في "يوم البنات".. زيارة جديدة لـ"الأميرات"

رشا الأطرش

الثلاثاء 12/10/2021
لعل غالبية الأمهات والآباء ممن يمتلكون اشتراكاً في شبكة "نتفليكس" وأشباهها، لاحظت تصنيفاً برز مؤخراً في لائحة العروض، تحت مسمّيات من قبيل "فتيات قويات" أو "بنات بطلات". والأرجح أن يضم هذا التصنيف انتاجات من الرسوم المتحركة وأفلام اليافعين المحتفية بالفتيات كبطلات خارقات، ذكيات، منقذات الكوكب، وقادرات على تجاوز المصاعب وحل المشاكل. وهذا، ببساطة، رائع. للصبيان والبنات على حد سواء. إنه حصيلة عقود من النضال الثقافي والمفاهيمي الجندري لتحرير صور الإناث الصغيرات من "الوصمات" التبسيطية لـ"الأميرة" المفرغة من المعنى، كالجمال واللّطف والدّعة، من دون إضافات نوعية، مع التركيز الضحل على الحاجة إلى البطل الذَّكَر في أوقات الشدّة.

ماكينة الإنتاج الجماهيري تتبدل. تمسي أكثر تجاوباً مع العصر، ومع الجانب المشرق من الصواب السياسي بالمعنى المساواتي والهوياتي الجندري. وفي آخر الأخبار، أن واحدة من عمالقة شركات الألعاب حول العالم، شركة "ليغو" الدنماركية التي تباع مكعباتها الملونة وشخوصها الصغيرة في 130 بلداً، أعلنت التزامها بـ"إزالة الانحياز الجندري" من ألعابها، استجابةً لدراسة حديثة تظهر أن التنميط الجندري يحدّ من آفاق تطور الطفلات بالمقارنة مع أقرانهن الذكور. وفي حين لم تحدد "ليغو" بالضبط نوع التغيير الذي تعتزم إجراءه، لكن المرجّح أن تطاول الخطوات هذه، التصنيف اللوني (أزرق في مقابل بنفسجي وزهري)، وإدراج المزيد من الشخوص الإناث، وجعل موديلات التركيب تخاطب الجنسين بالقدر نفسه من الجاذبية.

هذا كله جميل. لكن...
يتساءل المرء اليوم، كأبّ/أمّ، مشتغل في التربية أو علم النفس، أو حتى كناقد فني: هل يستحق إرث ثقافة "البوب" للأطفال والناشئة، والذي كان سائداً (وآخذاً في التطوّر والتغيّر أيضاً) منذ خمسينات القرن العشرين ولغاية تسعيناته، تلك النظرة الإلغائية وأحياناً المؤبلسة التي تكرسها بعض النسوية الأعلى صوتاً، بلا تأنٍّ؟ هل التنميط الجندري مسؤولية "أميرات ديزني" وحدهن؟ مع "سندباد" و"غرندايزر" و"سوبرمان"؟ وهل تشاهد طفلات اليوم، هذه المسلسلات (وهن ما زلن يشاهدنها)، بالطريقة نفسها التي شاهدتها بها الطفلات في زمن انتشارها؟ ما الذي تغيّر؟ وهل نغامر إن قلنا أن المسألة مرتبطة بالمنظور، بقدر ارتباطها بالمحتوى الذي لا خلاف على جرعته التنميطية العالية في أحيان كثيرة؟

في دراسة جديدة لها، وجدت البروفسورة في مجال تنمية الطفولة، سارة كوين، أن "أميرات ديزني" يعانين شيئاً من الظُّلم. ومَن يستمع إلى المقابلة مع كوين، يشعر أن بعض النسخ القديمة من "الأميرات" ضحية نظرتنا المعاصرة لهن بأثر رجعي، تماماً كما باتت دارجة محاكمة مفكرين ومشاهير وفنانين من أزمان أخرى. إضافة إلى انسياق البالغين في الزوبعة التسويقية المحيطة بالأميرات، من فساتين وتيجان وأحذية براقة وتسريحات شعر، حتى اختُصرت الشخصيات في تلك "الأغراض". في حين أن ثمة أهل يتشنجون إن أصرّت صغيراتهم على قضاء اليوم في أزياء ملونة وعلى رؤوسهن حُليّ لامعة. في حين أن "سندريلا"، مثلاً، بحسب كوين، بوسعها أن تكون نموذجاً تربوياً لطيفاً عن المثابرة والتفاؤل ورفض الاستسلام، وهذه من صنوف القوة والاستقلالية أيضاً. وتقول كوين أيضاً أن الأطفال يشاهدون/يشاهدن الرسوم المتحركة اليوم كرزمة، وبالتالي هناك شخصيات مثل "تيانا" و"نولان" و"بوكاهونتاس" (مع إضافات التنوع الإثني)، وقبلهن "بيل" (الجميلة والوحش) و"آريل" (عروس البحر الصغيرة)، وهذه شخصيات تقف بقوة للمقارنة واستكمال الصورة، بسِمات مثل حسّ المغامرة والتعاطف مع الأقل حظوة ومساعدة من لا يساعده أحد. والسرّ غالباً يكمن في الغلبة التي ما عادت متحققة لصورة الأميرة السطحية، جنباً إلى جنب مع الحوار الذي بات الكبار يخوضونه مع صغارهم حول ما يُعرض. بل إن العرض يشكل فرصة لنقد/تفكيك "الجميلة النائمة" التي تظل نائمة طوال أحداث قصتها، بالمقارنة مع أميرات قويات، أو حتى من دون مقارنة.

وهذا ما لم يتسنّ للكثير من الطفلات هن اليوم في الأربعينات والخمسينات من عمرهن، واللواتي، حتى عندما شاهدن "ساندي بيل" (اليتيمة المتروكة التي كبرت لتصبح صحافية جريئة)، و"لايدي أوسكار" (قائدة الحرس المَلَكي الفرنسي وتحولت إلى قيادية في الثورة الفرنسية). إذ لم توضع تلك القصص التقدمية في سياقات تترجمها في الواقع الذي عاشته تلك الطفلات – لا سيما العربيّات منهن – في البيت والشارع والمدرسة... وغالباً ما ظل الخيال خيالاً، والرسوم رسوماً متحركة في شاشة.

وهنا سنجد مَن يقول/تقول إن السّمات الإيجابية الممكنة لـ"الأميرات" ومثيلاتهن، كانت ولا تزال تُدبَّج من منطلق إرضائي لنظرة ذكورية أو ذَكَرية، بمعنى جعل الأميرة جذابة للأمير أو البطل المتمكّن. وربما يُقال أيضاً أنه، لولا النماذج الأحدث من الشخصيات الأنثوية في ثقافة "البوب"، والتغيير العام في الوعي الثقافة السائدة جندرياً، لما تسنّت المقارنات المُشار إليها، ولا الحوارات النقدية. وهذا كله صحيح جداً. ويصح كذلك التساؤل عما إذا كانت النسوية الأكثر تطرفاً في ازدراء "الأميرات"، تواكب بدورها هذه التغيرات، وتأخذها في الاعتبار لدى توليف خطابها وإسقاطاتها المتقادمة.

ولعل التساؤلات تكمل حول ما إذا كانت "السوبر فتاة" تتحول نوعاً جديداً من إملاءات "شرطة الصواب الجندري"، مثل إملاءات "شرطة الموضة" على أجساد الفتيات والنساء. وذلك بموازاة تمييز من نوع جديد، ضد الشخصية البنّوتة (girly)، الحالمة، الأميرية، التي لا يبدو أنه يحق لها الانوجاد. فهل هذه الأخيرة، بالضرورة، شخصية ضعيفة، غبية، فقيرة الحيلة والخيال؟ وهل يجوز أن تبقى مرذولة ومختزلة في القليل والعتيق والبسيط المروّج عن "الأميرة"؟ ألا يحق للبنت والفتاة، ككيان، ومن دون طغيان وصاية الجماعة (التقليدية والتقدمية سواءً بسواء) أن تتخذ قرارات مستنيرة في مسار نموها الشخصي والنفسي، أن تتشكّل بحرية طبيعية؟ ثم، ألا تتداخل معايير "السوبر فتاة"، أيضاً مع اللعبة الاستهلاكية والترويجية و"الرأسمالية المتوحشة" على ما يحب البعض أن يسميها، حين يرصد السوق ما هو "موضة" وينتج منه أكثر.. ليبيع أكثر؟

في "يوم البنات" (11 تشرين الأول/اكتوبر)، زخرت مواقع التواصل الاجتماعي بصور الصغيرات مع ذويهن. لكن صورة بعينها عالقة في ذهني، نشرتها صديقة لدمية "باربي" وقد غيّرت ابنتها ملامح الفتاة المثالية بالألوان، وحتى الشوارب! وفي صورة أخرى، بعد اللعب بالتراب ورصف المكعّبات، كانت "باربي" جالسة تقرأ، وشريكها "كين" يغسل الصحون. اللعبة الشقراء النحيلة، ذات الفساتين الكثيرة، ليست طوطماً فولاذياً، ولا "قِيمُها" كلّية القُدرة. البنات هنا أيضاً حاضرات.. وبقوة.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021