إبراهيم الصلحي: الفن على علبة دواء

شادي لويس

الجمعة 05/07/2019
قبل ستة أعوام، أصبح السوداني، إبراهيم الصلحي، أول فنان أفريقي يخصص له متحف الفن الحديث في لندن، "تيت مودرن"، معرضاً "استعادياً"، احتفاء بمجمل مسيرته الإبداعية. وبجدارة استحق الفنان السوداني حينها هذا التكريم، ليس كونه واحداً من أكبر الفنانين الأفارقة والعرب فحسب، لكن لأن سيرته الشخصية تروى قسطاً ليس بالقليل من تاريخ الفن الأفريقي المعاصر. فغياب المؤسسة الثقافية بمعناها الحديث ومحاولات التجريب الفردية والمتناثرة والهيمنة الأكاديمية الغربية، بالإضافة إلى الأوضاع السياسة المضطربة، كلها عوامل شكلت مسيرة الفن الأفريقي الحديث، كما حددت مسارات الصالحي الإبداعية بالقدر نفسه.

كان الالتحاق بمدرسة "سليد" للفنون، الأكبر في لندن، العام 1954 أي قبل عامين فقط من استقلال السودان، هو ما زود الشاب السوداني بخليفة أكاديمية تفصيلية بتاريخ الفن الأوروبي. لكن هذا لم يكن كافياً لاجتذاب الجمهور لمعرضه الأول في الخرطوم. فبعد عودته إلى السودان في العام 1957، حضر البعض ليلة افتتاح المعرض من أجل المشروبات المجانية، وبعد ذلك لم يظهر أحد. كانت هذه لحظة تحول مبكرة لدى الصلحي، فبدأ بعدها إدخال ثيمات بصرية تراثية ومحلية في لوحاته، وكذلك بدأ الجمهور الاهتمام بلوحاته التي تشبههم. كانت تلك محاولات للتجريب الفردي، من دون إيديولوجيا واضحة، لكن الستينات كان العقد الذي تبلورت فيها تنظيرات ثورات التحرر الأفريقية في علاقاتها بالآداب والفنون. 

في 1961 التقى الصلحي، في نيجيريا، باثنين من رواد موجة الأدب الأفريقي الحديث، تشينوا أتشيبي وويل سوينكا، وكانت ذلك لقاء مؤثراً في عمله التجريبي وبحثه عن لغة بصرية خاصة لفنه، وتزويد سعيه ذلك بخلفية إيديولوجية. وكان مهرجان الجزائر للفنون الأفريقية، في العام 1969، هو ذروة ما وصل إليه الحماس التحرري والتجريبي لفناني القارة، وفي مقدمتهم الصلحي بالطبع، وفي الوقت نفسه النقطة التي تراجعت عندها الطموحات السياسية الطوباوية لفناني العالم الثالث.

تحول الكثير من أنظمة ما بعد الاستقلال لأنظمة سلطوية تعصف بها الانقلابات، وانتهى الصلحي، في سجن "كوبر" السوداني الرهيب والشهير في الفترة بين 1975 و1976 بتهمة الانقلاب على نظام النميري. وفي زنزانته كان الرسم على قصاصات صغيرة من الورق، وإخفائها لاحقاً، هو ما مكنه من التغلب على تجربة السجن وفتح آفاق أوسع لفنه يعمقها الألم ولا يحدّها. غادر فنان السودان، وطنه بعد خروجه، ليعيش معظم حياته في الخارج، متنقلاً بين قطر والمملكة المتحدة.

 
مطلع الشهر الماضي عاد الصلحي، وهو على مشارف التسعين، بمعرض بعنوان "تسكين الألم" في غاليري ساتشي (لندن)، ويستمر حتى منتصف الشهر الجاري. فخلال العامين الماضيين، وفي بيته في أكسفورد، راكم "الأب الروحي للحداثة الأفريقية" في الفنون أكثر من 180 منمنمة على قصاصات الورق، والخطابات، وعلب أدوية المسكنات التي يتناولها لتخفيف آلام المفاصل والظهر المزمنة. كان ذلك تكنيكاً بسيطاً تعلمه في السجن، تحويل كل سطح لمادة مناسبة للرسم، وتحويل الرسم إلى عملية للانخراط الذهني والتأمل لتخفيف الألم.

يتغلب الصلحي، المولود العام 1930، على السن، وصعوبة عمله على لوحات كبيرة بسبب المرض عبر تكنيك آخر بسيط. وذلك عبر 18 من منمنماته المرسومة بالحبر على علب الأدوية الفارغة، التي نُقلت بتقنية الطباعة على الشاشة الحريرية إلى لوحات بارتفاع يقترب من المترين. وتحمل معروضات "تسكين الألم" بصمة الصلحي المميزة، الأشكال العضوية التي تنمو بنفسها، وتسحب العين للتورط فيها، حيث تتراكب الأجزاء الصغيرة لتبني كلاً مجمعاً، بعناصر حميمية، يسهل تمييز بصمتها الأفريقية والعربية.

يواصل الصلحي رحلته الفنية الطويلة، من دون إيديولوجيا صارخة، ومن دون تشديد على عنصر المعاناة، بل على العكس برغبة دائمة للاحتفاء بالجمال، وبأمل في التواصل مع الجمهور، الآخرين المعزول عنهم بجسده، سواء خلف أسوار السجن أو الشيخوخة، معتمداً على تراثه الفني ومناهلة الكثيرة وعلى بساطته المذهلة. 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019