أدب الدين العام

روجيه عوطة

الأحد 26/09/2021

من أين تأتي ساندرا لوكبير بإيمانها بالأدب، أو بالأحرى بدوره في معركة كبيرة من قبيل دحر النيوليبرالية؟ هذا الاستفهام هو ما تحمل اليه قراءة كتابها الجديد "وزارة القصص العامة" (دار فردييه)، الذي تأخذ على عاتقها فيه تناول موضوع ليس سهلاً البتة من ناحية مقاربته سردياً، وقبل ذلك، ليس معتاداً النظر إليه من هذه الناحية بالتحديد. لوكبير، التي كانت قد وضعت كتاباً يشبه بشكل من الأشكال المانيفستو حول قضية "فرانس تلكوم"، تعود بنص عن الدين العام، يقوم بفكرة اساسية، وهو: ان الحديث عن هذا الدين قد صار عادياً، وهذا، في وقت أنه بحد ذاته ليس عاديا أبداً، على العكس، فهو يعني تدمير اي خدمة من الخدمات العامة. هذه الفكرة، ومع انها، للوهلة الاولى، تبدو غير أدبية، ولكن، لوكبير تدرك كيف تبديها انها كذلك. وفعلها هذا حيال هذه الفكرة، هو الذي يجعل من الادب، الذي تحاول رسم ملامحه، على معنى مختلف.


للوقوف على هذا المعنى، لا بدّ من السعي للإجابة على الاستفهام اعلاه. فأدب لوكبير هو أدب-معركة لأنه، ومن دونها، لا يبدو أنه مقتنع بأن له محل من الإعراب. هو، في هذه الجهة، يتسم بأمرٍ محددٍ، وهو أنه على وعي، لا بدوره، بل، وبادئ ذي بدء، بموقعه: هل يقف مع النظام؟ مع الدين العام؟ مع إدارة "فرانس تلكوم"؟ هذه القضايا وسواها تفرض نفسها عليه، كما لو أنه لا يستطيع التفلت منها، ويكون على صلة بغيرها كما لو انها ليست موجودة. يتبناها، ربما، ولكنها، هي أيضا تبنيه، فهذه القضايا تجعله على علاقة بلغته، بجمله، بتركيباته، بسردياته، تجعله يعيد ترتيب مداه. من هنا، اول بناء هذا الأدب يبرز في أثر يتركه في العبارة اذا صح القول، فلوكبير تجعل من الحسابات العامة، وبلعب على تصويتها اللساني، قصصا عامة (compte et conte).

وبهذا، هي فعلياً تبدي ان للدين العام، للحديث عنه، بعداً سردياً، بمعنى أنه يقدم ضمن قصص عنه غالباً ما تظهره كأنه روتيني، لا مشكلة فيه، أو بالأحرى لا يوجد أحد مسؤول عنه. في هذا السياق، يأتي الأدب لكي يغير كل هذه القصص، ويقدم حكايات الدين العام بما هي وقائع، تماماً، كواقعة موت طفل بعد تسكير إحدى مؤسسات الامومة في "الدروم". ولكنه، لا يفعل ذلك بالانطلاق من منحى توثيقي، وهذا، على الرغم من كون أدب لوكبير هو، وبجزء منه، ينطوي عليه. فما ينعقد عليه هذا الادب هو نوع من جعل هذه الوقائع إشارات على اسطورة يشيدها. بالطبع، تشييده لهذه الأسطورة، يريد منه أن تكون مضادة لتلك التي تفبركها النيوليبرالية: الدين العام ليس بأمر اقتصادي، إنه كابوس على كل الصعد، كما أن مفاعيله ليست بمشكلات تنموية، إنها كابوس معمم على كل المستويات، ثم أن حله لا يكون بالذهاب إلى المزيد من الاتكال على السوق، إنما بإعادة تقييم النظام الذي ولّد ذلك الكابوس منه. بالتالي، ينطلق أدب لوكبير من كونه استنتاجا لهذا الكابوس، فضلاً عن كونه دعوة صريحة إلى الاستيقاظ منه.

وهذا، في الواقع، جانب أساس من أدب لوكبير، بحيث أنه ملتزم إلى درجة يبدو احياناً انه يريد نشر الوعي بذلك الكابوس كما لو أنه يبشر به. بالطبع، هذا ما يفقده احياناً سحره، سحر البحث اذا صح التعبير-طغيان المنحى التبشيري بفكرة على منحى التفتيش عنها- ولكنه، سرعان ما يستعيد هذا السحر من خلال طريقة أو بالأحرى طرق سرده، التي تجعله مليئاً بالتفاصيل بالإضافة إلى جعله ينطوي على منظورات ومقاربات مختلفة. فهو بمثابة مجال رحب لتجربة، وجدت في تحويل الدين العام إلى موضوع أدبي ضرب من "الباروك".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021