مديح العنف النسوي

روجيه عوطة

الأربعاء 24/03/2021
تدحض إيرين في كتابها الصادر مؤخراً(*) مقولة ان النسوية لم تقتل أحداً، التي تتكرر كردّ على كل من يتهم النساء بكونهن عنيفات في رفضهن تعريضهن للسلطة البطريركية. دحضُ إيرين يرادف تأكيدها على كون أن النسوية، بلى، تُقدم على القتل. وهذا، في حين لا يعود لممارساتها سوى العنف كسبيل ممكن إلى الدفاع عن نفسها أمام تلك السلطة، وكسبيل إلى إطاحتها. على هذا النحو، تُقدم إيرين العنف النسوي على أنه ضروري في هذا السياق، من دون أن يعني أنه على تطابق مع عنف السلطة إياها، بل أنه كناية عن درء لها.

فالعنف البطريركي هو مشروع اخضاع وهيمنة. أما العنف النسوي، فهو مواجهة لهذا المشروع. بالتالي، العُنفان لا يتساويان البتة. أما مساواتهما، لا سيما من قبل بعض الناشطات والناشطين، فهو مجرد اغتراب عن تاريخ النسوية. فعلياً، ايرين، وعلى مقلب مهم من مبحثها، تقدّم ما يشبه تأريخاً للعنف الثوري الذي أقدمت عليه نساء. هذا التأريخ يمتد من الرسامة الشهيرة أرتيميسا جنتلسكي، إلى جدتها ايتا، وبعدهما، ماريا دل كارمن، ونورا حسين، وحركة rote Zora الألمانية... فكل هذه النساء وغيرهن، كفرادى أو كمجموعات، استندن إلى العنف من أجل انعتاقهن، ومن أجل التمسك به. وبهذا، صنعن تاريخاً لنسويتهن، أو نسوياتهن، يختلف عن ذاك الذي لا يبرز كأنه عنوان السلمية سوى لكي يطمئن السلطة البطريركية، ولكي يخسر بفعل هذا كل قضيته سلفاً. فإلزام النسوية، وأسوة بكل الحركات والممارسات الانعتاقية، بالسلمية على الدوام، بمثابة طريقة لجعلها ممتثلة. وفي هذا المطاف، ترتكز إيرين على كتاب بيتر غلدرلوس، "كيف يحمي اللا-عنف الدولة"، الذي يشرح فيه كيفية تطويع تلك الحركات والممارسات بحجة كون العنف يؤدي باستمرار إلى هزيمتها.

وهذا، في حين أن السلمية لم تحمل إلى أي أمر مغاير، بل إن الذين يختارونها، هم في العادة يتسمون بإمتيازات السلطة أيضاً. وفي الناحية عينها، تجد إيرين أن الاعتقاد بكون استخدام العنف يشكل ضرباً من الانفعالية هو اعتقاد باطل، لأنه لا يكون، وعند الاستناد النسوي اليه، الغاية، إنما الوسيلة من أجل تحقيق حالة سلمية.

على أن محاججة إيرين حول أهمية الركون الى العنف لا تعني انها تستسهله، أو أنها تتصوره بالحنين الى أيامه الحمراء. تشير إيرين إلى أن العنف الذي تتحدث عنه ليس اغتيال المعتدين أو أي من يمثل السلطة البطريركية فقط، بل، أنه يقترب، وقبل ذلك، من مزاولات لا عنف فيها. فقد ناضلت إيرين في صفوف المجموعات التي تلصق الكولاجات على الجدران في المدن الفرنسية لإدانة قتل النساء. فتقدم تلك المجموعات على تعليق كولاجاتها أينما كان، من دون أي إذن من السلطات، وبهذا، تبدو كأنها لا تعترف بها، أو بالأحرى لا تعتبرها جزءاً من الحل، إنما عائقاً أمامها. وعلى المقلب ذاته، ورغم مديحها العنف، تقول ايرين، وبطريقة دقيقة، انها ليست مع استخدامه، بل إنها ما زالت تحبذ النضال من دونه. فالأساس في العنف النسوي انه ليس إرادوياً، انه لا ينم سوى عن حالة دفاعية أو مواجهتية، ومن تمضي اليه على هذا المنوال تزاوله من دون أي تعلق به. في النتيجة، تتناول إيرين العنف لا للقول بأنه جيد أو سيء، بمعنى يجب الإقدام عليه أو الإبتعاد عنه، إنما من أجل الا يبقى موضوعاً سطحياً، وبالطبع، لكي لا يظل البطريركيون يبتزون به التيارات النسوية بالانطلاق من كونها، ليس كالنسوية الأكاديمية والمؤسساتية، ملتزمة بآلية المطالبة بالحقوق من سلطتهم. فتناول العنف النسوي يقطع الطريق على هذه السلطة التي تريد أن تقمع النساء، بدءاً من أجسادهن، وإن أجابوها بالدفاع والمواجهة، تبدأ بتذنيبهن بكون طريقتهن ليست مناسبة!

(*)Irene, la terreur féministe, petit éloge du  feminisme extrémiste. Éditions divergences, 2021.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021