كزافيه لوغران لـ"المدن": أبحث عن المُعادل المُعاصر للمأساة اليونانية

محمد صبحي

الأربعاء 03/04/2019
مبكراً، يضع "وصاية" مشاهِدَه في مكان غير مريح. فمنذ اللقطات الأولى، يقدم المخرج الفرنسي كزافيه لوغران (ميلون - فرنسا، 1979) وجهة نظر السرد إلى القاضية المنوط بها قرار حضانة جوليان الصغير (توماس جيورا) بعد طلاق والديه أنطوان (دوني مينوشيه) وميريام (ليا دروكير). يجلس المشاهد معهم، هناك، في غرفة غرفة باردة ومعقمة، منصتاً لجلسة الاستماع الشفوية للقضية، وإدعاءات المحاميتين المحترفتين والفعّالتين للغاية، لتكون النتيجة هي استحالة تمييز ومعرفة أي الطرفين يقول الحقيقة. الزوجة تتهم طليقها بأنه مسيء وعنيف، فيما يردّ هو بمناورة مضادة ويتهّمها بالكذب. "حاولت إيصال التوتر والشحن العاطفي للموقف من خلال عرضه في زمنه الحقيقي تقريباً"، يشرح لوغران. "كنت أتساءل: مَن الذي سيصدّقه الجمهور؟ ما هي الأسباب التي ستقنعك أكثر؟ المشاهد مغمور في حالة من عدم اليقين، لكن في اعتقادي أنه ينتهي إلى اتخاذ قرار".


تنتهي جلسة الاستماع الشفوية وتختفي القاضية من الفيلم، لكن قرارها بمنح الحضانة المشتركة للوالدين سيؤدي إلى تحوُّل الفيلم من الدراما الاجتماعية إلى التشويق، أولاً، ثم في النهاية، يؤدي إلى واحدة من أكثر التسلسلات صدمة ورعباً. يقول لوغران إنه استرشد بثلاثة أفلام أثناء كتابة السيناريو: "كرامر ضد كرامر" (روبرت بينتون، 1979) ، "ليلة الصيّاد" (تشارلز لوتون، 1955) و"البريق" (ستانلي كوبريك، 1980)... "وأثناء التصوير، نسيتها تماماً. لكن هذه الأفلام ساعدتني في التركيز على الموضوعات التي أردت التقاطها والعثور على الحالات المزاجية التي تمر بها الشخصيات"، يقول لوغران.

وفقا لوزارة الداخلية الفرنسية، توفيت 109 نساء في العام 2016، نتيجة أعمال عنف على أساس الجندر في فرنسا. ينجح لوغران، عبر إيمانه بقوة السينما وسيره على خطى هيتشكوك وهانيكه وشابرول، في تناوله مسألة العنف المنزلي، وفي تحقيق بورتريه سينمائي مدقق وحسّاس لدى التقاط المشاهد وتلاعبه العاطفي؛ وهو ما أهّله للفوز بجائزتي الأسد الفضي لأفضل إخراج، ولويجي دي لورنتي لأفضل فيلم أول، في الدورة ما قبل الماضية من مهرجان فينيسيا السينمائي، قبل أن يتوّج مؤخراً بجائزة "سيزار" لأفضل فيلم هذا العام. واللافت، هو الاعتناء الذي يوليه لوغران لتفاصيل فيلمه، باقتصاده فيها بدلاً من إغراقه بها، ما يبعده بشوط طويل عن مشكلات مألوفة في الأعمال الإخراجية الأولى.

التمثيل يساعد في صقل الفيلم، وحركة الكاميرا محصورة في الأغلب داخل بيوت وسيارات، حتى شريط الصوت لا يثقله بالموسيقى التي لا نكاد نسمعها طوال الفيلم؛ ما يتمازج ويتوافق لخلق توتر درامي محكم التأثير. "لا أبحث عن مؤثرات مبهرة. أعتمد أكثر على تكرار الكادرات في مواقع تظهر مرات عديدة بهدف خلق اعتياد معين، وفي الوقت نفسه، الإحساس بأننا محاصرون، وأننا ندخل في فظاعة محلزنة"، يشرح لوغران. يتخذ المخرج، الذي يمتلك خبرة مهنية طويلة كممثل، قرار تغيير وجهة النظر في مناسبات عديدة طوال الفيلم. لكن أداء دوني مينوشيه، يظل أكثر ما يثير الإعجاب بمزيجه المتوازن من الذكورة الطافحة والسلوك الطفولي أحياناً، رغم الحقيقة الغريبة في عدم ترشيحه لجائزة "سيزار" لأفضل ممثل، في مقابل حصول زميلته ليا دروكير على جائزة أفضل ممثلة.

"المدن" طرحت على لوغران أسئلة حول فيلمه، فكان الحوار الآتي:


- المَشاهد المبكرة توحي لي بفكرة تعاملك مع عملية إنجاز الفيلم كنوع من اللعب مع نسيج لدن قابل للتمدد. هل هذا صحيح؟

* إلى حد كبير. أنت تبدأ فيلمك بفكرة بسيطة، ثم تمدّ أطرافها الممكنة في سياقات أوسع. أشد هذ النسيج اللدن وأضع المُشاهد في الأحداث. ليس من طريق شرح كل شيء والإغراق في الحوارات، بل أرغمك على التفكير في السؤال التالي: ما هذا الذي يحدث؟

- وكيف بذلك تبني التوتّر؟

* مثلاً، لا أستخدم الموسيقى في الفيلم. فقط أستعين بأصوات البيئة المحيطة اليومية. جهاز إنذار لسيارة تنطلق، محرك يتحرك أكثر فأكثر، أو باب يغلق بعنف. في المشهد الذي يحدث في إحدى الحفلات، تكون هناك موسيقى صاخبة، لذا لا يمكنك سماع ما يقوله الناس لبعضهم البعض. عليك أن تعرف من خلال وجوههم. هذا يجلب التوتر.

- "وصاية" هو فيلمك الأول، لكنك تعرف بالضبط ما تفعله. أين تعلمت ذلك؟

* لم أتدرب على ذلك، لكني شاهدت الكثير من الأفلام. ألفريد هيتشكوك، ميكائيل هانيكه، جوس فان سانت، بيدرو ألمودوفار. تعلمت منهم كيفية سرد القصص، وبالأخصّ كيفية تصويرها. ما إذا كان يجب تصوير شيء ما، من مكان قريب أو من بعيد. أكتب المَشاهد بتفصيل كبير: أي صوت سنسمعه، أي لقطة أريد أخذها، هل أرغب في تصوير المشهد في لقطة واحدة أو في لقطات مقطّعة.. بالطبع يمكنك إجراء تعديلات أثناء التصوير، لكن عادةً ما أقوم باستعراض كافة الخيارات مقدماً. أسأل نفسي دائماً: كيف أضع المُشاهد في القصة بإخبارها بهذه الطريقة؟

- في فيلمك يختلف منظور المتفرج دائماً...

* أعرض القصة من وجهات نظر ثلاث: أولاً، بعَينَي القاضية، ثم بعَينَي الطفل، ثم الأم. كمُشاهد، سيكون عليك تقييم قرار القاضية، وفهم معضلات الطفل، وتفهّم خوف الأم. بمعنى أنه في كل مرحلة يكون عليك الانحياز لرؤية معينة. بهذه الطريقة أحاول أن أتأكد من أنك دائم التيقظ.

- فيلمك يلعب على أنواع فيلمية هيدية. يبدأ مثل دراما المَحاكم، ثم يعتمد أكثر على التشويق. لماذا؟

* بدا لي ذلك أكثر الطرق حسماً لتناول العنف المنزلي. أثناء التحضير للفيلم، أدركت أن الضحايا المنسيين، عندما يتعلق الأمر بالحضانة، هم الأطفال في الغالب. قابلت العديد من النساء المعنيات اللواتي أخبرنني عن حياتهن والخوف والإرهاب الممارس عليهن. في البداية، يتخيل المرء نفسه في دراما اجتماعية مثل "كرامر ضد كرامر"، ثم يميل الفيلم، من دون أن يلاحظ أحد، إلى نوع آخر.

- الأب الذي يلعب دوره دوني مينوشيه، يشبه قطاً يطارد فأراً. لا يهدأ سعيه في العثور على منزل أسرته الجديد، ولا يتخلّى عن طبعه القديم...

* بدا لي أن العنف المنزلي مثل دائرة حميمة لا يمكن للناس اكتشافها. ربما لأن دخولك فيها يعني تضمينك لطبائع البشر ووقائعهم، وليس فقط رواية أحداث العنف. أردت استخدام مواقع محددة وقليلة حتى يتمكن المُشاهد من الاقتراب من الشخصيات وعلاقاتها. من المهم أن تجد طريقك بين المساحات والفضاءات والأبنية، وأن تتبع حركات الشخصيات بشكل غريزي. وبقدر الإمكان أن تُظهر ما تخبره على الشاشة في زمنه الحقيقي، وأن تخلق التوتر الدرامي بأقل عدد من القطعات المونتاجية.

- الأب عدواني، في حين أن الأم دفاعية للغاية. هل تريد أن تظهر دوامة من العنف لا يمكن الهروب منها؟

* هذه الرؤية متروكة دائماً للجمهور. هناك أشخاص اتخذوا موقفاً ضد المرأة منذ البداية ووجدوها مغلقة للغاية. كنت أنوي أن يظل الوضع غامضاً، فليس المهم مَن المذنب. بالإضافة إلى ذلك، الأفلام التي تضم أطفالا مؤدين، دائماً ما تكون غامضة، لأنه غالباً ما يكون من غير الواضح كيفية الوصول إلى النقطة التي ترغب في الوصول إليها. أكثر المَشاهد توتراً بين الأب والابن تحدث داخل السيارة، أو في لقطة مقرّبة ينعكس فيها كل شيء على وجه الطفل. هذه نتائج عملية مستمرة من اختبار الأشياء.

-  اخترتَ موضوعاً صعباً لإخراج فيلم تشويقي. هل تريد أيضاً أن تدلي ببيان؟

* إضافة إلى كونه فيلماً مثيراً، فهو أيضاً فيلم سياسي. أريد مناقشة الكيفية التي ننظّم بها أسرنا. رب الأسرة ليس محل نقاش، ونحن نتسامح مع تصرفاته خصوصاً، إذا كان الأب. حتى أننا نتسامح مع العنف الذي يستخدم في عملية التعليم. من المحظور التحدث عن ذلك وبالتالي يصعب تغييره. وجهة نظري هي أن تعكس هذا الوضع. ربما يساعد على تغيير شيء للأفضل.

- هل هذا شيء فرنسي؟

* خلال بحثي، اكتشفت أن النظام القانوني الفرنسي يميّز بين علاقة الأزواج ببعضهم، وبين علاقتهم بأطفالهم. في فرنسا، لا نتحدث عن العنف المنزلي، لكن عن العنف بين الأزواج. المصطلح يدعي أن الأمر برمته هو مجرد مسألة بين شخصين، وبذلك يمكنك افتراض عنف الوالدين، من دون أن يتأثر بذلك أطفالهما. شخصياً، أعتقد أن هذا غير ممكن، وأن الأطفال هم دائماً ضحايا، ولا يمكن أن يكون الشخص الذي يضرب زوجته أباً صالحاً.

- العنف المنزلي حضر أيضاً في فيلمك القصير السابق "فقط قبل أن تفقد كل شيء" الذي رُشِّح لجائزة أوسكار...

* في الواقع، أردت أن أكتب مسرحية. وجدتُ في داخلي ميلاً إلى المأساة اليونانية وأردت البحث عما يعادلها راهناً. في أفلامي، الأمر يتعلق دائماً بالمسائل الأسرية والخلافات الحادة والانتقام والشرف، ويبدو لي أن العنف المنزلي هو المجال الذي تحدث فيه هذه الأشياء اليوم. يطلقون عليها "الدراما العائلية"، لكنها أيضاً مكان تحدث فيه جرائم القتل. علاوة على ذلك، كمواطن، أشعر بالصدمة لأن امرأة تُقتل كل يومين ونصف في فرنسا، وهذا ما أردت الرد عليه.

- ما يعرضه فيلمك يمكن أن يكون روتيناً يومياً في بعض أنحاء العالم. كيف كان استقبال فيلمك حين عُرض خارج فرنسا؟

* للأسف، ما تقوله صحيح. هذا الموضوع يؤثر في كل ثقافة وكل بيئة اجتماعية. في أحد عروض الفيلم في كندا، فوجئ الناس باحتمال وجود طفل في مثل هذه الحالة، لأن هناك المزيد من الترتيبات في كندا لحماية الأطفال. في بولندا، كان هناك صمت طويل، وفي النهاية كانت النساء هن مَن أخذن الكلمة، وقلن إنه من الجيد أن يخصص فيلم وقته لموضوع مثل هذا.


©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019