ناصر السومي في سكينته

روجيه عوطة

الإثنين 04/03/2019
في حال تعيين سمة لفن ناصر السومي، فهي السكينة. فها هي لوحاته التي يعرضها "غاليري مارك هاشم" في باريس، والتي يربطها عنوان واحد، "بين السماء والأرض"، تتقدم من عيون المتفرجين من دون أن تصيبها بأي اضطراب، بل، وعلى العكس، تنزل الطمأنينة فيها، ومرد ذلك، أن تشكيلها رحب، ما لا يعني ان احجامها ضخمة، لكنها غالباً ما تستوي على مدى. 

هذا المدى، ليس السماء، وليس الأرض، هو الوسط بينهما تحديداً. هو محاولة وصلهما ببعضهما البعض، وهو، وكوسط ومحاولة، بمثابة آلة، يدرك السومي كيف يركبها، مثلما يدرك كيف ينتج نحواً لسيرها. ربما السكينة ليست سوى نحو هذه الآلة، التي، وبالتوازي مع حضورها فعلياً عبر تجهيز ميكانيكي صنعه الفنان، تحضر في كل لوحة أيضاً.

تركيب السومي لآلة سكينته ينطلق من نسق بسيط، وهو المقابلة بين السماء والأرض، وهذا، من خلال اختصار كل طرف من الاثنين بعلامة. الأولى، علامتها الأبراج، بوصفها رموزاً تشير إلى حظوظ أصحابها، أقدارهم، تحولاتهم، التي تتعلق مصائرهم بها، أو بحركاتها الفلكية تحديداً. الثانية، علامتها الوجوه، باعتبارها أيقونات يحملها هؤلاء بعد تغيرهم الى شخصيات، وهذا، بفعل تدخلهم في مصائرهم اياها، وعلى إثر حرفهم لها. فمن جهة، ثمة المحتم الذي يوجبهم، ومن جهة ثانية، ثمة الحرية التي يحققون الرغبة فيها. ونافل القول إن توتراً يقع بين الجهتين، لكنه توتر تام، وتمامه هذا تضمنه الآلة التي تعمل في نتيجته.



في اللوحة، هناك، على سبيل المثال، وجه دوستويفسكي، وفي مقابله، هناك برج العقرب، الذي يظهر جاهزاً للانقضاض عليه بلا أن يفعل ذلك. فالآلة ترتفع كحاجز بينهما، وما أثر ارتفاعها هذا سوى الخط، الذي يدل على امرين. بداية، هو شكل لمرور تلك الآلة بين الرمز والأيقونة، ثم انه مكتوبها، أو معنى مرورها. فيخط السومي جملة من جمل شخصياته، بين وجوهها وأبراجها، وعندها، تظهر هذه الجملة أنها تنم عن التوتر بين الحتم والحرية، مثلما أنها تشييد لمجال بينهما.

يؤلف الخط صلة بين السماء والأرض، فيقربهما من بعضهما البعض بلا أن يجعل الأولى تغلب الثانية، أو العكس، وبلا ان يرفع الأولى إلى أوجها، أو يسقط الثانية إلى قعرها. ولأن المكتوب يقع بعد الأيقونة، وقبل الرمز، فهو تفلت من الاثنين، وفي الوقت نفسه، تأكيد عليهما. دوستويفسكي وجه، وبرج، نعم، لكن مكتوبه ليس وجهه ولا برجه، مكتوبه هو عالم متحرر منهما، ومبني بفعل تحرره هذا.

بفعل الآلة العاملة بين الأبراج والوجوه، تولد المساحة بين السماء والأرض، لتكون خطية، ومكتوبة، ولتستقر على جو من السكينة التي لا ترتكز على طرد توتر الأيقونة مع الرمز، لكن على اتمامه، بحيث انه، وبعد ذلك، يتلاشى. السكينة هي إتمام التوتر، "مدّه" إلى نهايته، إلى أقصاه، حيث يزول من تلقائه. حينها، وفي لوحة السومي، لا يعود الأزرق متدرجا إلى الأسود، أو الأحمر، أو الأبيض، بل تصير كل الألوان متدرجة اليه. وفي أثناء ذلك، قد تصبح داكنة، لكنها مع هذا، تظل مصرة على المدى الذي، وكلما بلغته، يودي بها إلى السكينة.

من هنا، وإذا جرى تخيل كل لوحة من لوحات السومي بلا آلتها، قد يصح القول أنها تمضي بكل ألوانها، وأبراجها ووجوهها، إلى ظلمة عميقة، سرعان ما تبتلعها. فالفن الآلي لناصر السومي ضد هذه الظلمة، التي لا ينتجها غياب الضوء بقدر ما يحدثها إطباق السماء على الأرض، أو طلاقهما الكامل.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019