الثورة والاستعمار والسيسي ونهاية الصبر

ناصر كامل

الثلاثاء 26/03/2019
لا تستطيع أي قراءة نقدية لثورة 1919، بمناسبة مرور ذكراها المئوية الأولى هذا العام، التملص من مقارنة الحديث الذي دار في الواقعة الأولى والتي تعتبر بالإجماع الحدث التأسيسي للثورة، مع بعض وقائع السنوات الخمس الماضية. وعند التدقيق، قليلاً، ستتجاوز المقارنة الحدود الممكنة لتصل إلى حد رصد المطابقة بين الخطاب الاستعماري والخطاب السلطوي، وبين مطالبات الاستقلال ونداءات الحرية.

لن يتسع المجال هنا إلا لتفاصيل "حديث 13 نوفمبر سنة 1918"، حيث ستوضع كلمات السير "رجنلد ونجت" بإزاء نصوص قاطعة من خطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما ستوضع كلمات: سعد زغلول، وعبد العزيز فهمي، وعلى شعراوي، بإزاء بضعة نداءات لمعارضي السيسي ومواقف دولية.

يمهد المؤرخ عبد الرحمن الرافعي فى كتابه "ثورة 1919- تاريخ مصر القومي من 1914- 1921" لعرض وقائع الحدث، بتحديد الزمن، وميزان القوى، والحافز، والهدف: "أشرفت الحرب العالمية الأولى على نهايتها، واقترب موعد تقرير مصير الدول والشعوب، فأخذ ذوو الرأي من المصريين يفكرون بطريقة لرفع صوت مصر، وتمثيلها في مؤتمر الصلح، وزاد في هذه الحركة الفكرية ما ترامى من أنباء الشعوب الصغيرة، إذ أخذت تتأهب لإرسال وفودها إلى المؤتمر لتحقيق آمالها القومية تطبيقاً لمبادئ الرئيس ويلسن".

الصورة الكلية التي يقدمها الرافعي ترتكز على مبدأين: المصريون كغيرهم من الشعوب "الصغيرة"، يتطلعون للاستقلال، وهم جميعاً يستندون إلى واقع الانتصار فى الحرب، ثم إلى مبادئ رئيس أميركي اعتبرت بمثابة "مبدأ عالمي". والمقارنة التي نشرع فيها هنا تتصور أن مطالب الاستقلال قبل مئة عام، تعادلها الآن مطالب الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان، كما تضع خطاب السلطة -سواء كانت سلطة الاحتلال أو النظام السياسي الحالي- في مواجهة خطاب المطالبين بالاستقلال قبل قرن، والحرية وحقوق الإنسان وتداول السلطة الآن.

سعد زغلول وعبدالعزيز فهمي وعلي شعراوي؛ الذين يصفهم الرافعي وصفاً دالاً بحيث لن يجد القارئ صعوبة فى تصور أمثالهم الآن فيقول بأنهم "شخصيات لم تُعرف من قبل بطابع العداء الشديد لإنكلترا والاحتلال البريطاني"، ذهبوا لمقابلة رجنلد ونجت، المندوب السامي البريطاني في مصر، للتحدث إليه في "طلب الترخيص لهم بالسفر إلى لندن، لعرض مطالب البلاد على الحكومة الإنكليزية".

بدأ ونجت الحديث بهذه الكلمات: "إن الصلح اقترب موعده، وإن العالم يفيق بعد غمرات الحرب التى شغلته زمناً طويلاً، وإن مصر سينالها خير كثير، وإن الله مع الصابرين، وإن المصريين هم أقل الأمم تألماً من أضرار الحرب، وإنهم مع ذلك استفادوا منها أموالاً طائلة، وإن عليهم أن يشكروا دولة بريطانيا العظمى التى كانت سبباً في قلة ضررهم وكثرة فائدتهم".

عناصر الخطاب المقتضب للغاية، تلك، والتى يمكن اعتبارها بمثابة "التوجه الاستراتيجي" الذي يفتتح به المسؤول الاستعماري الحديث، قاطعاً الطريق بصورة مباغتة على زائريه، شديدة الوضوح: الخير قادم، عليكم بالصبر، أنتم أفضل من غيركم، عليكم أن تشكرونا.
ومع استعراض سريع لخطابات السيسي سنقع على الكلمات نفسها، وربما بالترتيب ذاته، على امتداد السنوات الخمس الماضية، وإن كان بترداد وتكثيف أكبر بالطبع، وبمجازفة مطلقة بالمصداقية فى بعض الأوقات.

هكذا، يمكن النظر إلى تلك الجملة التى قالها فى نهاية يناير2017: "أطالب الشعب المصري بالوقوف إلى جانب مصر 6 أشهر فقط". وبعدها بنحو عام، قال في "بلاغة" مفتعلة ممقوتة: "ناس شبعت من الجوع، وشربت من العطش، وفضلت تصبر حتى عجز الصبر". ثم في 30 يونيو 2018، طالب المصريين بالصبر على التقشف و"الفخر بما تحقق". وبعد شهرين قرن الصبر بالعمل: "الحكاية حكاية كبيرة جداً.. ومش هتتحل غير بإرادة المصريين والعمل والعمل والعمل والصبر". وربما لأن الشهور الستة قد مضت، ومضت مثيلتها وأكثر، فقد مد حبل الصبر للمصريين: "فى 30 يونيو 2020 ستكون مصر في مكانة أخرى.. اصبروا وسترون العجب العجاب في مصر". كان ذلك فى يناير 2018، وربما وجد البعض في الكلام "أملاً ما"، لأن الرجل قرن مدّ حبل الصبر بتلك الجملة التي بدت قاطعة للغاية: "أنا مش قاعد 20 سنة، لأنه يجب أن نعطي الفرصة للجميع، ولو فيه حد نَجيب أكثر مني، يجي فوراً مكاني".

بعض الصابرين من المصريين، ربما يجدون بعد عام من هذا الكلام "القاطع"، ما يجعلهم يتذكرون رد سعد زغلول على المندوب السامي، فإذ هم يسمعون ويشاهدون ويقرأون ما يعلمهم بأن هناك خططاً لكي يظل الرجل "قاعداً" ربما أكثر من 20 سنة. فربما يقول قائل منهم "صدق سعد" حين أجاب المحتل: "إن الحرب كانت حريقاً انطفأ ولم يبق إلا تنظيف آثاره"، وأنه يظن أن لا محل لدوام الأحكام العرفية ولا لمراقبة الجرائد والمطبوعات، وأن الناس ينتظرون بفارغ الصبر زوال هذه المراقبة كي ينفسوا عن أنفسهم ويخففوا عن صدروهم الضيق الذي تولاهم لأكثر من أربع سنوات.

وخلال السنوات الأربع التى يذكرها سعد، كان الاحتلال قد وضع كل ترسانة جيوشه وآليات القمع والقهر والمراقبة، على رقاب المصريين، بحجة الأمن والحرب وتأمين البلاد والعباد. والآن يذكرهم (المحتل) مرة أخرى بأن "إزالة المراقبة مسألة عسكرية"، ثم يكرر: "يجب على المصريين أن يطمئنوا ويصبروا ويعلموا أنه متى فرغت إنكلترا من مؤتمر الصلح فإنها ستلتفت إلى مصر وما يلزمها ولن يكون الأمر إلا خيراً".

عندها يتقدم سعد ويفتح باب المطالب "المهذبة"، قائلاً: "المصريون قلقون على مستقبلهم"، فيحذرهم المحتل بصرامة: "يجب ألا تتعجلوا وأن تكونوا متبصرين فى سلوككم، فإن المصريين في الحقيقة لا ينظرون للعواقب البعيدة". فيرد سعد: "هذه العبارة مبهمة المعنى ولم أفهم المراد منها؟". فيزيده المحتل صرامة ووضوحاً: "أريد أن أقول إن المصريين ليس لهم رأي عام بعيد النظر".

للحوار السابق صياغة أخرى طازجة، أو هكذا يمكن أن توضع كلمات السيسي بإزائه. فهو كرر مرات عديدة التحذير، من أن أي مطالبات أو تحرك، أو تعبير عن الرأي، يهدد البلاد والعباد، لكنه للأسف لم يكن بوضوح "السير ونجت"، وإلا فلنقارن بين ما كلمات ممثل الاحتلال وكلمات السيسي: "المعضلة هي أننا لو تحركنا تزعلوا.. ولما تزعلوا تتحركوا.. فلما تتحركوا تلخبطوا.. فلما تلخبطوا تهدوا البلد.. ولو ما اتحركناش هنفضل عاجزين.. وتحسوا بالعجز والقلة.. فتتحركوا وتهدوا البلد.. يعني في جميع الحالات ما نتحركش".

وحين يسألهم المندوب السامي: "إذاً، أنتم تطلبون الاستقلال؟!"، يجيبه سعد: "ونحن له أهل، وماذا ينقصنا ليكون لنا الاستقلال كباقي الأمم المستقلة؟". فيرد المحتل: "لكن الطفل إذا أُعطي من الغذاء أكثر مما يلزم، تُخِم". فيتصدى له عبد العزيز فهمي: "نحن في طلبنا الاستقلال التام لسنا مبالغين فيه، فإن أمتنا أرقى من البلغار والصرب والجبل الأسود وغيرها ممن نالوا الاستقلال قديماً وحديثاً".

ولنجمل ردود المحتل على تلك المقاربة الجديدة التي "تدّعي" أن المصريين مثلهم مثل الأوروبيين؛ بل "أرقى من بعضهم"، وأنهم لذلك "يستحقون" الاستقلال، حيث المحتل يستند إلى وقائع الأمية والفقر والتخلف كمبررات لعدم منح المصريين حق تقرير المصير والاستقلال، فيقول: "لكن نسبة الأميين فى مصر كبيرة... أتظنون أن بلاد العرب وقد أخذت استقلالها ستعرف كيف تسير بنفسها؟... كانت مصر عبداً لتركيا، أفتكون أحط منها لو كانت عبداً لإنكلترا؟".

ومع هذا الموضوع والحوار الأخير، نجد خاتمة تلك المقارنة، في السجال العلني الذى جرت وقائعه -للمصادفة- خلال مؤتمر صحافي للسيسي مع الرئيس إيمانويل ماكرون في القاهرة (2019). فبينما كان ماكرون يلمح إلى إمكانية أن يكون المصريون مثل الأوروبيين و"يستحقون" أن يكون "المجتمع المدني الناشط والحيوي هو الضامن ضد التطرف والإرهاب"، كان رد السيسي المكرر والقاطع هذه المرة: "لسنا كأوروبا وأميركا في ما يخص حقوق الإنسان، فالتعدد والتنوع والاختلاف أمر طبيعي، ولا يمكن أن يسير العالم كله على نهج واحد".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019