سيريل عريس لـ"المدن":السينما ذاكرة إجتماعية..والكوميديا علاج

محمد صبحي

الأحد 21/10/2018
في لحظة ما من حياته، رغب سيريل عريس (1987، بيروت) في البقاء مع جدّيه أنطون وفيفيان في بيتهما البيروتي القديم، فكانت هذه هي نواة فيلمه الوثائقي الطويل الأول.

"المرجوحة"، وهو عنوان الفيلم، أوتوبيوغرافي رقيق يقدّم فيه الحفيد تحية لجدّيه، من جهة، ويخلق مرآة سينمائية يرى فيها نفسه، من جهة آخرى. منذ بدايته، يدخل المتفرج في حالة الحزن المخيمة على الأجواء، لوفاة الابنة ماري – تيريز بعد ذهابها في رحلة عمل إلى الأرجنتين. الأم، فيفيان، تُصدَم بخبر موت ابنتها، وتقرر إخفاء تلك الحقيقة عن زوجها. أنطوان، الأب، ينتظر مجيء ابنته في ليلة عيد ميلاده التسعين. يعاني كل من فيفيان وأنطوان أمراض الشيخوخة وثقل الأيام. ولكن "موت سيدة جميلة هو الموضوع الأكثر شاعرية في العالم"، كما يقول إدغار آلان بو.‬ لذا فإن سيريل عريس يجعل من جدّيه بطلين لفيلمه، ورغم صعوبة وحساسية الموضوع، تخرج النتيجة ممتعة.‬‬‬‬‬

في بيت أنطوان وفيفيان تستطيع الاستماع إلى أحاديث تدور بمزيج من الفرنسية والعربية والإنكليزية، إضافة إلى الإيطالية التي يستعيد بها أنطوان أغنية حب من ماضٍ صار تاريخاً. الإمكانيات المتواضعة والمحدودة مادياً صبغت صورة الفيلم بتقشُّف حميمي، يليق بفيلم بيتي دافئ، ساعد في الإحساس بطيبة الكاميرا في معايشة شخصياته. هنا، لا تلصص، لا رصد مُلّحاً، لا هرولة نحو القبض على ذروة درامية، بل إقامة مع الشخصيات في روتين أيامهما المتشابهة وأحاديث تستعيد أوقات فائتة أكثر بهاء وفتنة.

كالعادة، يفعل الزمن أفاعيله، ويشيخ الجسد، ويبدأ انتظار الموت. تفنى الأعمار، ويمضي الناس، وتبقى أشياؤهم دليلاً على صيرورة دائمة ورحلة مستمرة. السينمائي اللبناني الشاب، وبدافع أساسي من التزامه وواجبه، كابن لهذه العائلة أولاً وكسينمائي ثانياً، لا ينزلق بفيلمه إلى مجرد نحيب مبكر على الرحيل المنتظر للجدّين، ولا النزول إلى درك سنتمنتالي لا قرار فنياً له. ما يفعله عريس هو ببساطة استعادة قوة السينما وسحرها الغامض، عبر شحن المشاهد بدفقات مستمرة وخفية من الحزن الجميل، يرقم سيرها الرهيف لحظات من الألم والمرح والرقّة والشجن والتساؤلات. يفعل ذلك في مساحة لا تتعدي حدود بيت سكنه أنطوان وفيفيان طوال 65 عاماً، لا تخرج منه الكاميرا أبداً وتطلّ نافذته على بناية شاهقة تحجب المدى، شاهداً على تحولات وتبدلات مدينة مجنونة في قلب بلد متقلِّب، لتغدو سيرة البيت وأهله نافذة أخرى - لكن غير عاطلة – نرى من خلالها سيرة مكان وأحوال ناس. تفنى الأعمار، ويمضي الناس، وتبقى أشياءهم دليلاً على صيرورة دائمة ورحلة مستمرة.

"المرجوحة" اختير رسمياً ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية في "مهرجان كارلو فاري" الأخير، كما حصل مؤخراً على جائزة نجمة الجونة البرونزية لأفضل فيلم وثائقي طويل في الدورة الثانية من مهرجان الجونة السينمائي. عن فيلمه وبيروت وخلود السينما، كان لـ "المدن" هذا الحوار مع سيريل عريس.

- أين بدأت فكرة الفيلم؟

*جاء علي وقت أردت فيه تصوير عائلتي، وجدّي وجدتي على وجه الخصوص، لأنه عندما يكبرون في السن، تبدأ في إدراك أنك بحاجة إلى أن تقضي وقتا معهم وتستمع إلى قصصهم. كنت بحاجة إلى ذلك. لكن دائما يكون هناك مشروع آخر يجري العمل عليه، لذلك تأجلت الخطوة مرة وراء مرة. لكن عندما توفيت عمّتي، صار لدّي مبرر. "صار فيه دراما"، إذا جاز التعبير. لإنه إذا كان الهدف هو تصوير جدّيّ وسماع قصصهم فقط، فهذا ليس مثيرا لانتباه المشاهدين، بل إنه يخصّني وحدي. صار هناك دراما وسردية ما، فخرجت فكرة التوثيق، والبحث وراء المنطق من عدم إخبار جدّي بوفاة ابنته.

هكذا بدأت، لكن بالتأكيد عندما تصوّر فيلما وثائقيا، دائماً يكبر الفيلم ويصير أكبر من الفكرة الأساسية. لذا تحوّلت الفكرة إلى هذا التأمل حول الشيخوخة.

- كلامك حقيقي، فالموضوع بدأ من ماري – تيريز ثم توسّع، لكن لديّ انطباعاً أن توثيق حياة الأسرة موضوع لبناني أصيل.

هناك أفلام "عائلية" كثيرة، في العالم العربي وفي لبنان خصوصاً. لا أعرف السبب في ذلك، لكن أعتقد أنه عندما لا تحظى بحرية الحصول على تمويل لصناعة الأفلام، تجرّب أن تنجز فيلماً عن شيء يمكنك تصويره. "المرجوحة" مثلاُ أتممته من دون موازنة تقريباً. حصلت على منحة من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، وكل تمويل عمليات الانتهاء من الفيلم جاء من خلالها. أعتقد أن هذا عامل مؤثر، إنه سهل ورخيص. ثم انه عندما تصوّر عائلتك، تكتشف نفسك، من أين أتيت، وما هو تاريخك. هذا الأمر ليس في الأفلام فقط، فالفنّ فيه هذا الانعكاس الذاتي للفنان، والعائلة مرآة لشخصيتك. ربما لذلك يكون لدينا هذا الباعث لتصوير قصص عائلية وشخصية، لكني لست واثقاً مائة بالمائة من السبب. لكن هذه الأفلام أيضاً تختلف كثيراً عن بعضها. مثلا في "بانوبتيك" لرنا عيد، تكتب رسالة إلى أبيها الراحل، ومن خلالها تحاول فهم قرارات وتاريخ عائلتها وأبيها تحديدا، وانعكاس ذلك عليها وعلى تاريخ لبنان وهكذا. إذا تكلّمنا عن "يا عمري" لهادي زكّاك، فهو مختلف كثيراً عن "بانوبتيك" أو"المرجوحة"، رغم أنه يحكي عن جدّته وفيه هذه المبادلة بين ما تصوّره أو ما تحكي عنه وبين انعكاساته، لأن هذه الأفلام شخصية للغاية وفريدة من نوعها.

- في هذه الأفلام، رغم اختلافاتها وموضوعاتها، غالباً ما تكون الحكايات الشخصية مدخلاً لتأمل أوضاع عامة وتبدلات تاريخية. هذا ليس موجوداً في فيلمك.

*هناك بعض الأحاديث السياسية في الفيلم، لكن هناك أيضاً قصص غير منطوقة. مثلاً، هذا المشهد الذي يجلس فيه أنطوان في شرفته يشاهد المنظر أمامه. لديك ثلاثة أجيال: البيت القديم، وبناية أنشئت في السبعينات والثمانينات أيام الحرب، وفي الخلفية هناك ذلك البرج الهائل المكون من خمسين أو ستين طبقاً. هذه صورة بصرية، يمكنك أن ترى فيها ثلاثة أجيال من البشر، وفيها أيضاً تعبير واضح عن بيروت التي تبني وتدفن. لذلك أعتقد أن هناك تناولاً لموضوعات اجتماعية وسياسية في الفيلم، لكن بطريقة غير مباشرة. لديك مثل هذه الأحاديث بينهم، والأخبار على شاشة تلفزيون يجلسون أمامه في صالة البيت، وكلام عن داعش. لكني أرى أن الأبعاد السياسية والاجتماعية تأتي في الفيلم بصورة بصرية وليس بكلام منطوق.

- بمناسبة بيروت، لا تخرج الكاميرا من البيت طوال الفيلم، ولا نرى خارجها سوى تلك البنايات. هل أنت ناقم على هذا الوضع؟

*بالتأكيد. الفيلم مصّور في بيت جدّي القديم في الأشرفية، وهناك، كما في كل بيروت، بنايات تعلو كل يوم في شوارع صغيرة. عندما تراها، لا تجد أي معنى. هذه البناية التي ظهرت في الفيلم، أعتقد أنها الأعلى في بيروت، وعندما ترى الشارع الذي يوصلك إليها تجده عبارة عن "زاروبة صغيرة". كأننا نقتل التراث المعماري والهندسي لبيروت بتعمير كل هذه البنايات. وبطريقة ما، نمحو تاريخ بيروت القديم. إذا مشيت في شوارع الأشرفية أو بيروت، فشريط الصوت الذي سيصاحبك سيكون مزيجا من بناء وتكسير وبنايات وأشغال. شيء محزن...

- سؤال بعيد بعض الشيء، لكنّه مُلحّ. في الغالب تحضر الحرب الأهلية في الأفلام اللبنانية. أين هي في فيلمك؟

*أنا من مواليد 1987. لم أعش الحرب. كان عمرى ثلاث سنوات حين انتهت. شخصياً، لا أتذكر أبداً الحرب الأهلية. إذا أردتُ الحديث عن الحرب في فيلمي هذا، فلن يكون فعلا أصيلاً أو حقيقياً. بالتأكيد الحرب تحدّدني بشكل أو بآخر، لكنني لم أتأثر بالحرب. ثم إنه "خلص فينا نطلع منّا، أفلام الحرب وهيك". مع الجيل الجديد من السينمائيين اللبنانيين، نرى أفلاماً أكثر اجتماعية أو عن هذا الجيل، أكثر مما نرى عن الحرب. مخرجون مثل زياد دويري أو جوانا حاجي توما وخليل جريج، عاشوا الحرب، لذا من المنطقي أن تكون أفلامهم عن الحرب. لكن بالنسبة اليّ، على مستوى شخصي، من الصعب قليلاً أن أحكي عن الحرب لأنها لم تؤثر بي مباشرةً وعاطفياً.



- فيلمك حزين، لكن إلى جوار الموت المخيِّم على الفيلم، هناك دائماً حياة. ثمة انسجام إيماني وصيروة حياتية يخلقهما المونتاج.

عندما ترى الشخصيات، فلديك فيفيان التي تعاني اكتئابا ناتجا عن حزنها لوفاة ابنتها، لكن على الجانب الآخر لدينا الجدّ الذي نراه ممتلئاً بالحياة ويعيش في سلام مع موته المنتظر. يقول لك "خلاص، عشت حياتي، والحمد لله، ونشكر الله"، لديه هذا الإيمان والامتنان لفرحة العيش " Joie de vivre". كان هذا مهماً لي أن ينعكس على الفيلم، أن يكون لديك هذا الشعور العام من الكآبة واليأس والموت، وفي نفس الوقت تجد ذلك التقدير للحياة. لديك شخصان، أحدهما ممتلئ بالحياة، والآخر يتأمل في الموت، لذا شخصياتهما لابد أن تنعكس على المونتاج.

- لكن رغم ذلك الحزن والكآبة، يخرج الفيلم "سليماً" وجذّاباً وممتعاً.

*كما أخبرتك، هذا انعكاس عام لشخصياتهما. يمكنك أن ترى الكوميديا بينهما، ومغازلة الجدّ للجدّة، وردّها المرح. حتى الجدّة، في حزنها وكآبتها، لديها دائماً حسّ الفكاهة والكوميديا. هذه المشاهد عندما تصوّرها، تكسر بصورة أوتوماتيكية حالة الحزن المسيطر على الفيلم.

- يبدو أن المرح ثقافة لبنانية، كما هو لدينا في مصر..

*كل العرب. عندما ترى أعمال إيليا سليمان عن فلسطين والاحتلال، التي يصوّرها كأفلام كوميدية. "يد إلهية" أو "الزمن الباقي"، كوميديا، لكن في القلب هناك حزن وألم من الاحتلال وكل شيء. أعتقد أن حسّ المرح الذي لدينا موجود لدى كل العرب، لأن هذا هو الحل الوحيد. عندما تعيش في منطقة مثل منطقتنا العربية، أو عندما ترى ما يحدث في البلدان المجاورة، تصبح الكوميديا علاجاً تفرضه على نفسك لتتمكن من العيش. يمكننا اعتبار غريزة البقاء هي أن تجد مرحا وكوميديا في أتعس حياة.

- توثيق حياة العجائز دائماً يفتح أسئلة أخلاقية، لكن فيلمك يتجاوز هذا المأزق.

*السؤال الأخلاقي دائماً مطروح، وهو تساؤل وجيه وفي محله. عندما أخبرت جديّ عن نيّتي في تصوير الفيلم ووجودي الدائم معهما لتصويرهما طوال الوقت، رحّبوا للغاية وكانت ردة فعلهما: "أوكي اعمل اللي بدك، بس ضلّك معنا وخلينا نحكي، ونقضي وقت سوا". بالنسبة إلى جدتي، كانت سعيدة، لأنها وحيدة والحزن يأكلها حيّة، لا يمكنها مشاركة حزنها وحدادها مع زوجها. عندما جئتُ بكاميرتي، طَلعتْ هذه المشاعر. جدّي أيضاً كان سعيداً، لأنه يجلس في السرير طوال اليوم، ومجيئي لقضاء وقت والحكي معه، سيسعده.

عندما أكون جالساً مع جدّتي، وأراها متأثرة، تبكي مثلاً، كنت أبعد الكاميرا، أضعها في غرفة أخرى أبعد. هناك مشهد تبكي فيه كثيراً، والكاميرا بعيدة عنها، لا ترى وجهها، تسمع صوتها فقط أو ترى يديها فقط. في وقت كانا مريضين وحالتهما الصحية متدهورة، فقررت ألا أصورهما في هذه الحالة. هذا جزء من الأخلاقيات.

- يبدو اهتمامك بالشخصيات وقصصهم. هل عملت كثيراً على السيناريو والمونتاج؟

*صورت في الشتاء ثم صورت في الصيف ثم عدت في الشتاء التالي. سنة كاملة، لكن على فترات. لأنك إذا صورتهما كل يوم، ستجد الناتج متشابهاً، لأن أيامهما متشابهة ولا يحدث فيها شيء جديد. قضيت سنتين ونصف السنة في المونتاج، على فترات أيضاً. كانت تتوقف أحياناً عملية المونتاج، كي أتخذ مسافة مما أصوّره، لأنك عندما تنهمك في التصوير المكثف تختفي وجهة النظر.

أيضًا، ساعدتني شريكتي مُنية عقل في عملية المونتاج، فكنت أرسل إليها ما أنجزته، فتضيف إليه، وتعيده إليّ، وهكذا، تمّ المونتاج بشكل متكامل. وفضلاً عن معرفتها التامة بي وبما أريد تحقيقه في الفيلم، فهي من خارج العائلة، وأعطتني منظوراً جديداً. هذا ساعد كثيراً في أن يكون الفيلم شاملاً وعالمياً (Universal)، بحيث لا يكون الموضوع محصوراً في قصتي أو  يضيع في خصوصيات العائلة والشخصيات.

- الفيلم مصوّر بالكامل في حدود البيت. كان هذا تحدياً صعباً.

*لكن هذا هو عالمهما. إذا خرجت منه سيكون شيئاً غير حقيقي. مثلاً، في إحدى المرات عرضت على جدتي الخروج للغداء في أحد المطاعم، وكان هذا بمثابة حدث خاص يصعب تصوّر تكراره. في آخر حياتهما كانا في البيت طوال الوقت، فلم يمكن أمامي خيار آخر سوى التصوير في البيت.

- حتى مقاطع الفيديو الأرشيفية المتضمنة في الفيلم أيضاً داخل البيت.

*هي أيضا عندما رأت نفسها ورأت البيت قديماً قالت "شوف الكنبات أحسن منّا. نحنا نختير  بس الكنبات بعدن مثل ما هني". كان مهماً أن ترى جدتي بصرياً كيف تتغير العائلة بينما البيت باق كما هو. لذلك يُختتم الفيلم بصورة البيت، بإحساس التجاوز الذي يعنيه، كما لو أنه يخبرنا بأننا نأتي ونذهب لكن كل شيء آخر يظل هنا ويبقى. تضمين تلك الصور يشعرك بمرور الزمن وتأثيره، عندما ترى نفس المكان بعد ثلاثين عاماً، لم يتغير فيه شيء سوى أن آهليه كبروا في داخله.

- فيلمك يقدّم بورتريه لبيت بيروتي، وأيضاً هناك قصة حب مؤثرة.

*قديما كانوا يتزوّجون ليظلّوا معاً. جدّاي تعرّفا على بعضهما بعضاً، وبعد شهرين تزوّجا، وظلّا معاً 65 سنة، ولآخر لحظة لا يزال جدي مغروماً بها ويغازلها. في 2018، لا نرى مثل ذلك أبداً. جيلنا، مثلاً، من المستحيل أن ترى أحداً يتزوج بعد شهرين متجاوزا كل العقبات التي تعترضه. لديك هذا الشيء الذي لم يعد موجوداً. هذا الشيء الحزين بقدر حلاوته.

- ما الذي اكتشفته عن نفسك وعائلتك بعد الفيلم؟

*أكثر شيء فكرت فيه، هو أنه عندما تقترب من نهاية حياتك يكون لديك اختياران، إما مثل فيفيان التي تخاف كثيرا من الموت وتفكر ما الذي يوجد بعد انتهاء الحياة وبعد الموت؟ في حين أنطوان، بالعكس، لسان حاله يقول "حياتي كانت حلوة، وهلّا عم تخلص، وكتّر خير الله. خلصت قصّتنا". عندما أكبر في السن، آمل أن أكون مثله، لكن في الوقت نفسه أخاف أن أكون مثله. إنهما يعطيانك ذلك الطيف اللوني، هو متصالح مع الموت، بينما هي في الطرف الآخر من الطيف تعيش فوبيا الموت. أعتقد أننا جميعا عالقون بين هذا وذاك.

- لم يُعرض الفيلم في بيروت حتى الآن، لكن هل شاهده أحد من أفراد العائلة؟

* جميعهم. أحبوا الفيلم كثيراً لأنه خَلَّد الشخصيات، كما أخبروني. وأيضاً كان هناك السؤال بخصوص "هل قمنا بالقرار السليم حين أخفينا عن الجدّ خبر وفاة ابنته؟"، لأنهم وضعوا الكثير على كاهل الجدّة، فأخذت حزنه وحزنها معاً. غير ذلك، فقد أحبّوا الفيلم، لأنه، كما قلت، قصة حب، في النهاية، ويُظهرهم كمفكرين اجتماعيين، إذا أردت.

- هل تؤمن بخلود السينما؟

* أكيد. ليس السينما فقط. الفن كلّه هو انعكاس اجتماعي. ودائماً السينما تكون انعكاساً للمجتمع الذي يصوّره الفيلم، لذا فهي تكتسب قيمة اجتماعية.

- ينتهي الناس ويذهبون في حين يبقى الفيلم، يظل هناك حكايات وذكريات تُستعاد.

هذه من وظائف السينما والأفلام الجيدة. عندما شاهدتُ "يوم الدين" لأبي بكر شوقي، مثلاً، ظللتُ أفكر بالفيلم لوقت طويل بعدها، لأن الفيلم "بقى معي". هذا جانب من تأثير وقوة السينما بالطبع.

*سيريل عريس مخرج لبناني شاب، درس الإخراج في الولايات المتحدة ويقيم بين بيروت ونيويورك. ينشط منذ عام 2009 في مجال الإخراج السينمائي، وأنجز أفلام قصيرة عديدة، آخرها وأبرزها "زيارة الرئيس" (2017)، الفائز بـ"جائزة لجنة التحكيم الخاصة" في الدورة الـ14 "مهرجان دبي السينمائي الدولي". عمل لفترة في الإخراج التلفزيوني، كما أنتج الفيلم القصير "غوّاصة" لمُنية عقل، قبل أن ينتقل مؤخراً إلى السينما الوثائقية لينجز "المرجوحة" (2018). يعمل حالياً على إنجاز فيلمه الروائي الطويل الأول "إنه عالم حزين وجميل".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019