"ليالي في حب الثورة": توجه جديد لـ"مترو المدينة"

حسن الساحلي

الثلاثاء 26/11/2019
خلال الأسابيع الأولى من الثورة اللبنانية، توقف "مترو المدينة" عن تقديم الحفلات والعروض المسرحية الغنائية، كما معظم الأمكنة الترفيهية في بيروت. انتقل نشاط العاملين فيه إلى الشارع، في الفضاءات الموازية للثورة، حيث حملوا معهم تجاربهم وممارساتهم الفنية، وساهموا في نسج هوية فنية للحدث، من خلال الغناء، عزف الموسيقى، والإنتاج المباشر للأعمال الفنية (زياد أحمدية، هشام جابر)، قبل أن يتوّجوا انخراطهم في الثورة بمظاهرة موسيقية انطلقت من الحمرا إلى وسط بيروت في يوم الإستقلال، وضمّت جميع العاملين والموسيقيين وبعض جمهور المكان. 

اليوم، بعد أكثر من 40 يوماً على بداية الثورة، يحاول "مترو" العودة مجدداً إلى وظيفته الأساسية، من خلال برنامج جديد يتقاطع مع الحدث تحت عنوان "ليالي في حب الثورة". لكن العودة لن تكون مكتملة بسبب الاوضاع الإقتصادية، وستقتصر على ثلاثة ايام في الاسبوع، على أن يفتح البار فقط في الأيام الباقية.

يقول هشام جابر، مدير البرامج، إن المكان كاد يغلق ابوابه، إما كلياً أو حتى تتحسن الأوضاع الإقتصادية، لكن في إجتماع مع فريق العمل والموسيقيين، اقترحوا ان يقدموا الحفلات من دون الإتفاق على مبلغ محدد كما كان الحال قبل الثورة، وأن يتقاضوا على أساس الإقبال على شراء البطاقات (التي تقسم بينهم)، ما سمح بتخفيف الضغط نسبياً عن الإدارة.

خفضت أسعار البطاقات بشكل كبير مقارنة مع أسعارها قبل الثورة، حيث أصبحت فعلياً مناسبة للشرائح الأكثر تضرراً من الأوضاع (ألف ليرة، عشرة آلاف، وعشرين ألف). في الوقت نفسه أبقى "مترو" المجال مفتوحاً للقادرين مادياً والراغبين في دعمه بأكثر من السعر المتعارف عليه للبطاقة.

غيّرت الثورة في هوية "مترو"، ليس فقط من خلال أسعار بطاقات الدخول، بل أيضاً من خلال طبيعته كفضاء ترفيهي منعزل ضمن أزمنة سابقة "يلجأ إليها الهاربون من سوداوية الراهن". أصبح "مترو" اكثر انفتاحاً على الواقع اللبناني، واكثر انتماءً إلى المجال العام وهمومه.



أكثرية العروض الآن ستكون ضمن ثيمات مرتبطة بالصراع القائم بين الثورة والسلطة، من "في السياسة في خباثة" (29، 30 تشرين الثاني) الذي يتألف من مجموعة عروض (20 دقيقة للعرض) تضم "هتافات ثورة" (أغان مقتبسة من الهتافات)، وتضم أغاني ثورية من اميركا الجنوبية، أعمال لفرقة "الراحل الكبير"، مقطع من  "السيرك السياسي" الذي عرض سابقاً في مهرجانات "بيت الدين"، بالإضافة لأعمال من ألبوم "أغاني سرفيسات" الذي يعتبر أول إنتاجات "مترو المدينة" الموسيقية.

يتناول عرض "أغاني سرفيسات"، ثقافة الشارع، بطريقة كوميدية وسوداوية، بمشاركة كل من مريم صالح وساندي شمعون وياسمينة فايد، ويمكن اعتبار أغانيه أفضل ما قدمه "مترو" حتى اليوم. لكن الألبوم ظُلِم، بسبب تزامن إطلاقه مع بداية الثورة، ولم يحاول "مترو" توزيعه وعرضه كما يجب، سوى عبر شركة "مستقل" التي وزعته خارج لبنان.

يضم البرنامج الجديد أيضاً ليالي "ستاند آب كوميدي" لفنانين معروفين في المشهد البيروتي. يمكننا القول أن هؤلاء كانوا، حتى بداية الثورة، الوحيدين القادرين على تقديم خطاب جديد في بيروت (خاصة في مركز "كيد" الذي استضاف عروضاً دورية لهم) وتمكنوا من رفع سقف النقد الإجتماعي والسياسي ومواجهة القمع، الذي كانت السلطة تحاول تكريسه في وسائل التواصل الإجتماعي قبل الثورة. 

تضم هذه العروض أسماء معروفة في هذا المجال، مثل شادن فقيه التي سبق أن قدمت عرضاً في "مترو المدينة"، وتمتلك شعبية كبيرة وأسلوباً معروفاً بتحرره وكسره للحياء العام بطريقتها الساخرة المعهودة (اطلقت شهرتها أغنية "حسسني إني رخيصة" الساخرة)، نور حجار الذي يتناول عادة مواضيع مرتبطة بالمجال العام، وهو من الحاضرين دائماً في فضاءات الثورة، بالإضافة إلى وسام كمال المعروف أيضاً على وسائل التواصل الإجتماعي.



من جهة أخرى، تستمر بعض الأسماء التي كانت جزءاً من البرنامج القديم، مثل فرقة "الراحل الكبير" التي ارتبط صعودها بالثورات العربية، واليوم ترافق الثورة اللبنانية منذ بدايتها، إن كان من خلال تقديم حفلات في الشارع او مشاركة الاعضاء في التحركات والإعتصامات. تستمر ايضاً ساندي شمعون في تقديم حفلات الشيخ إمام التي تجذب جزءاً من الجو اليساري الذي نجده عادة في ساحة رياض الصلح، وكانت حفلتها الأولى قد حملت حرفياً الشارع إلى داخل فضاء "مترو" من خلال هتافات الجمهور بين كل أغنية وأخرى (الهتافات نفسها التي نسمعها في الشارع).

وفي الأسابيع المقبلة، يفترض أن يعود "مترو" إلى عروض المسرح الغنائي مع عمل جديد من تأليف وإخراج هشام جابر عنوانه "مغارة علي بابا"، يفترض أن يخلق عالماً منفصلاً ويحوي أغاني مؤلفة بأغلبها للعرض، كما أن عروض "المترو" التقليدية ستعود تدريجياً لتأحذ حيّزاً من البرنامج، مثل "ديسكوتيك نانا" الساخر الذي يعيدنا إلى حقبة الثمانينات من خلال أغاني وإعلانات تلك الحقبة، وعرض "فرانكو آراب" الذي أنتجه "مترو" هذا العام، بالإضافة للعروض التي لطالما اعتمد عليها المكان للإستمرار مثل "هشك بشك" و"بار فاروق" وغيرها.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020