حكومة الأشباح والنكات السمجة

محمد حجيري

الأربعاء 22/01/2020
أحسب أننا ابتلينا بحكومة جديدة، بلاءً مرّاً. ربما سنقول بعد أسابيع، ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك، دفعنا غالياً من وقتنا واقتصادنا، لنُفطر على بصلة... بشّرنا وليد جنبلاط سريعاً بأن أي حكومة أحسن من الفراغ، وهذه الأسطوانة سمعناها وعشناها من قبل. قالوا أي رئيس أفضل من الفراغ، فكان جحيم التسوية الرئاسية، الذي زاد الفراغ فراغاً وزاد الساسة عطباً.

لا شك أن تأليف حكومة، في جانب منه، يحدد المسؤوليات والوظائف والمسارات، لكن هذه الحكومة من تكليف رئيسها إلى تشكيلها، بدت موضع شك، ومصدر خوف وقلق، ولا تمتلك ذرة ثقة من الناس والشارع، ولا تمتلك أي مشروع إنقاذي، بل ربما جوهر وجودها هو أمني وكيدي. هي لا تشبه الحكومات في ولادتها، بل تبدو أقرب إلى حكومة في نهاية عهدها وقد أنهكها الفشل والزحطات. هي حكومة تصريف أعمال قبل أن تصل إلى مجلس النواب، وقبل أن تأخذ الثقة. هي حكومة الإكراه والتعسف، هذا إذ غضضنا النظر عن أسطوانة الميثاقية وما شابه. هي طبخة بحص ربما، طبخة مسمومة للرأي العام، مزينة بنصف دزينة من الجنس اللطيف، ناعمات إلى درجة الفتك، كأنهن الشرك الجاهز لأمر غامض.. حكومة يعول رئيسها على الكثير من "الأحلام"، وإن كان يعي مسبقاً أنها ذاهبة الى المجهول، وفي أحسن الأحوال سترطمنا في الجدران وتتفرج على إنهاكنا...

أتحفنا رئيسها "الاختصاصي" و"المستقل"، ببيان إنشائي مدرسي فيه الكثير من الرطانة السياسية والخداع والنفاق والتناقض. أمعن في الكلام عن الفاسدين، وهو صنيعتهم وفي حضرتهم وسيأخذ ثقتهم. أمعن في مديح 17 تشرين وصوت الناس ومطالبهم، وهو غير مرحَّب فيه بينهم، ويحاول خداعهم والالتفاف على مطالبهم... دلف للرأي حكومة تدحض تعهداته في بيان التكليف. بدا مجرد واجهة أو كيس رمل للآخرين، ومقتنعاً بدوره على أكمل وجه، راضياً أن يكون شاهداً على البلف السياسي، راضياً ان يكون قناعاً لمشاريع الآخرين... ارتضى أن يكون رئيساً لحكومة هي مسخ صغير عن الحكومة السابقة، عسى أن يتمرد المسخ (فرانكنشتاين) على خالقه.

وربما تكون هذه الحكومة أخطر، في ظل كثرة المشاريع واللاعبين الأمنيين. فهي، إلى جانب الوصف الأول بأنها "حكومة مستشارين ومستشاري المستشارين"، فيها شيء من حكومة أشباح. ربما يكون مشروع الأبرز، الشراسة ضد الشارع والتنكيل بالمعارضين. لم تمر ساعات على إعلانها، حتى تكشفت ولاءات وجوهها بالصوت بالصورة والمواقف، في قصور معلميهم وأحزابهم وفي مهرجاناتهم وأروقتهم. مِن ذاك الذي يضع قبعة حركة "أمل" في عرين نبيه بري، إلى تلك التي ترتدي بزة الحزب السوري القومي الاجتماعي وزوبعته، وصولاً إلى التابع لحزب الله ويصف على الملأ الحراك بأنه مسيّل الغرف السوداء، مروراً بصديق الإعلامي الممانع والمتهم بالفساد في الجامعة حيث كان، أو المتهم بطرد عشرات الموظفين والذي عيّن مديراً في المصرف، والأخطر الوزير الأمني من زمن الوصاية والتوحش...

عيّنات وإشارات لا تبشر بالخير... فهي حكومة أبعد ما تكون عن الاختصاص، وأبعد ما تكون عن الاستقلالية. بل هي حكومة تمييع فكرة السياسي المستقل في لبنان، وتمييع فكرة الاختصاصي المنتج، وتمييع فكرة مشاركة المرأة ودورها، وحكومة تجويف الطروحات التي كانت مقترحة كطريق للإنقاذ، وحكومة نفخ الأوهام والأدوار. نفخ في طاووسية جبران باسيل، ليعتبر نفسه محور الكون. نفخ في إمارة طلال أرسلان ليكون صاحب دور، وهو الذي يستعير النواب. وكذلك نفخ في مواقف سليمان فرنجية ليكون "القبضاي" الذي وقف في وجه جشع جبران باسيل. ونفخ في شبح جميل السيد ليوحي بأنه صاحب دور ومبشِّر بولادة الحكومة وصناعتها والمَونة على بعض أعضائها...

هي حكومة النكات السمجة بامتياز. لا تقتصر النكتة في الحكومة على الدمج بين وزارتي الزراعة والثقافة، أو البطاطا وقصيدة النثر، بل طاولت وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارتي البيئة والسياحة. فدميانوس قطار طُرح مرشحاً لوزارة الخارجية، وتدحرج ليصبح مرشحاً لوزارة العمل، وانتهى به الأمر وزيراً للبيئة. هي شرشحة الدور بامتياز. النكتة الأبرز أنه أصبحت لدينا نائب رئيس حكومة أنثى، وهي وزير دفاع، لكن لا علاقة لها بالأمن. ومعها بشائر الحكومة على لسان وزير ماليتها الاختصاصي: إذا استمرت الأزمة المالية، فنحن مقبلون على إفلاس (يا عين).

الإيجابية الوحيدة في الحكومة، وربما يكون قولنا خطأ، أنها حكومة بلا جعدنة جبران باسيل، وإن أتى كل أعوانه. حكومة بلا الياس بو صعب، بلا علي حسن خليل، بلا سليم جريصاتي... ربما تنتهي الجعدنة الباسيلية في السراي أو بعبدا، وتطل برأسها من ميرنا الشالوحي. لننتظر...
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020