"حدث ذات صيف في القاهرة"لياسمين الرشيدي.. تحية للثورة المغدورة

وجدي الكومي

السبت 20/10/2018
ليس من السهل الكتابة عن رواية الكاتبة المصرية ياسمين رشيدي "حدث ذات صيف في القاهرة"، الصادرة ترجمتها مؤخراً، ﻷنها رواية تطمح عبر صفحاتها القليلة إلى توثيق لحظة "الثورة المغدورة" وإعادة طرح سؤال اللحظة التاريخية التي شهدتها مصر في 2011.. كيف حدث؟ ولماذا فشلت الفرصة الوحيدة للتغيير؟

الرواية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم اﻷول تدور أحداثه في بيت بطلة الرواية، الفتاة التي تنشأ لعائلة مصرية تورط أحد أفرادها في اغتيال السادات، العام 1981، لكننا نتتبع سيرة العائلة بعد حدث اﻻغتيال بثلاث سنوات، في صيف العام 1984، وتحكي بطلة الرواية عن طفولتها في بيت تتحدث فيه أمها بالفرنسية مع العربية، وتمزج بين اﻷخيرة واﻹنكليزية، ونعرف ببساطة أن اﻷسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى المتعلمة التي طحنتها الظروف اﻻقتصادية البائسة نهاية السبعينات، ومطلع الثمانينات، لكنها لم تزل تحتفظ بتعليمها الجيد، وتلحق أبنائها بالجامعة اﻷميركية، أو المدارس اﻷجنبية. بطلة الرواية طالبة في مدرسة إنكليزية، وابن عمها يرى أن التحاقها بهذه المدرسة خيانة، ﻷنها تنتمي لمدرسة المستعمرين الذين استعمروا البلد حوالى سبعين عاماً. الصراع مع الماضي يلقي بظلاله على الحاضر، وينبئ بما سيكون عليه المستقبل، فابن العم سيكون مناضلاً ثورياً، ويتعرض للسجن في فترة ما بعد 2013، وما تلاها من أحداث، ونزول المصريين للمرة الثانية على ظن أنهم يشاركون في موجة ثورية من موجات 2011، فإذا بالمجتمع يدخل في دائرة عنف، جديدة.

تنجح ياسمين الرشيدي في جذب قارئها إلى تتبع سيرة العائلة، المرتبطة بسيرة الوطن، عبر اﻹشارات المرتبطة بأحداث التاريخ المصري المعاصر، وعلى غرار ذلك، فإنها تشاهد مع والدتها فيلماً تسجيلياً عن السادات، يظهر فيه مع وزوجته وأبنائه، خلال العرض العسكري الذي قُتل فيه. كان عمر البطلة، ثلاث سنوات عندما قتلوه، أي أننا أمام وعي طفل، يسجل ما يجري بحيادية، فتعرض لنا كيف صُدمت اﻷسرة في مشهد اﻻغتيال، قرأت اﻷم القرآن، وهبّ اﻷب واقفاً، على الرغم من رأيه السلبي في السادات: لكن بابا حكى لي كل شيء عن السادات، قال إنه فعل أشياء جيدة للغاية، وأشياء سيئة للغاية، قال بابا إن السلام مع إسرائيل سيء للغاية. لم يكن يحب اﻹسرائيليين، الخوﻻت.

بعد ذلك يعرضون فيلماً للرئيس الجديد مبارك، كان جالساً بجوار السادات عند مقتله، قالوا إن نجاته من القتل في ذلك اليوم معجزة، بل هبة من الله، فجعلوه رئيساً في اﻷسبوع التالي.

تومئ البطلة في سخرية مبطنة إلى طريقة اختيار مبارك وصعوده إلى السلطة، وتمنح ياسمين الرشيدي لقارئها عبر بطلتها كل اﻹشارات والرسائل التي ترغب في توصيلها، رأيها السياسي في مبارك وعصره، وتؤكد عليه بآراء أبيها: قال بابا أنهم يصنعون فرعوناً.

لعل الحميمي في هذا الجزء من النص، هو أن معظم هذه اﻷقوال قيلت بشكل أو بآخر في العديد من البيوت المصرية، عند استعراض المشاهد التي تشير إليها ياسمين الرشيدي، فغالبية البيوت المصرية، شاهدت هذه اﻻستعراضات، واﻷفلام التسجيلية عن تولي مبارك، بعد اغتيال السادات، وغالبية اﻵباء في تلك البيوت، تهكموا وألقوا مثل هذه الدعابات عن نجاة مبارك من ضرب النار الغزيز الذي تعرض له السادات في حادث المنصة، وكيف أنه تولى السلطة على عجالة، بلا أي انتخابات تمهيدية، أو فتح باب الترشح للراغبين في تولي السلطة. لم تكن هناك إرادة سياسية ترغب في منح السلطة لشخص خارج دولابها، لذا تأتي إيماءة ياسمين الرشيدي إلى هذا الحدث التاريخي متسقة مع الذاكرة الجمعية التي تتذكره، وتستنكره.

في هذا الصيف اﻷول من الرواية المقسمة إلى ثلاثة مواسم صيف، صيف 1984، و1998، و2014، تفتح الرشيدي عبر بطلتها باب الحنين إلى الماضي على اتساعه، بمحاكمة عصر جمال عبد الناصر، في تلك الصفحات التي تتحدث فيها المقارنة بين عبد الناصر، والملك. تقول عبر البطلة تلميذة المدرسة اﻹنكليزية: "نتعلم في المدرسة أن البريطانيين أتوا إلى مصر بشجرة الجاكرندا ليجعلوا مصر أجمل، أشارت ماما إلى الفيلا الحمراء، فيها عاشت صديقاتها، ثم استولى عليها عبد الناصر، واضطررن جميعا إلى الرحيل، ماما خسرت صديقات كثيرات بسبب عبد الناصر، أعز صديقاتها كانت ابنة الملك واضطرت إلى السفر، صديقتها العزيزة اﻷخرى كانت يهودية، واضطرت أيضاً إلى السفر، لماذا أجبرهن عبد الناصر على السفر؟ ﻷن الحياة ليس فيها عدل".

هذا الصراع الذي ينمو في عقل البطلة الصغيرة في الجزء اﻷول من الرواية عن الممارسات الظالمة لرأس السلطة، سيتطور بعد قليل لأسئلة كثيرة تطرحها بنفسها عن معنى الثورة، معنى ثورة يوليو، التي قامت في الصيف، وما فعلته في بعض أبناء الوطن، من المحسوبين على الحاشية الملكية. جَدّ البطلة كان قاضياً في المحكمة الملكية، أي أن العائلة لديها ثأر لم يُنسَ مع يوليو، وهو ربما ما يبرر التحوﻻت التي طرأت في ما بعد على أحد أفراد هذه العائلة، الذي تحول إلى أقصى اليمين، وأصبح متطرفاً إسلامياً، شارك في عملية اغتيال السادات.

لكن الرواية ليست مشغولة بواقعة قتل السادات، وﻻ بحكاية ابن العم الذي تورط في مع اﻹسلاميين في اغتياله، بل تمضي بعيداً من هذا الحدث الذي تم تصديره في كلمة ظهر الغلاف، وتستمر في طموحها اﻷول، أن توثق لحظة الثورة المغدورة، يناير 2011، لكنها تمضي بسرد تفصيلي يتناول سنوات التسعينات، واﻹرهاب الذي غلب الدولة، وتتصاعد اﻷسئلة في رأس البطلة التي كبرت قليلا اﻵن، وتنمو رؤوس موضوعات من قبيل: الرأسمالية اﻷميركية التي غلبت الوطن واستحوذت على فضاءاته. فماكدونالدز يفتتح فرعاً في ميدان التحرير، بعدما كانت تقف مع أبيها في تلك البقعة وتسمع هدير الطائرات التي تحمل نجمة داوود، وتطوع والدها في الحرب، وإدانة جيل عائلتها الأكبر لهزيمة 67، تدين ياسمين الرشيدي عبر بطلتها جيل والدها، الذي تمسك بعبد الناصر رغم الهزيمة، ورغم الكذب. يختلج  قلب القارئ، بينما تمر الكلمات الخاطفة في هذه السطور، التي تسترجع وجعاً قديماً، لم أتصوره عند الكثير من أبناء الجيل نفسها، لكني وجدته هنا في هذه الرواية، وعند ياسمين الرشيدي. تقول على لسان بطلتها: لماذا أردته أن يبقى يا بابا؟ فحملق في السقف، وتلفت حوله، غممغم بكلمات عن البطولة، ثم قال إنه ﻻ يعرف.

ﻻ يعرف والد البطلة لماذا تمسك الناس بعبد الناصر، وﻻ تعرف لماذا انتشر الحجاب، بينما التلفزيون يكرر أن دراسة توصلت إلى أن 80% ممن ترتدينه يفعلن ذلك ﻷسباب اقتصادية، لكن بجانب ذلك أيضاً هناك المعركة مع المتطرفين التي أنهكت الدولة في التسعينات. تمرّ ياسمين الرشيدي على واقعة مجزرة البر الغربي في اﻷقصر، العام 1997، وظهور جمعية قندهار في إمبابة، هكذا نتوصل إلى أن هذه المقدمات، تفضي إلى مشهد 2011.

في الصيف الثالث من الرواية، وقسمها اﻷخير، تستمر الرشيدي في تذكير قارئها بعصر مبارك، تمضي في حيادية الطفولة التي جاء عليها سرد الصيف اﻷول، لتبرز المناقشات التي كانت تنتقد عجز الدولة عن إنقاذ مواطنيها اﻷقباط، إزاء هجمات المتطرفين على دور العبادة، بينما والدة البطلة، تؤيد مثل السواد اﻷعظم من المصريين، الحكومة، وترى أن مبارك والبابا شيء واحد. ترثي البطلة عمها، الذي مات وهو ينتظر التغيير، أنه العم نفسه الذي تورط ابنه مع اﻹسلاميين في قتل السادات، وكان يحدّثها كثيراً عن الفساد المستشري. لدينا واحد مثل هذا العم في كل عائلة، شخص خرج عن التيار، ويبشر بالتغيير الآتي، لكنه مات قبل أن يشهده، وبينما يموت العم، يعود اﻷب فجأة ليشهد مع اﻻبنة اندلاع حُلم التغيير، الذي تشارك فيه اﻷم التي كانت تدافع عن مبارك، وتؤيده. وعن أحداث 2013، تطرح ياسمين الرشيدي تساؤﻻتنا التي طرحناها منذ سنوات، فتقول عبر لسان بطلتها: كان الملايين في الشوارع يهتفون بسقوط مرسي، وكنت أعد نفسي واحدة بينهم. أغلب من أعرف من اﻷصدقاء والمعارف والزملاء، وحتى من يقولون اﻵن إن إسقاطه كان انقلاباً، كانوا معي يومها.

تكتب ياسمين رواية اﻷسئلة، من دون أي اعتناء بطرح اﻹجابات، وهي ليست مسؤوليتها، أسئلة من قبيل: لماذا لم تتغير اﻷنظمة بعد ثورة 1919، هل يمكن أن تكون 1952 ثورة وانقلاباً على الملك؟ و2011؟ كانت ثورة من نوع آخر، لكن في نهاية المطاف أرغم الجيش مبارك على التنحي، تجيب ياسمين باﻹجابات التي كانت حاضرة في عقولنا آنذاك: الناس هم الذين أرغموه، لكن الجيش كان يريد ذلك، لم يرغبوا أن يخلف جمال أباه، و2013..؟ لم تختلف عن ذلك في واقع اﻷمر، اللهم إلا في أن الملايين خرجوا.

لكن على الرغم من الحيرة البادية في السطور، وفي عقولنا، توجه ياسمين التحية لثورة 2011، لشبابها المغدور، تقول: أفكر في الخيانة، ﻻ خيانة جيل أبي، جيل الهزيمة، بل خيانة اﻹخوان، والشرطة، وتواطؤهما خلال الصدامات التي وقعت في نوفمبر قبل ثلاث سنين، قتل العشرات، وصديقة لي اغتصبت في ثنايا ذلك.

(*) صدرت ترجمتها عن دار الشروق بترجمة المترجم المصري أحمد شافعي.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019