مهزلة تواقيع الكتب

جورج يرق

الخميس 30/11/2017
وحدها حلقات تواقيع الكتب ستبثّ بعض الدفء في أمسيات معرض الكتاب العربي في "البيال".

ويبدو أن تلك الحلقات، هذا الموسم، كثيرة على جاري العادة. والدعوات إليها وافرة. لذا كن متأهباً، لا تدري متى تتلقى إحداها. إن لم يعثر عليك صاحب الدعوة في البيت أو في المقهى أو في مكان العمل، بعث بالدعوة إليك في الواتسآب او إلى بريدك الالكتروني.

لا تٰدهش اذا انهالت عليك الدعوات مرفقة بعبارات قد تشعرك بالذنب في حال التخلف. وما عليك إلا أن تقتطع جزءاً من راتبك إذا شئت التلبية، ولا تسل عن الوقت الذي ستهدره في الازدحام، وفي مجاملات يفرضها هذا النوع من اللقاءات.

وتوقع منذ الآن، أن لا تخرج من المعرض، إذا زرته، إلا حاملاً رزمة من الدعوات إلى تواقيع أخرى. هذه المرة، تتسلم الدعوة يداً بيد، و"يشرفني حضورك" و"بكبر بوجودك"، وإن يكن الداعي لم يرك منذ زمن بعيد. ولعله يرى وجهك للمرة الأولى.

هذه الظاهرة، ظاهرة كثرة الدعوات، جعلت بعض العاملين في حرفة الكتابة وممن لديهم صلة بعالم الكتاب، يقاطعون المعرض. أولاً، لأن تلبية الدعوات تستلزم اقتطاع نصيب دسم من موازنة الشهر في وضع اقتصادي صعب. وثانياً، لأن عدم التلبية، قد يرتد سلباً على العلاقة بين الداعي والمدعو. أو يُرشق المُخالف بنعوت قاسية.

علماً أن أسعار بعض الكتب، موضوع التوقيع، مرتفعة ارتفاعاً لا يوازي قيمة مضمونها، ولا سيما منها "المجموعات الشعرية" التي يصدرها مبتدئون ومبتدئات، وتتلقفها دور للنشر، وغالبيتها معروفة، ما دامت سترد قسطاً من تكلفة الطبع من حفل التوقيع وحده.

واللافت إقبال "شاعرات" على النشر بعدما غنمن من الفايسبوك إعجاب أقارب واصدقاء. واللافت أيضاً أن الواحدة منهن تجتذب جمهوراً إلى أمسية التوقيع، ليس في وسع أمسية لشاعر من الطراز الاول أن تجتذب ربعه.

في بعض الحالات، تشترط دار النشر على الكاتب، خصوصاً إذا كان مغموراً، أن يقيم حفل توقيع كي تطبع له روايته او ديوانه او بحثه. تكتفي هي بطبع بطاقة الدعوة ونشرها في حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإرسالها بالبريد الالكتروني إلى متابعي منشوراتها. وعليه هو دعوة عارفيه وقرائه والاهل والأصحاب. وفي الموعد، يركن وراء طاولة، تجاورها طاولة ثانية تعلوها نسخ مهيأة للبيع. ومع كل توقيع واهداء، صورة تذكارية. إنه الطقس الدارج نفسه منذ بدء هذه الطريقة في الترويج للكتاب.

واذا لم يستسغ الكاتب شرط الدار، فثمة حل بديل في انتظاره: شراء كمية معيّنة من نسخ كتابه ليس بالسعر الذي تتقاضاه الدار من المكتبة، أي نصف الثمن المدوّن على النسخة، بل بالسعر الذي يدفعه الزبون.

وفي حالات أخرى، يشترط الكاتب على الدار إعداد حفل لتوقيع كتابه، يصحبه كوكتيل وملحقاته من مشروب وحلوى وأطايب متفرقة. ولا يفوته احتساب المردود مناصفة بينه وبينها، خاصةً إذا كان "بيّيع"، وذا علاقات واسعة، وماهراً في استثمارها عند الاقتضاء.

مناسبات كهذه فارغة من المعنى الثقافي. ولا تختلف عن المناسبات الاجتماعية المألوفة.
 لكن لديها فائدة واحدة هي اجتذاب زوار إلى المعرض ما كانوا ليأتوا لولاها.
وكان عدد هؤلاء، وعدد الزوار الآخرين، تضاعف مرتين وأكثر لو أن الوصول إلى "البيال" متاح في سيارة أجرة.

لأن ليس جميع محبّي الكتاب يمتلكون سيارات، أو يقدرون على المجيء في تاكسي. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021