أين ذهب الخيال؟

روجيه عوطة

الإثنين 01/06/2020
من الملاحظ أن موضوع الخيال، في المجالات المتفق على كونها مجالات للإبداع الثقافي على عمومه، قد اختفى، أو صار الإتيان على ذكره قليلاً للغاية. فقبل أن يبلغ مصيره المأسوي هذا، كان قد اقترن بالإبداع، بحيث أن الإشارة الى واحد منهما تستدعي الاشارة الى غيره مباشرةً، لا بل أنهما، وفي الكثير من الأحيان، يختزل بعضهما البعض.


فشغيلة الإبداع كانوا، وحتى وقت قريب، القادرين على التخيل، وهذا، لتحقيق بغية بعينها، تتعلق بإعمال الخيال أو تنمّ عنه: تشييد عالم آخر، طرح إمكانه، أو الرمي إليه. لقد كان الإبداع، وعند اقترانه بالخيال، مذهباً إلى ما ليس موجوداً هنا، أي إلى ما هو موجود هناك، وبهذه الطريقة، كان لقاءً مع الـ"هناك" في الـ"هنا"، إيجاداً للـ"هناك" في رجاء الـ"هنا":"لا أبحث، إنما أجد" (بيكاسو).

كل هذا، يبدو يوماً بعد يوم أنه انتهى. فالإبداع افترق عن الخيال، أو العكس. لكن، في الحالتين، حصلت قطيعة بين الإثنين. وبالتالي، كل طرف، وفي إثر هذه القطيعة، قد تبدل، وانتقل إلى موقع مختلف. الأمر، الذي يدفع الى الاستفهام عنهما، أو بالأحرى عن علاقتهما: لماذا صار الإبداع من دون الخيال؟

ربما، من الممكن السعي إلى الإجابة عن هذا الاستفهام بالإنطلاق من توصيف محدد للإبداع، بكونه قد صار أكثر فأكثر حالة إنتاج خالصة. ذلك أنه، ومنذ زمن بعيد، صار يدور في نطاق هذه الحالة، اي في النطاق المؤسساتي، الذي يتسم بكونه متمدداً، وطاغياً. إذ إنه، وبفعل هذه السمات، يصير الوجهة لأي إبداع، قبل أن يقوننه كإنتاج للسوق. كلما غدا الإبداع على هذا الوضع، فهو لا يتصل كإنتاج سوى بالجانب الظلامي من السوق: كل ما يحمل من طاقة إبداعية، يطيحها، لأجل قانونه. ينتهي كإبداع، ولا يبدأ كإنتاج، فكل إبداع لا بد أن يكون، وفي ناحية منه، انتاجاً. لكن ما يبدأ كغرض السوق، بمعنى أنه يبدأ كنموذج، وما على البضائع الإبداعية الأخرى سوى أن تدور على نحوه لكي تحقق ربحها، فإنه ينتهي كإبداع، ويبدأ كنمط.

طبعاً، حين يكون الإبداع على هذا الوضع، فهو لا يحتاج إلى خيال البتة، بل إن الخيال، وفي لحظة ما، يبدو على عكسه. فأن يرتبط بالخيال، فهذا يحتم عليه أن ينظر أبعد من سوقه، أبعد من كونه نموذجاً، أبعد من كونه نمطاً، وقبل كل هذا، أو بالأحرى بالتوازي معه، أبعد من النطاق المؤسساتي. على أن هذا النظر، قد لا يكون ممكناً، فليس من المتاح للإبداع أن يدور داخل ذلك النطاق، ويطلع منه، كما لو أنه، وحين وصل إليه، قد وصل إلى خاتمة رحلته، قد وصل بالمطلق.

فعلياً، ومن أجل القليل من الدقة، ما عاد الإبداع يصل إلى ذلك النطاق. وهذا، لسبب بسيط، أن النطاق إياه ما عاد في حاجة إليه، في حاجة إلى أن يكون الإبداع قد دار خارجه، فيمضي إلى استدخاله على سبيل المثال. هذه العملية انتهت نوعاً ما إلى غير رجعة، فقد أقفل النطاق، وصار ينتج إبداعه، أنماطه، التي، وللوصول إليه كمركز، لا بد من حذو حذوها. لقد صار الإبداع يولد خاضعاً.

في السياق نفسه، وحين صار الإبداع متصلاً بنطاق مؤسساتي، ولا يُنتج سوى في هذا النطاق، فقد استبدل الخيال، الذي ما عاد لصالحه، بشيء ما، وهو النشاطية. الابداع صار ناشطاً، أياً كان شكل هذا النشاط، وأياً كانت قضيته، وعلى هذا المنوال، ما عاد يتخيل أبعد من الموجود "هنا"، بل صار يريد أن يصلح هذا الـ"هنا"، ويبحث فيه، ويغيّر في مجرياته. وحتى حين يقلب نشاطيته عملاً ثورياً، فلا تبدو ثورته أنها تنطلق سوى من إقراره من كون الـ"هنا" هو الممكن الوحيد والأخير، سوى من حفاظه عليه. لهذا، عمله الثوري غالباً ما يبدو أنه يقوم بالمحاكاة، أي أنه يحاكي مشاهد وخطابات ومقولات، يستدعيها من الماضي، ويعيد تدويرها.

فلا يؤدي عمله الثوري سوى إلى إعادة إحياء من واجهته تلك المشاهد والخطابات والمقولات في ماضيها، إلى تكريسه بعد انصرامه من الراهن. هكذا، يصير العمل الثوري تحضيراً لروح السلطات التي رحلت، كما أنه تحضير لروح نظامها.

حين تأخذ النشاطية مكان الخيال في الابداع، في نطاقه المؤسساتي، فهذا الإبداع يصير في خدمة الـ"هنا"، الذي، ولأنه لا يريد غيره، يُصاب بهوس تصليحه مباشرةً، أو مواربةً، أي بمحاكاته الثورية. من هنا، الابداع إياه ينطوي على بُعد مطلبي، وتصير وجهته واضحة، وهي الجسم الدولتي كحد أقصى، وبهذا، يحقق حلم نطاقه المؤسساتي، وهي أن يصير امتداداً له.

هذا، في الواقع، يرتبط بطبقات ذلك النطاق، بحيث أن المستثمر فيه هو الطبقة البرجوازية. أما، فاعله المثالي فيستقر على كونه من الطبقة الوسطى، أي من الطبقة الوسطى المتطرفة تحديداً. فيصعب أن يكون هذا النطاق على هذه الحال، وأن يترك مكاناً للتخيل داخله، وبدلاً من ذلك، هو ينتج النشاطية من أجل نظامه، من أجل القول أن لا ممكن سواه.

على هذا النحو، تُطاح العلاقة بين الإبداع والخيال، بحيث يصير الأول محبوساً في نطاق يقضي عليه. كما أن الثاني، وإن وجد، يصير مقتصراً على جهة محددة، حيث يحل فيها بإسمه، وحيث ينضبط بها، أي جهة الخيال العلمي. ففي هذه الجهة، يغدو الخيال بائناً، وفي هذه الجهة، يبدو أنه يشتغل إلى درجة نضوبه، وفي هذه الجهة، يتحول مرجعاً للـ"هنا"، الذي يستند إليه، لكي يضمن مستقبله. وتشجيع الشركات الكبرى على قراءة الخيال العلمي، يندرج في هذا السياق. هكذا، يصير الخيال وسيلة لـ"تعقيل" الـ"هنا"، لـ"تعقيل" نظامه، وهكذا، يكون الشعار الستيناتي "السلطة للخيال" قد تحقق.... وضد الخيال والإبداع بالتأكيد!

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020