"أم كلثوم بوب آرت" لمحمد الحجيري.. الحب، الصوت، السلطة

المدن - ثقافة

الأحد 29/11/2020
صدر عن منشورات الجمل في بيروت، بدعم من الصندوق العربي (آفاق) كتاب "بوب آرت أم كلثوم/ الحب الصوت السلطة" لمحمد الحجيري، صورة الغلاف للفنانة الاردنية هيلدا حياري...


جاء في تعريف الكتاب: 
لا تحتاج أمّ كلْثوم إلى تعداد أسباب أو مُبّررات للكتابة عنها، فحين قيل إنها "صوت مصر"، لم يكن التوصيف مخطئاً، سواء أكنّ نحبّها أم لا نحبّها... والكتابة عن أمّ كلْثوم تأتي في خانة الشغف أولاً وأخيراً، ومحاولة لاستقراء جوانب في ظاهرتها وعالمها وجمهورها وزمنها... 
يركّز هذا الكتاب على الأعمال الفنّيّة التي استلهمتْ "السّتّ" في البوب آرت والغرافيتي والفنّ التشكيلي، إلى جانب النظرة الثّقافيّة إلى صوتها وجسدها وحبّها والحديث عن مثليتها وارستقراطيتها وعلاقتها بالرّئيس جمال عبد النّاصر والشّاعرأحمد رامي... ورأي الغربيين فيها وبالطّرَب....


من الكتاب:

إذا سألت أي متابع للفنّ المعاصر، ولديه اهتمام بتاريخ المدارس الفنّيّة وروّادها عن الفَنَّان الذي جسّد صورًا في دلالة على أنها رمز للرأسماليّة الأميركيّة ببعدها الجماعي، فلن يغيب عنه اسم آنديوارهول... السؤال ماذا لو صمّم رسماً لأمّ كلْثوم في زمانها كيف سيتناولها؟ هل ستكون مثل مارلين مونرو؟ خصوصاً أنّها شخصية مختلفة ومن عالم آخر... هل سيركّز على حنجرة "ثومة" كما ركّز على شفاه مارلين؟ وهل يشبهُ البوب آرت العربيّ أعمال آنديوارهول؟
النافل أنّه في زمن أمّ كلْثوم كانتْ"الجماهير العروبيّة"، تنتظر صور عبد النّاصر(6)، يحملها البائع منادياً "صورة جديدة للقائد"، بينما كانت أمّ كلْثوم صوتاً وكاسيتاً وموعداً إذاعياً، وهي ستصبح لاحقاً ظاهرة في أعمال الرسامين العرب وغيرهم(بعض الأرمن والأمازيغ) في التسعينيات، بأسلوب، في جانبٍ منه، هو امتداد لآندي وارهول الساخر والتهكّميّ من الواقع، أو من إيحاءات أعماله، وفي جانب آخر تمجّيديّ أو تكريميّ وحزبيّ وحنينيّ. رسم أمّ كلْثوم يعبّر، عن الشعور الجماعيّ لمجموعة من الفَنَّانين، ليس في نقد المجتمع الاستهلاكيّ وجموحه، بل هو نوع من هوية، فظاهرة رسمها سواء في لوحات زيّتية أو على طريقة البوب آرت، أتتْ في معظمها في زمن متأخّر على استهلاكها وتقديسها، وإن كانتْ أسطواناتها لاتزال حاضرة في الأسواق دون أن ننسى دخولها مجال اليوتيوب بدفعٍ قوي. وإذا كانتْ أمّ كلْثوم رمزاً وأيقونة للصوت الكلاسيكي والطّرَبيّ، تمثّل موجة "البوب" خروجاً من قُدسيّة المتحف وطهرانيّة المحترف والثقافة النخبويّة وذلك من أجل الاندماج في التجربة اليومية بآليتها المحايدة ونبضها الاستهلاكي، قد يصل هذا التوجّه حدود الابتذال في حساسيته السوقية" بحسب النّاقد والرّسام السوريّ أسعد عرابي(7)، وعلى هذا وجود أمّ كلْثوم في لوحات البوب أرت، هو شيء من تجاورِ التناقضات والثقافات في حيزٍ واحد، فنتاجات فنّ البوب، تتشظّى فيها المعاني بشكل لا يوصف. ولا عجب في ذلك، فالبوب آرت يتأقلمُ مع عناصر الثقافة المحليّة، في كل بلد عربي أو أجنبي يُصمم فيه، فنلحظ الروح الأمازيغيّة في بعض الاعمال المغربيّة، والروح الفرعونيّة في بعض الأعمال المصريّة، وكذا الخليجيّة واللبنانيّة والسوريّة والأوروبيّة... ويتجلّى كل ذلك في الأعمال التي استوحتْ أو استلهمتْ أمّ كلْثوم وحضورها، وغدا تناولها أشبه بالطوفان الذي يمكن مدحة وذمّه في آن معاً، فهو يجمع بين الفنّ الجادّ والرديء والسطحيّ والكيتشويّ.

كان وارهول مندفعاً في رسمِ مارلين مونرو، أسطورة الإغراء والجسد و"مجتمع الفرجة"(بحسب غي ديبور)، وكان المصريّ جورج بهجوري متحمّساً وعاشقاً لرسم أمّ كلْثوم، أسطورة الصّوْت والطّرَب، جعلَها كائناً أو تيمة دائمة لمئاتٍ من لوحاته ومعارضه وخصّص لها كتاباً بعنوان "أيقونة أمّ كلْثوم". تعيشُ "ثومة" بحركاتها وصوتها وحنجرتها ومندليها في ألوان بهجوري، يضعُ ثقل خياله ليرسمها كأيقونة على الطّريقة البيكاسويّة. بهجوري الذي قال عنه الرّوائيّ إدوار الخراط إنه "روائيّ مشهديّ"، وتنبّأ له الروائيّ نجيب محفوظ بـ"العالميّة"، بعد انضمامه لشلّة الحرافيش، يدفع تعبيراتها لتسيّطر تماماً، محتكرةً بحضورها جيلاً كاملاً من الذين دفعوها دائماً إلى الواجهة. أمّ كلْثوم بالنسبة إلى بهجوري "حالة ميتافيزيقيّة تلتحمُ مع الحواس"، يراها أكثر قُرْبًا من فرقتها وليس من الناس، يقول "لا أرْسمُ أمّ كلْثوم ولكنْ صوتها"(8)، يضيف "لا أستطيعُ الاستغناء عن شخصية أمّ كلْثوم في أي معرض"(9)، واللوحات تعبّر عن صوتها الذي يعكس حالة مصر من خلال أغنياتها الدافئة عن الحبّ بشكله الهلامي الفضائيّ والحلميّ... ويرى بهجوري أنّ عصر أمّ كلْثوم من أرقى العصور التي عاشتها مصر وتعبّر عن هويتها، حيث تضمّن مشاهد جمالية عدّة، وكانتْ رقبتها المكشوفة وشعرها الجميل والمنسق، فتتزيّن بأجملِ ما لديها في الأذن والرقبة، تجعلك تشعرُ، وكأنك تشاهد نفرتيتي وكليوباترا.

يقول بهجوري: "لا أرْسمُ أمّ كلْثوم ولكني أرْسمُ الوطن من خلالها، عبّرت سيّدة الغناء عَن الحنين للوطن والأنين، أول شيء أقوم برسمه في لوحتها هو "فتحة الفَمِ" لأني أريدُ رسمَالصّوْت وليس أمّ كلْثوم كتعبيرٍ أوليّ وإنما كتعبير ثانٍ، البعد الأول هو الصّوْت الذي يحضر في الأذن من خلال اللوحة المرسومة، هذه السيّدة جديرة بأن أقيم لها عدّة معارض وليس معرضاً واحداً"(10). يضيف: "في قلبي كلام عَن أمّ كلْثوم ليس له نهاية. وفي ريشتي رسمٌ يقول أهواك يا حبيبي"(11). و"سنوات طويلة وأنا أرسمها. تغنّي للحبّ. لكنّها دائماً تتفوّق عليّ. وأجد أن رسوماتي لا ترتقي إلى صوتها. حاولتُ رسمها بخطٍ واحد. ومرة أخرى أجدني أرسمها وأنا أسمعها تغنّي في أذني. ثم محاولة أخرى لأرسمها أمام الشاشة الصغيرة، لكنْالصّوْت والصورة يتفوّقان على الرسم"(12).

في رسم بهجوري يبدو معنى أمّكلْثوم لا شكلها. هنا، "تتضخّمُ الحنجرة، وتطولُ الرقبة، ويكبرُ المنديل، وتختلطُ الوجوه خلفها، من موسيقيين وآلات موسيقية". لوحة بهجوري أشبه بدراسة خاصّة لتكوينات أمّكلْثوم وأنغام أَغَانيها تصدحُ في لوحاته، فتطرب الآذان. يقول بهجوري "انا أرسمُ ما أشعره تجاه الوجوه وليس الوجوه نفسها"(13)... وهو رسم السّتّ على طريقة الدمج بين فنّ الكاريكاتور والفنّ التكعيبيّ."أخذ فنّ البورتريه إلى آفاقٍ جديدة" بحسب الناقد المصري سمير غريب، و"عاد إلى وجوه الفيوم الشهيرة في الفنّ القبطي يستلهمها، ويضيف إليها إنجازات الفنّ الحديث اللونيّة والفكريّة. أخضعَ الوجوه إلى نوعٍ من "التكسير"، مستفيداً من انجازات بيكاسو والتكعيبية. ربّما أراد أن يوحي من خلال وجّه معيّن بوجوه أخرى، وعبرَ العين الواحدة بنظرات متعدّدة الاتجاهات، لكنه "حرص على إحاطة وجوهه بنوعٍ من الهالة القُدسيّة"(14). يستمتعُ بهجوري بتضخيم الأشياء، وهذا عمل فنّان الكاريكاتير عموماً، حيث يلفتُ انتباهه تفصيل ما في الوجه ويركّز عليه، ورأس أمّكلْثوم هو ما أثار بهجوري فرسمه كبيراً، مع أنفها الكبير أيضاً، وهي من بعيد تظهر كصور لأمّ كلْثوم ولكنها عن قرب هي مجرّد احساس بهجوري فقط ها، فهو يرسم فكرته عن المادة لا واقع هذه المادة(15)، والأهم قدرته على ترك الانطباع الذي يريده من تلك اللوحة... فم أمّ كلْثوم في لوحات بهجوري مفتوح دائماً للغناء أو لإعطاء حركة من شفتيها للكورال لإعادة الكوبليه، أو مغلق قليلاً لأنها متجليّة بسماع لحنٍ من الصعبِ مقاومته... وعندما رسمَ بهجوري شخصاً في حالة نعاس أثناء حفلة أُغْنِيَة "أنت عمري" التي، قال عنها النقاد بأنها "لقاء السحاب" بين عبد الوهاب وأمّ كلْثوم، مما أغضب الأخيرة التي تصورتْ أنّ الأُغْنِيَة لا تُعجِبُ الجمهور بدليل أن أحدهم شغله النعاس عن الاستماع للأُغْنِيَة. يقول بهجوري "أحبّ أم كلْثوم وأعشق كل تفاصيلها وملامحها التي تعني بها وخطرتْ لي فكرة أن أسمعُ صوتاً ثمّ أقوم بتحويله إلى شكل. وضعتُ الكاسيت وأخذتُ أعيشُ مع صوتها وأحضرتُ كراسة الاسكتشات القديمة التي، رسمتُها فيها منذ زمن واستحضرتُ شكلها وهي تغنّي وبدأتُ أرسم(16)"... ولاحقاً أصبح رسمُ بهجوري لأمّ كلْثوم نوعاً من حنين فاحش الشعور، وتفاصيل اعتادَ جمهور السّتّ ملاحقتها في حفلاتها المصوّرة، تمايلها على المسرح، سلطنة الموسيقيين بآلاتهم التي تتجاوز أحجامهم الطبيعية. ثمّة رثائيّة مبطّنة تعكسها لوحات يرسمُها بهجوري، لا لسيّدة الغناء العربي فحسبّ، بلْ لمرحلة زمنيّة كاملة. وعلى رغم أن الفَنَّان المصريّ في نظرته إلى الوراء هو "طريقة غير مباشرة لقراءة الراهن"(17). يقول بهجوري: "في السنوات الأخيرة، سيطرتْ عليّ أفكار وأحلام كانتْ تطاردني ليلاً ونهاراً، وهي عودة مصر إلى زمانها الجميل، حيث الفنّ الذي يلمس القلب، ويهذّب النفس، ولذلك حرصتُ على رسمِ (ثومة) من جديد، كرمزٍ لأيامٍ نتمنى أن نعيشها من جديد"(18).

ألق التاريخ
رُسمتْ أمّكلْثوم في ما يوحي بجمع الخالد بالعابر أو الزّائل، فهي شكّلتْ موضوعاً لافتاً للفنّان التشكيليّ المصريّ الأرمنيّ، شانت أفيديسيان، الذي تتضمّن أعماله مجموعة كبيرة من صور المشاهير في عالم السينما والغناء والاستعراض والسّياسة والأدب، تمتلك رصيداً كبيراً من الحبّ والإعجاب لدى الجمهور العربيّ والمشرقيّ، مما يجعلها تتحوّل في أنظار محبّيها إلى أيقونات شعبية معاصرة. كانتْ أمّ كلْثوم أولى هذه الأيقونات التي رسمها أفيديسيان بطلبٍ من بائعة متجوّلة في شوارع القاهرة. نجدُ في أعمال أفيدسيان أنّ ثومة أيقونة متعدّدة الأشكال، هي خليط بين الفنّ التقليدي وأشكال الحداثة، يدمج الأيقونوغرافية المصريّة في القرن العشرين مع الرموز الفرعونيّة والنماذج الإسلاميّة الهندسيّة والتجريديّة مع موتيفات الباروك المُزيّنة بالزهور في العمارة الداخليّة العثمانيّة... يهتم أفيديسيان في أعماله، بالفُنون التقليديّة والمواد المحليّة، وربما يعود ذلك إلى فترة عمله مع المعمار المصريّ حسن فتحي ما بين عاميّ 1981 و1989، وتصفها النّاقدة والأكاديميّة اللبنانيّة مهى سُلطان، بأنها تعكس ما "اختزنه من تجربته الطويلة، التي غرفت من التراث الأيقوني ومن الرسومات الهندسية... كذلك أدّى ولع أفيديسيان بالفنّ الشَّعْبِيِّ والشعر الصّوفيّ وبمعتقدات وجماليات الزِن الصينيّة واليابانيّة إلى أسلوب حياة "وابي سابي"، أسلوب يعيد خلقه أينما يذهب في ترْحاله البحثيّ"(19). يُظهر أفيديسيان أمّ كلْثوم في أكثر من وجه، يتأرجّح بين الابتسام والعبوس والصّمْت، تفاصيل مخفيّة يُعاد خلقها من جديد، لتتشابك مع الصّوفيّة الإسلاميّة، والديانات القديمة في شرق آسيا، يضفي على أعماله نوعاً مختلفاً عمّا سبقه من الحنين الماضويّ.



(6) برغم حضور عبد النّاصرالسّياسيّ والشعبي لكنه لم يحظ بالكثير من لوحات البوب أرت في المقابل كان له مجلدات من الشعر، ومن أبرز الشعراء.
(7) أسعد عرابي، "الاستهلاكي يغلب النخبوي في معرض "البوب آرت" الباريسي. استعادة الستينات ... من أقنعة مارلين مونرو إلى سيارات آرمان الغارقة في الاسمنت"، نشر في جريدة "الحياة" يوم 29 - 05 - 2001
(8) جورج بهجوري، من تغريدة نشرتْ عبر تويتر.
(9) جورج بهجوري: "لوحات للحب وكرة القدم، القاهرة" - العربي الجديد، 27 ديسمبر 2018.
(10) جورج بهجوري: "الرسام "هزلي" في عيون الشّرق "فنّان" لدى الغرب"، مقابلة اجرتها سماح عبد السلام لجريدة "الجريدة" الكويتية، 02-03-2016
(11) بهجوري في حوار لمجلة "روتانا"الاثنين، ٢ ديسمبر / كانون الأول 2019
(12) المصدر نفسه
(13) علا الشيخ "كلْثوميات جورج بهجوري.. لوحــات تُسمع"، الامارات اليوم، دبي، 12 نوفمبر 2010
(14) سمير غريب، "مئة عام من تاريخ الحركة التشكيلية المصرية. فن التصوير بين رمزية الألوان وتعبيرية الرغبة وميتافيزيقيا الواقع المجرد"، نشر في الحياة يوم 09 - 09 - 1996
(15) علا الشيخ، "كلْثوميات جورج بهجوري.. لوحــات تُسمع"،الامارات اليوم،– دبي، 12 نوفمبر 2010
(16) هالة طوبار، "جورج بهجوري: كرمتني بلدان عديدة إلا بلدي"، الشّرق الاوسط، 23 نوفمبر 2004  
(17) حازم سليمان،  "جورج بهجوري... أمّ كلْثوم مرّة أخرى"،السبت 4 كانون الأول 2010
(18) ناديا عبد الحليم، "حكاية 88 عاماً" يروي مشوار جورج بهجوري في الفن والحياة،21  ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14998.
(19) شانت أفيديسيان: العاشق والمعشوق، كتالوغ روز عيسى، موقع نفس.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021