسده. وفي تلك اللحظة، تصرخ ليديا (الراعية المؤقتة للأبرشية): "باركك الله". لماذا اتبعت هذا التمهيد نحو الكشف النهائي؟

الحقيقة أن الموقف كله كان غريباً، والسؤال الذي أردت طرحه هو "هل يجب أن تكون كاهناً حقيقياً لتصبح شخصاً جيداً؟". أنت ببساطة بحاجة إلى قائد روحي، ليس واجباً أن يكون كاهناً؛ ربما يكون دانيال أكثر قدرة على أداء هذا الدور القيادي من كاهن. ربما، لكن الكنيسة داخلة في المعادلة. لدينا الآن البابا فرانسيس الذي يختلف عن سابقيه، بنديكت السادس عشر، وحتى يوحنا بولس الثاني. هناك كنائس مختلفة، مع قيم مختلفة، فكيف يمكن للكنيسة المسيحية أن تحتوي على العديد من الرؤى المختلفة؟ كما لو كانت تتناقض مع بعضها البعض؟ لذلك أعتقد أن الكنيسة، كمؤسسة، تحمل تناقضها في ذاتها. 

فلسفياً، من الممكن التعامل مع العديد من الآراء والقيم والمناهج المختلفة في كنيسة واحدة. لدينا دانيال الذي يقوم بعمل جيد للمجتمع بشكل ملموس، ثم هناك هذا الخصم الرئيسي، ليديا، المسيحية المتعصّبة التي تساعد أهل القرية ولكن في الوقت نفسه تؤجج صدمة المجتمع، تحديداً لأنها فقدت ابنها في الحادث... الدين يجعل حياتهم أسهل، أبسط قليلاً. يُظهر الفيلم شخصيات محاصرة داخل إيمانها. ليديا، لا تتغيّر عملياً خلال هذا الفيلم. هذا التعصب الديني ينمو داخلها. هي التي تحمل زمام الأمور، وتعتني برعاية الصدمة في القرية. كانت هناك صدمة، ثم وصل دانيال فجأة، مثل معالج يريد مساعدتهم في التغلب على هذه الصدمة، من خلال العلاج وحكمته.

 تستخدم ليديا نوعاً من العلاج البدائي تجاه القرويين، لشفاءهم من صدمتهم، لكن هناك خطراً لأنها لا تريدهم أن يشفوا. ليديا تمثّل مفتاح الصدمة، وهذا يعطيها القوة. إذا اختفت الصدمة، فلن تكون هناك حاجة إليها. لهذا السبب أصبحت فجأة خصم دانيال الرئيسي. في النهاية، عندما ترى دانيال نصف عار، ربما لا تعرف ماذا يعني ذلك، عريه أو ما يحدث، لكنها لمسته، وأنا متأكد من أنها أحسَّت به.

والممثلة، وهي ممثلة عظيمة، ألكساندرا كونيتشا، شعرت بأن عليها القول "باركك الله"، وهي جملة غير موجودة في السيناريو، ارتجلتها، تأثُّرها بالدور هو ما جعله تقول ذلك. لحظة لا تصدَّق، أحببتها. كان هذا هو الدور الذي لعبته، كما لو كانت متعصبة، وربما متعصبة تعارض الشرائع الأساسية، رغم إيمانها بها. لذلك كان بإمكان دانيال أن يوضّح لها أنه لم يكن كاهناً حقيقياً، ولن تصدقه أبداً. كنت أبحث عن شخص لديه نهج هَوَسي في الحياة، تجاه قيمه المحافظة، تجاه الدين، وهي تمثّل هذا النوع من المجتمع. في هذا النوع من المجتمع، يمكنك إظهار الحقيقة ولكنهم لن يروها أبداً.


- من اللافت أيضاً في الفيلم تحالف الكنيسة مع القوة السياسية، التي تستخدم الأولى كأداة دعاية. هنا السياسة يمثّلها عمدة البلدة، وهو شاب أيضاً، ويصل دانيال ليسائل خضوع الرعية للمسؤول الحكومي. كيف قمت بخلق شخصية العمدة، وإلى مدى يتشابه فيلمك مع الكتاب المقدس؟

العمدة يمثل أشياء مختلفة. كنت أحاول خلق مثلث درامي، حيث يمثّل دانيال مقاربة جديدة وثورة قيمية، يشبه قليلاً ما في سلسلة "البابا الشاب" (من إخراج باولو سورنتينو، وبطولة جود لو). يمثّل مقاربة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يمثل الطريقة القديمة، كما لو كان عودة إلى القيم الأساسية لما يعنيه أن يكون الناس معاً ويُقبل الجميع في المجتمع. هذا ما يفعله دانيال. ومن المفارقات أن هناك أشخاصاً لا يريدون أن يصبحوا هكذا ولا يحبون أن يكون مجتمعهم على هذا الوضع. يريدون أن يظلوا منغلقين معزولين، بغير رغبة في قدوم أي شخص من خارجهم. إذا صنّفوا شخص ما كـ "شاه سوداء"، يذهبون إلى حدّ رفضه.

لذا فليديا هي تمثيل القيم الأساسية، وأعني تلك القيم المحافظة الضمنية. هذا ما تعتقد أنها تفعله. وهي تحكم على ما هو جيد وما هو سيء، وتقوم بالاختيارات. ليس سلوكاً مسيحياً جداً، لكنها تفعله باقتناع كامل. العهد الجديد، إذا أخذناه حرفياً، نجده منفتحاً جداً على أي نوع من الخطاة، الذين لا يمكن مقارنة أهل القرية بهم. لكن بالنسبة لليديا، إذا فعلت شيئاً سيئاً، أي يُنظر إليه كشيء سيئ من قبل المجتمع، فإنها تحاول تدميرك.

ثم هناك عمدة البلدة، الذي لا تحرّكه القيم، ويريد فقط إبقاء الوضع القائم، ويفكر بطريقة "حسنًا، أياً كان ما تقوله، هذا جيد". أردت إبقاء تصوير الأمور هادئاً وناعماً. أكره المشاهد الثورية. ليديا لا تمانع الأفعال الثورية، لكن لا يمكنك كسر قيمها وطريقة تفكيرها. وهو (العمدة) يكره الثوريين لأنهم يدفعونه نحو اتخاذ القرارات، وهو يكره اتخاذ القرارات. بالنسبة له، الوضع القائم، توازن الأمور، شيء يستحق القتال من أجله. يوجد أيضاً الكاهن القديم، في ظهوره الوجيز، وهو تمثيل الموقف الضعيف عديم الجدوى لشخص يعرف أنه يجب عليه فعل شيء ولكن لا يمكنه فعله. لا يستطيع فعل أي شيء، رغم معرفته كل شيء عن المجتمع، لكنه لا يريد أن يعرف الحقيقة. لذلك هو مثلهم. لا يريد أن يسمع أي شيء، ولا يريد أن يرى أي شيء، ولا يريد العمدة الحديث عن أي شيء، مثل القرود الثلاثة (لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم).


بالنسبة اليّ، يمثّلون مجتمعاً معادياً، مجتمع فاشي أخشى منه جدياً. كما لو كنت مضطهداً من الجميع. وإذا فكرت في الأمر، بالنظر إلى العهد الجديد، بمعنى ما، فإن قصة يسوع هي أيضاً قصة ثوري كان عليه التعامل مع عنف مجتمعه: السنهدرين (مجلس اليهود الكبير الذي حكم على المسيح – المحرر)، اليهود الذين تعاونوا مع الرومان،  بونتيوس بيلاتوس (الوالي الروماني على اليهودية، في زمن المسيح - المحرر). بونتيوس بيلاتوس، مثل العمدة، أراد ببساطة أن يبقى الأمر هادئاً، احترمه، لكن الناس تكلّموا، أرادوه ميتاً. دانيال قوّض الوضع القائم، وحاول إصلاح الوضع المتصدّع، وعالج المنبوذين، باعتباره أن كل فرد هو من رعية الله. نعم، كل ما في فيلمي موجود في الكتاب المقدس، بشكل أو بآخر.


من ملامح قوة فيلمك انفتاحه على العديد من التيمات، كحياة الشباب مثلاً. أيضاً، رغم محلية القصة، لكن من السهل ربط الفيلم بما يحدث في أوروبا والعالم: صعود الشعبويين، كراهية الأجانب، الانكفاء الوطني.. إلخ

في أفلامي السابقة، تناولت قضايا "شبابية" معاصرة، كما في "غرفة الانتحار"، عن أمراض الحضارة واستعباد الإنترنت، والظاهرة اليابانية التي استقبلناها بابتهاج في البداية، ثم وجدنا في النهاية أن الشباب لم يعد بإمكانهم العيش في المجتمع بطريقة تناظرية. في الوقت نفسه، تحوّل الواقع في اتجاه غير متوقع. كما لو كنا نقف فوق هاوية. لم يتطلع جيلي أبداً إلى المستقبل بمثل هذا القلق. كان من المفترض أن يكون أفضل فحسب. لم يكن من المفترض أن يكون أكثر من مجرد وصول غير محدود إلى الامتيازات الغربية. درس أطفالي في جامعات بريطانية. أصبحنا مواطنين عالميين. حكايتي الخرافية المفضلة في طفولتي كانت دانماركية، وإعلاني المفضل كان إنكليزياً، بالإضافة إلى شرائط "في إتش إس" المهرّبة. ظهر فيلم "خيال معقّد" لتارانتينو وعمري 13 عاماً. أول رحلة لي على متن طائرة قمت بها بعد سقوط الشيوعية بخمسة أعوام...

ابنتي في الـ 18 من عمرها، وتشعر بالفعل أنها مواطنة عالمية. ابني البالغ من العمر 9 سنوات لم يعد يقرأ حكايات خرافية، حتى أنه لا يلعب، بل يشاهد الكثير من فيديوهات يوتيوب. يراقب شخصاً آخر يلعب ويستمع إلى التعليقات. بالنسبة لي، بعض الأشياء التي يقومون بها غير مفهومة بالفعل، حتى لو أدعيت غير ذلك. والسؤال هو: كيف تستطيع رواية كل ذلك في عملك؟


أبحث دائماً عن الخوف في نفسي. هل تخيّلتُ يوماً أن المجتمع البولندي سينقسم لهذه الدرجة، كما لو كان تحت تأثير عدو خفي؟ لا. في الكنائس، يمكنك سماع خطب عدائية وإقصائية، لم يخطر ببالي وجودها من قبل. في الشارع، يبدو الأمر كما لو كنت سائراً وسط ميليشيات في حرب أهلية. كما لو أن شخصاً ما ألقى تعويذة علينا. جذور تلك الحالة رمزية وعاطفية، وها هي تثمر بالفعل وتأتي بهؤلاء السفلة إلى السلطة. ثم يظهر الأساس الأيديولوجي. تُشكَّل فلسفة كاملة مناهضة للمؤسسة الديمقراطية، معادية للنخبة، فلسفة شعبوية. جزء من المجتمع يُصنّف كأعداء وخونة...


نعم، أنا أتحدث عن أوروبا بشكل عام. حركة 5 نجوم في إيطاليا. زوجتي، الإيطالية، مندهشة من أن الإيطاليين، المشهورين بانفتاحهم، يستمتعون باللاجئين الغرقي والممنوعين من عبور سواحلهم. مارين لوبان في فرنسا. البديل لأجل لألمانيا. بريكسيت. ترامب. لكن حتى لو تخلّصنا من ترامب، فلن نتخلص مما أخرج هذا الخراء.


(*) رشّح لجائزة "أوسكار أفضل فيلم دولي" لعام 2020. يُعلن الفائز يوم 9 شباط القادم.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020